كورونا بين الحرية والاستبداد

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 5-4-2020 م

 

ما زلنا جميعا مشغولين بمتابعة أخبار الجائحة التي حلّت على كوكب الأرض بلا إنذار، وما زلنا نحاول أن نتذكر شكل حياتنا قبل الجائحة، وأن نتخيل شكل حياتنا بعد أن تنكشف الغمة، وفي البال هاجس (ترى ستنكشف؟) !

إن ظهور الفيروس اللعين في دولة الصين وهي قلعة من قلاع الاستبداد في العالم، ونجاحها في مواجهته باستخدام وسائل كثيرة من ضمنها مخالب الأجهزة الأمنية الديكتاتورية التي تراقب كل شيء، تجعلنا – نحن أنصار الحرية في العالم – نتوجس خيفة مما هو قادم، وتفرض علينا أن نتكاتف لحماية هذا الكوكب من فيروس أخطر من كورونا بكثير، أعني فيروس الديكتاتورية.

*       *       *

تحاول الصين أن تقدم نفسها كنموذج نجاح في أزمة "كورونا"، والحقيقة أن جميع المؤشرات تؤكد أن الصين تكذب، فنجاحها نجاح زائف، يتحلى بأرقام لا أساس لها من الصحة.

الصين تكذب في الغالبية العظمى من الأرقام، فأرقام المرضى والموتى لا يعلم حقيقتها إلا الله، والأهم من ذلك أنها تكذب في التواريخ، فمن الواضح أن الوباء قد بدأ قبل التاريخ الذي تعلنه الصين، وطبيب العيون الذي نبه للكارثة وتم توبيخه، لم يكن الطبيب الأول، ولكنه كان الأشجع، أو ربما كان الصوت الأعلى.

لو أن هذا الوباء بدأ في بلد ديمقراطي لتم اكتشافه في أيامه الأولى، ولما تم السكوت عليه أسابيع وربما شهور لكي تتضاعف الكارثة داخل البلاد، ويتم تصدير الوباء للعالم كله.

إذا كان البعض يظن أن الاستبداد هو سبب نجاح الصين في احتواء الوباء، فنحن نقول إن هذا الاحتواء مجرد "افتراض" لم يثبت، وبيننا وبين إثباته شهور وشهور، بينما الثابت بيقين أن الاستبداد كان السبب الوحيد في بدأ الوباء وانتشاره.

*       *       *

من الواضح لمن يتابع سير الأحداث أن هناك رغبة عارمة لدى النخب الحاكمة والسياسيين في غالبية الدول – حتى في كثير من الدول "الديمقراطية" – لاستغلال الجائحة في مزيد من السيطرة، والرقابة، والاستبداد، والديكتاتورية، رغبة شريرة في قمع المواطنين، ولكنها هذه المرة تتحصن بشعار الحفاظ على صحة المواطنين، وترفع راية مقاومة الأمراض والأوبئة.

دعوات لمراقبة كل شيء، وكل أحد، ميكنة البشر، و"دجتلة" الإنسان حتى يتحول إلى روبوت، يمكن مراقبة كل تحركاته المادية والمالية وربما بعد قليل تتمكن تلك التكنولوجيا الأمنية الشريرة من مراقبة خواطره، ومع الوقت.. ربما يكون الهدف التحكم في أفكار ومشاعر الناس.

*       *       *

لذلك لا بد للأحرار حول العالم من إنشاء جبهة موحدة ضد هذه الجبهة المخابراتية التي تتوحش كل يوم، ولن تتوانى عن مزيد من التوحش بعد هذا المرض.

لا بد من فضح تلك الأنظمة، بتوضيح الحقائق الآتية:

أولا: لولا الاستبداد لما انتشر المرض أصلا (كما وضحت في بداية هذا المقال).

ثانيا: المسؤول عن انتشار المرض لم يكن ضعف الإجراءات الأمنية، بل المسؤول هو ضعف الإنفاق على المنظومات الصحية، وترك صحة الناس سلعة في يد المتاجرين بها دون رقابة حكومية تقدم الحد الأدنى من الرعاية للمواطنين.

