عبرة لا شماتة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 25 يوليو 2021 

في الأسبوع الماضي ظهرت سيدة يعرفها معظم العاملين في مجال الإعلام ومعظم الناشطين السياسيين.. ظهرت في فيديو مصوّر عبر صفحتها على الفيس بوك، تترجى السيد رئيس جمهورية الأمر الواقع، والسيد وزير داخليته.. كان المشهد مهينا لدرجة الإذلال.

كانت السيدة تترجى هؤلاء لكي يفرجوا عن ابنها، ما الذي فعله ابنها؟

من خلال متابعة الفيديو سيكتشف المشاهد أن هذا الشاب كان يمشي في شارع ما من شوارع القاهرة، ثم فوجئ بشخص يرفع في وجهه مسدسا بسبب خلاف مروري.. الشخص المسلح كان يرتدي زيا مدنيا، وكان يتصرف بغرور وعنجهية، وهو ما استفز الشاب، وتطورت الأمور، وتم تصوير المشهد، ثم بعد ذلك ذهب هذا الشاب (نجل السيدة صاحبة الفيديو) إلى قسم الشرطة لكي يقدم بلاغا ضد هذا الشخص (الذي تبين أنه ضابط شرطة طبعا!).

حين ذهب الشاب إلى قسم الشرطة صودر هاتفه المحمول، واختفى ساعات طوال، وبعد ذلك ظهر في النيابة، ثم وجهت إليه (باقة التهم) المعروفة، الانتماء والتمويل ونشر الأخبار الكاذبة.. الخ !

*        *        *

السيدة التي أتحدث عنها لم تترك شيئا تثبت به ولاءها للنظام إلا وفعلته (هي تقول إنها تفعل ذلك عن قناعة.. وأنا أصدقها)، اللهم إلا أن تمسك السلاح بيديها وتطلق الرصاص على المتظاهرين !

لقد أيدت جميع الإجراءات القمعية التي اتخذها النظام، أيدت القتل والاعتقال ومصادرة الأموال وإقحام الأبرياء في قوائم الإرهاب.. الخ

أيدت جميع إجراءات النظام في سياسيته الداخلية والخارجية، وحين ترى ما كتبته على صفحتها قبل هذا الفيديو الذي تستغيث فيه، ستجد أنها من الفئة القليلة من المصريين التي ما زالت تثق في رئيس جمهورية الأمر الواقع، وتثق في أنه قد خبأ مفاجأة للمصريين في مسألة سد النهضة (مفاجأة سارة بالطبع)..

بل ستجد أنها قد وصلت لحالة من الغرام العجيب مع هذا الرئيس، فتدلل الرجل قائلة (يا عبده)، وكأنه حبيب، أو أخ أكبر..

في النهاية.. وبعد انتشار الفيديو، وبعد أن عرفت الدولة بأمرها، وبعد أن تعاطف الآلاف مع هذه الأم المكلومة التي لم تتهم الدولة بأي اتهام يتعلق بحقوق الإنسان لا سمح الله، أصدرت وزارة الداخلية توضيحا نشر في الصحف قالت فيه (أوضحت مصادر أمنية أن حقيقة ما تناولته بعض القنوات الإخوانية بالخارج حول ما بثته المذيعة السابقة بإحدى القنوات المناوئة من ادعاءات بتعرض نجلها للحبس نتيجة خلاف مروري مع أحد الضباط، أن نجلها (الإخواني) قد حاول اقتحام مأمورية ترحيلات أحد العناصر الإخوانية المرتبطة به، عقب انتهاء جلسة محاكمته، وتصوير سيارة الضابط باعتباره خلافا مروريا يهدف إلى إثارة المواطنين ضد الشرطة، حيث تم اتخاذ الإجراءات القانونية ضده وعرضه على النيابة، التي قررت حبسه على ذمة التحقيقات، وجار اتخاذ الإجراءات القانونية ضد المذكورة نتيجة ادعاءاتها الكاذبة) انتهى بيان الداخلية !

*        *        *

سيقول قائل إن هذه السيدة ليست بمواصفات المواطن المثالي المطلوب، لذلك أساؤوا الظن بها، ذلك أنها قد عملت قبل ذلك في قناة مناوئة (يقصدون الجزيرة)، وبالتالي من الطبيعي البطش بها، وهي بالفعل عملت في الجزيرة، وتركت عملها منذ عشر سنوات..

