الاختيار الخاسر

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 18 إبريل 2021 م

شاهدت الحلقة الخامسة من مسلسل الاختيار، تلك الحلقة التي تصور جريمة فض اعتصامي رابعة والنهضة (تصوره كعمل وطني بطولي)، وبعد أن فوجئت بالمستوى الفني المتواضع، والسردية التاريخية المتهافتة، سألت نفسي (ما الهدف من هذه الحلقة؟ ما الهدف من المسلسل كله؟)

*       *       *

يظن البعض الهدف من المسلسل تخليد الرواية الرسمية للأحداث، وإثبات الانتصار للمنتصر، يردد البعض الكلام الفارغ عن أن التاريخ "يكتبه المنتصر" !

بالطبع كلام فارغ.. يبدو كلاما براقا، مقنعا، ولكن الحقيقة عكس ذلك..

لقد انتصر الإنسان الأبيض على الهندي الأحمر منذ قرنين من الزمان، وأبيدت شعوب كاملة، أكثر من مائة مليون إنسان أبادها الإنسان الأبيض لكي يثبت انتصاره المزعوم.. وما زالت رواية الهندي الأحمر "المهزوم" خالدة عبر الزمان، رواية المهزوم كتبت بكل لغات العالم، اقرأها بالعربية أخي القارئ لو أحببت في كتاب (أمريكا والإبادات الجماعية) للأستاذ منير العكش، وبإمكاني أن أضع لك خمسين مرجعا بخمسين لغة حية في الموضوع نفسه..

نحن العرب نعيش قصة كفاح فلسطين منذ عشرات السنين، تلك القضية التي منيت بهزائم وخيانات لا حصر لها، وما زالت إسرائيل تتفنن في إثبات روايتها، رواية المنتصر الذي عاد إلى أرض الميعاد، واستعاد لغته المندثرة، وأقام مجتمعه المتقدم، وجمع الشعب المظلوم من الشتات.. الخ

ولكن الحقيقة أن رواية الفلسطيني العربي "المهزوم" ما زالت تستعصي على المحو، وما زالت تؤرق المنتصر، وتذكره بزواله في كل لحظة، وتنغص عليه انتصاره المؤقت المزعوم.

إن التاريخ صفحة بيضاء، تقبل كل الأقلام، لذلك يكتبه المنتصر، ويكتبه المهزوم.. والرواية الخالدة ستكون لمن يوثق روايته بصدق، ويورثها لأبناءه وأحفاده، لمن يستمر في الكتابة، لمن يصرّ على سرديته مهما تغيرت الظروف، وهذا لا يتحقق إلا لأصحاب الحق.. لهذا بقيت رواية الهندي الأحمر صاحب الأرض، ولهذا ما زالت رواية الفلسطيني أقوى من جيش الاحتلال.

*       *       *

ما الهدف إذن من هذا المسلسل؟

لو أن هتلر انتصر في الحرب العالمية الثانية لا أظنه كان سيوثق جرائمه في الإبادة في مسلسلات، لا أظنه سيأمر (جوبلز) بعمل فيلم سينيمائي بعنوان الاختيار عن الهولوكست !

لا يوجد في التاريخ من يحتفي بالمجازر، عن السفاحين أتحدث !

محمد علي باشا صاحب مذبحة المماليك، هذا الذي يحتفون به وبمذبحته، ويحاولون أن يصوروا جرائمهم وكأنها بداية نهضة أخرى مثل نهضة محمد علي (المزعومة).. أقول إن هذا الباشا لم يكن سعيدا بتلك المذبحة، ولم يكن يحتفي بها، وظل إلى آخر عمره لا يحب أن يتحدث في هذا الأمر، وإذا تجرأ أحد وفتح الموضوع فكان يبادر دائما بتغيير موضوع الحوار.. ليس ذلك لأنها طبيعة بشرية وحسب، بل لأن هذه الجريمة تتناقض مع صورته كرجل دولة..

لذلك لا تستغرب أن يحاول أهل الحكم اليوم أن يحتفوا بجريمتهم، فهم أبعد ما يكونون عن صفة (رجل الدولة).. إنهم صبية صغار.. جهلة يتعالمون، أغبياء يتذاكون..