ثالثا: الحل ليس في منح الأجهزة الأمنية مزيدا من الأظافر والأنياب، بل الحل في إعادة توزيع بنود النفقات في ميزانيات الدول، وتقليل الإنفاق على الأسلحة والحروب، وزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم.

إن الحل الحقيقي هو أن تزيد صلاحيات المجتمع، والمجتمع بطبيعته ستكون أولوياته هو أن ينفق على الناس، لا على مطامع الساسة وطموحات الزعماء في أكاليل الغار التي لا تتأتى إلا بمزيد ومزيد من تجارة السلاح، وجبال من جثث المدنيين العزّل.

رابعا: لا بد أن تصبح المنظومات الصحية ملكا للناس، وهنا لا أقصد ملكية الدولة، بل أن تكون تلك المؤسسات ملكية شعبية للشعوب، ومن يدري.. ربما يتمكن أحرار العالم من توحيد جهودهم بحيث تقدم المؤسسات الطبية خدمة مجانية عابرة لحدود الدول، بحيث يحظى المواطن (الإنسان) بخدمة طبية متميزة في أي مكان في العالم.

*       *       *

إذا لم نوضّح تلك الحقائق للشعوب، وإذا لم نتمكن من بناء تلك الجبهة التي تضم غالبية مقاومي الاستبداد والديكتاتورية في العالم، فمن الراجح أن يشهد العالم كارثة أكبر من كارثة كورونا خلال فترة وجيزة، ذلك أن هذا الفيروس لن يتمكن من حسم صراع النفوذ في العالم، وسينتظر الإنسان كارثة أكبر.

في رأيي الشخصي أن هذه الجائحة على عظمها لن تتمكن من تغيير موازين القوى في العالم دفعة واحدة، وستظل الدول العظمى تصرّ على الاحتفاظ بترتيبها في سلم الصدارة حسب ترتيبات خريطة النفوذ التي استقر عليها العالم بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

وبالتالي لن يكون هناك وسيلة لرسم خريطة النفوذ الجديدة إلا بحرب عسكرية حقيقية كبرى، أو مجموعة من الحروب متوسطة الحجم، وعن هذه الحروب سينتج عشرات الملايين من القتلى، ومئات الملايين من المشردين، (سيكون من نافلة القول أن أقول إن غالبية الضحايا في تلك الحروب سيكونون من منطقتنا العربية الإسلامية المنكوبة بحكامها الظلمة).

لا شيء يستطيع أن يمنع هذا السيناريو إلا جبهة موحدة لأحرار العالم، تعمل بأجندة موحدة، بهدف حشد القوى الشعبية لرفض الاستبداد، ورفض الاحتكام إلى الحروب، ورفض الإنفاق على السلاح بتريليونات الدولارات مع منح الفتات للصحة والتعليم ونشاطات المجتمع المدني.

إن أحرار العالم مطالبون بتجاوز كارثة كورونا، وأن يبدأوا بتحرك فوري لخلق هذه الجبهة، قبل أن يفاجأوا بطبول الحرب تدق، وحينها سيصبح أي حديث عن حق الشعب خرقا للصف الوطني، وتفتيتا للجبهة الداخلية.

بإمكان أحرار العالم اليوم أن يسقطوا – بشكل سلمي – عشرات الحكومات والأنظمة التي أهملت مواطنيها، وتركتهم فريسة للمؤسسات الربحية حتى في شؤون الصحة والتعليم.

إن إسقاط هذه الأنظمة بالوسائل السلمية واجب إنساني على كل أحرار العالم، من أجل الحفاظ على صحة الناس، ومقاومة الأوبئة، ودفع الحروب، وهي أهداف نبيلة سوف تؤيدها الغالبية العظمى من شعوب العالم، بعد أن رأى الناس بأعينهم كيف تنفق أموالهم على الجيوش والقصور، بينما تترك مشافيهم ومدارسهم للخراب، أو للمتربحين من الجهل والمرض.

وإذا لم نفعل ذلك الآن فإن تلك الأنظمة سوف تتحرك فورا لفرض مزيد من السيطرة الاستبدادية، وإخراس كل الأصوات التي تمثل الشعوب.

نسأل الله أن يحفظ البشرية من شر كورونا، ومن شر أجهزة التخابر وساسة الاستبداد..

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21