ولكن الحقيقة أنه لا يوجد مواطن مصري ليس له زَلة أو "ذِلة" يمكن أن يؤخذ بها إلى المعتقل، وإذا افترضنا أن هناك مواطنا مصريا ليس له ممسك، وليس له أي قريب من أقربائه له انتماء سياسي، وليس في تاريخه أي شبهة أمنية من أي نوع.. فما أسهل أن يتم تلفيق هذا المأخذ.. من الممكن أن تكون مواطنا (مثاليا) وتحتكّ في الشارع بأمين شرطة، فيتم اقتيادك لقسم الشرطة، وهناك يتم دسّ الحشيش في جيبك، أو نقود مزورة.. أو ما تيسّر من التهم والقضايا المعدة سلفا.. والجود بالموجود !

إن جميع المواطنين المصريين اليوم يعيشون وهم تحت تهديد السلاح، وحامل السلاح أهوج مرعوب، لذلك تراه يتصرف بصبيانية عجيبة، يرعبه تعليق على الفيس بوك، تغريدة على تويتر، فيديو على اليوتيوب، مهما بلغت تفاهة هذه الأشياء..

إنه نظام يعرف جيدا أن الثورة القادمة قادمة لا ريب فيها، وأنها قد تعلمت مما حدث، وأن خلع الملابس الميري والركض في الشوارع بالملابس الداخلية لن يكون مجديا هذه المرة، لذلك ترى دولة كاملة تتصرف بعصبية شديدة، وبحساسية مفرطة أمام اللاشيء.. لا يوجد معارضون في مصر خارج السجون، ولكن الدولة تخترع معارضيها لكي يستمر البطش، خشية أن يفكر أحد في المعارضة لو توقفت عجلة السجن والاعتقال والقتل !

*        *        *

بعد نشر الفيديو تم استدعاء السيدة للتحقيق، وأفرج عنها، وقد امتثلت السيدة لما أمروها به، فحذفت الفيديو، واستمرت في تأييد النظام، وسب المعارضين.. بل إنها تعرض على صفحتها إنجازاتها في تأييد النظام على أمل أن يفرج عن ابنها، وكلها ثقة في (نزاهة ودقة التحريات).

ربما يخرج ابن هذه السيدة، وربما يتم الوصول لحل لهذا الموضوع، لا فرق.. فما حدث حدث، وغالبية هذه المصائب لا تجد حلا، وهناك الآلاف من الشباب اليوم يقضون زهرة شبابهم في السجون بسبب حوادث وشجارات مشابهة..

أتمنى أن يفرج عن هذا الشاب، وأن يعود لأمه وحياته، كما أتمنى ذلك لعشرات الآلاف من المظلومين في السجون من قبله..

ولكن لا بد أن يعلم الجميع أن (قواعد الاشتباك) مع أتفه ضابط شرطة في مصر.. هي قواعد الاشتباك بين (الشبشب والصرصار) !

وفي نهاية حديثي أقول لكل الذين يدعّون أن هناك مصالحة ما، وإلى كل من يرغب في العودة إلى مصر، ويظن أن بإمكانه أن يعيش آمنا إن هو طأطأ رأسه، أو سار بجوار الحائط، أو جاهر بتأييد النظام، وبايع المسؤولين في كل مناسبة.. أقول لكل هؤلاء الذين يظنون أنهم قد حصلوا على (ضمانات أو تطمينات.. سمها ما شئت).. للأسف الشديد لن يجديكم ذلك، ومهما فعلتم ستكونون عرضة للسجن والاعتقال والقتل مع أول خلاف مروري مع أتفه مندوب شرطة !

لا يوجد حل مع هذه العصابة، وجودهم في السلطة يتعارض تعارضا كاملا مع الأمن الشخصي لكل مواطن مسالم، بل إن وجودهم قد ثبت – بعد انتهاء الملء الثاني لسد النهضة – أنه يتعارض تعارضا وجوديا مع بقاء مصر نفسها.. مصر الدولة.. ومصر الشعب..

*        *        *

ملحوظة: لكل من يظن أن هذه المقالة كتبت شماتة في فلان أو علان أقول.. والله لا أشمت، ولكن آن لنا جميعا أن نعتبر.. آن لكل مؤيدي النظام ومعارضيه أن يفهموا أن وجود هذه العصابة في السلطة خطر على الجميع.. هذه المقالة – ويشهد الله – عبرة لا شماتة !

رابط المقال 

جميع المقالات