*       *       *

ما الهدف إذن من هذا المسلسل؟

جمع المصريين خلف راية واحدة من أجل مواجهة مصيبة جفاف النيل؟

الحقيقة أن جمع المصريين خلف أي قضية وطنية سيكون خطرا على الحاكم، فأهل الحكم اليوم لا علاقة لهم بالوطنية، وأي تجمع للناس خلف أي قضية وطنية معناه أن يتخلصوا أولا من الحاكم الذي يحكمهم قبل كل شيء، إذا لا معنى للوطنية في وطن يحكمه أعداء الوطن بالوكالة.

لذلك من ثوابت الحكم اليوم أن يبقى المصريون متفرقين على حالهم، وأن تتم تغذية الاستقطاب بكل الطرق، وأن تسقى بذرة الكره بكل الوسائل، وإلا سيتوحد الناس بشكل طبيعي، ويستأصلوا شأفة الحكم فورا.

لذلك كلما رأيت دعوات بعض أصحاب النوايا الطيبة التي تنادي بالاصطفاف خلف الخونة (من أجل النيل) ضحكت وبكيت في نفس الوقت، فهم لا يعرفون أن ما يحدث مقصود، وأن بقاء المصريين متفرقين هدف من أهم أهداف أهل الحكم..

ولهذا أيضا لا أصدق ما يقال عن (مصالحات) موعودة !

*       *       *

ويظل السؤال يدق في رأسي كبندول حائر.. ما الهدف من المسلسل؟

الهدف من المسلسل ليس إثبات رواية النظام.. فهي رواية متهافتة، لا يصدقها أحد، وغالبية من يتشدقون بها سيغيرون كلامهم فور سقوط النظام، أو زوال رأسه، والقلة المخدوعة أتفه من أن تمثل رأيا عاما صلبا، إنهم مجرد غثاء.. وكل الروايات الكاذبة تجد من يصدقها.. مهما بلغ تهافتها..

إن الهدف من هذا المسلسل بسيط.. إنهم لا يطمحون أن يصدق أحد روايتهم الكاذبة لما حدث، بل غاية أملهم أن نشك نحن في روايتنا الحقيقية.. أن نكذب أعيننا.. أن نفلسف المذبحة بقسمة الجريمة بين القاتل والمقتول.. أن نلتمس عذرا للقناصة.. أن نردد كلاما فارغا عن أن من قتل هؤلاء المظلومين (هو من أخرجهم).. أن نصدق كلاما تافها لشعراء مهزومين يدّعون البصيرة بأن التاريخ (ضمن الغنائم).. وبذلك نتقاعس عن كتابة روايتنا، ونستحي من توريثها لأبناءنا، وأبناء أبناءنا، وأبناء أبناء أبناءهم .. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها !

*       *       *

هذا المسلسل التافه تاريخيا، المتهافت فنيا، الكاذب واقعيا.. سيعتبر مسلسلا ناجحا، وسيصبح استثمارا ناجحا للسلطة إذا شككنا في روايتنا !

لقد كانت رابعة (وأخواتها من المجازر التي امتدت سنوات بطول وعرض الوطن) مجزرة ضد الوطن وأبناءه، ضد الوطن كله.. وأبناءه كلهم.. ليست ضد فصيل، وليست من أجل الوطن.. لقد كانت جريمة ضد الإنسانية، ارتكبتها مجموعة ميليشيات مسلحة، لا سند لها من دين أو قانون أو أخلاق، بهدف الاستيلاء على السلطة وما يتبعها من ثروة وجاه ومميزات..

إذا ظللنا على هذه القناعات الصادقة، وورثنا هذه الحقيقة التي لا تقبل الشك لأبناءنا.. فتأكد أننا قد انتصرنا، وأننا قد كتبنا التاريخ، ولينتجوا ما شاؤوا من أفلام ومسلسلات، وليستأجروا من يريدون من مرتزقة لا هم لهم سوى المال..

لقد كان اختيارا خاسرا من السلطة أن تنتج هذا المسلسل، لأنها أكدت لنا أننا ما زلنا على قيد النضال، وأننا ما زلنا رغم فصل الهزيمة على طريق النصر، وأنهم ما زالو رغم صولجان السلطة في رعب من يوم الحساب القريب..

رابط المقال