هل الغندور معذور؟

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 14 يونيو 2021 م

السيد أحمد الغندور الشهير بالدّحّيح يظن – والله أعلم – أن المحتوى العلمي الذي يقدمه لا علاقة له بالسياسة، يظن أن الحديث في "العلم" يخرجه من سياق الواقع الذي يعيش فيه، ولهذا السبب يقع في أخطاء فادحة، أخطاء تكاد تودي بجماهيريته ومشروعه العلمي الذي نحترمه.

الدّحّيح حالة يوتيوبية (نسبة لليوتيوب، وليس لليوتوبيا) ظهرت نتيجة عوامل كثيرة أهمها الظرف السياسي الذي تعيش فيه، لقد تضاءلت مصداقية وسائل الإعلام الأصلية كالتلفزيون والراديو والصحف، وتمت السيطرة على جميع منافذ التعبير عن الرأي، وظهر جيل جديد يحب أن يتابع الوسائل الجديدة التي يراها مناسبة له ولطريقة تفكيره.. كل ذلك حدث لأسباب سياسية بالأساس، لذلك لا يمكن أن يتجاهل السيد "دحّيح" هذه الحقائق، وأن يعتبر نفسه طائرا يحلق في سماء فارغة، ليس فيها أي طيور أو سحب أو عواصف.. أنت جزء من حالة عامة  شئت أم أبيت، وجمهورك الذي يقدر بالملايين هو الذي يعطيك القيمة الحقيقية، وهو جمهور تشكلت أفكاره بسبب هذه الظروف السياسية التي يتجاهلها فريق الدّحّيح.

*        *        *

سيقول آخرون.. نحن لا ننكر هذه الحالة، ولكن ألا يمكن الحياد؟ لماذا تطالبون الدّحّيح – أو غيره – بأن يغرق في السياسة؟ وأن يعادي ويصالح ما تشاؤون؟ ألم تكونوا راضين عنه حين كان يتحدث عبر منصة من منصات الجزيرة؟

والحقيقة إن الكلام فيه مغالطة كبيرة، فالسيد دحّيح بعد أن ترك المنصة المحسوبة على الجزيرة عمل لفترة قصيرة في منصة (شاهد)، وهي منصة لها توجه سياسي طبعا، ولكن أحدا لم يدع الناس إلى مقاطعته، صحيح أن جماهيريته تأثرت بسبب أنه قبل أن يعمل مع منصة تديرها شخصية سعودية مكروهة من المصريين الذين هم غالبية جمهوره، ولكن في النهاية لم يفكر أحد بأن يدعو إلى مقاطعة برنامجه.

وبالتالي.. إذا كان السؤال (هل الحياد ممكن؟) الإجابة: (ممكن.. بشرط أن يكون حيادا) !

الوضع الحالي الذي وضع فريق الدّحّيح فيه نفسه هو أنهم (تحيّزوا) !

نعم.. إنه تحيّز واضح صريح مطلق لصالح مؤسسة لا هدف لها إلا الترويج للتطبيع مع إسرائيل، ومهما حاولت هذه المؤسسة أن تظهر نفسها بمظهر المحايد الذي لا هدف له إلا نشر العلم، فنحن جميعا نعلم علم اليقين أن هذه المؤسسة ليست سوى مؤسسة صهيونية ترتدي الغترة والعقال (لزوم الشغل).

كان بإمكان الدّحّيح أن يستمر مع منصة (شاهد)، أو أن يؤسس شركة مستقلة لينتج لنفسه، أو أن يتعاون مع أي مؤسسة من مؤسسات الإنتاج المقربة من النظام المصري نفسه.. صحيح أنه سيخسر جزء من جماهيريته، ولكن لن تكون سقطته مثل أن يبيض وجه مؤسسة صهيونية بعد حرب شعواء في غزة، وأثناء محاولة الاستيلاء على حي الشيخ جراح، وبعد أن وقف الرأي العام العالمي كله أمام جرائم إسرائيل..

هناك خلل في فريق الدّحّيح نفسه، ومن يتخذ القرار كان عليه أن يدرس عواقب هذا الاندفاع غير المدروس مع مؤسسة مشبوهة تمولها دولة مارقة كالإمارات..

*        *        *

في النهاية نحن ندعو إلى مقاطعة برنامج الدّحّيح، ونقول للناس قاطعوا هذا البرنامج لأن ذلك جزء من مقاطعة إسرائيل، وعمل من أعمال مقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني.

وفي الوقت نفسه ندعو الغندور إلى الانسحاب من هذا التعاقد المشين مع هذه المؤسسة، ولا نطالبه بالعمل مع جهة بعينها، هذا ليس من شأننا، فليختر ما يشاء، ولكن فليتأكد الغندور أنه غير معذور، وأن التطبيع مع العدو سيواجه من شرفاء الأمة بحملات تفضحه، وتدعو الناس إلى فضحه.

بقيت كلمة أخيرة نوجهها لهؤلاء الذين يقولون (اشمعنى الدّحّيح؟ الجميع يطبع، والحكومات كلها عميلة لإسرائيل، وما فائدة المقاطعة؟)، نقول لهؤلاء: برغم تهافت منطقكم، وبرغم إننا ندعو لمقاومة كل أشكال التطبيع أيا كان مصدرها، إلا أن هذا المنطق هو المنطق نفسه الذي يتحدث به المستوطن الصهيوني الذي وقف أمام الفلسطيني في الشيخ جراح قائلا (إذا لم آخذ بيتك سيأتي غيري ليأخذه) !

يبدو أن عقلية المستوطن الصهيوني قد غزتنا في عقر دارنا، وأصبح كثير من أبناء جلدنا صهاينة الفكر، فتراهم يرون أن التطبيع قادم، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا أشارك في التطبيع لأربح قبل غيري؟

وهي نفس طريقة المستوطن "يعقوب" !

على المستوى الشخصي أنا أحترم تجربة الدّحّيح، تلك التجربة الجماهيرية الضخمة، التي قدمت محتوى شديد التميز، وتمكنت من جذب الناشئة إلى البحث العلمي، وقد استمتعت بمشاهدة عشرات الحلقات من هذا البرنامج على مدار عدة سنوات.

من المؤسف أن يضيع الدّحّيح تجربته بهذه الطريقة، وأن يسيء لنفسه بسبب شركة إنتاج يستطيع أن يستغني عنها بسهولة.. إلا إذا كان في الأمر سرا لا نعلمه، في هذه الحالة أنصح الغندور بأن يعتزل مؤقتا، عسى أن تزول هذه الأسباب قريبا، ونسأل الله أن يخلص مصر كلها من الغمة التي تسيطر عليها منذ سنوات.

رابط المقال