عجائب الهزيمة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 26 سبتمبر 2021 م

من العجائب التي نراها في هذا الزمن الذي فقد كثير من الثوار فيه اتزانهم بسبب فصل الهزيمة المر الذي نمر به نحن أبناء الربيع العربي.. أن بعضهم يلغي انتصارات الثورات، ويكتب التاريخ بأثر رجعي، فيحوّل كُلّ أو جُلّ الصفحات البيضاء سوادا، ويغير كل أيام الانتصارات هزائم..

يردد هؤلاء الرواية التاريخية التي تروجها بعض (وليس كل) أجهزة الأمن، يخدمون أعداءهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، يكررون كلاما متهافتا وهم يظنون أنهم الحكماء.. المحللون السياسيون.. الجهابذة الذين اكتشفوا (الملعوب)..

خلاصة ما يرددونه (في مصر بالذات).. أن الجيش هو من قام بالثورة !

نعم.. هذا الكلام يردده الكثيرون الآن، ويلقى استحسانا من المتابعين من كثرة ترديده، وعليه ملايين المشاهدات على اليوتيوب.

وهم يرددونه بثقة يحسدون عليها، وبيقين صفيق يدفع للتعجب، وحين تطالبهم بالدليل.. لا تجد إلا بعض تكهنات.. يستدلون ببرقية من وزير خارجية، أو برسالة من رئيس أمريكي، أو رئيس وزراء أوروبي.. وكأن هذا التفاعل مع الحدث يلغي الحدث الأصلي (أعني حدث الناس إلى الشوارع، واحتلالهم للميادين) !

يتحدثون عن ردود أفعال محلية وإقليمية ودولية.. وكأن حدوثها يثبت أن الحدث (الذي سبقها) مصنوع، وهو خلل منهجي في التفكير، لا يمكن تفسيره إلا بطريقة واحدة.. هي الهزيمة النفسية الساحقة.

*        *        *

الغريب أن هؤلاء يرتكبون جريمة كبرى في حق التاريخ وهم لا يشعرون، ويزورون تاريخ الأمة دون دليل، وبلا أي منطق.

بل إنهم يزايدون على الرواية الأصلية للثورة المضادة، فالثورة المضادة حتى اليوم.. ما زالت روايتها الرسمية تتحدث عن مؤامرة عالمية، اشترك فيها بعض الخونة من أبناء الوطن.

الدولة المصرية لم تذكر بأي شكل من الأشكال في أي لحظة من اللحظات منذ اندلاع ثورة يناير وحتى اليوم.. أنها خططت لخلع مبارك لكي تفشل خطته في توريث الحكم لابنه.

بل إنها تنفي استفادتها من حدوث الثورة، سواء في إفشال مخطط التوريث، أو في مضاعفة مكاسبها الاقتصادية والسياسية.

والسبب أن ذلك إهانة كبرى لهم، كما أن هناك سببا آخر، وهو رغبة الدولة إلى عودة الأمور إلى السكون الذي كانت عليه لعشرات السنين قبل ذلك.

كل من يظن أن الدولة المصرية أو المخابرات العسكرية يمكن أن تخاطر بتحريك الجماهير لكي تتخلص من جمال مبارك.. لا يفهم طبيعة هذه الدولة، وكيف أنها بنيت على أساس تهميش الناس.

إن الوضع النموذجي للدولة المصرية تجلى في حادث اغتيال السادات.. لقد اغتيل رئيس الدولة، فما كان من القادة إلا أن جلسوا معا (مبارك، وأبو غزالة، مع هاتف مفتوح على واشنطن وعواصم دولية)، وتم حسم الأمر في غرفة مغلقة بتولية نائب الرئيس المقتول أنور السادات.

أما الشعب المصري.. فقد انتظر في البيوت حتى يحسم (أصحاب البلد) الأمر !

هذا هو ما يتمناه من في السلطة اليوم، ولكن هيهات..

هيهات أن يهدأ البلد الذي تحركت في عشرات الملايين من البشر في عشرات المدن، وما زالوا حتى اليوم في رعب جاثم على صدورهم خشية أن تتحرك الجماهير مرة أخرى.

*        *        *

إن الارتجال الرهيب الذي صبغ المجلس العسكري وتصرفاته يدل بلا شك على أن ما حدث لم يكن مرتبا له.

كما أن الأمر – لو كان مؤامرة – لظهر من قام بهذه المؤامرة على أنه بطل، ولصار رجل المرحلة الذي أنقذ مصر، أو بمعنى أدق (أنقذ الدولة العميقة).

ولكن ما حدث أن من بيدهم مقاليد الأمور أقيلوا !

وجاء من الصفوف الخلفية من استطاع أن يستثمر سذاجة الإسلاميين، ويستغل شبق الأنظمة الإقليمية لاستمرار الاستبداد، وعلى رأسها إسرائيل، وصهاينة العرب.

لو كان في الأمر خطة.. لما استغرق الأمر كل هذه السنوات، ولما أقيمت انتخابات، وبرلمانات، وتلفزيونات.. كل هذا الحراك ما زالت الدولة المصرية تدفع ثمن حدوثه إلى اليوم.

*        *        *

غالبية هؤلاء الذين يروجون هذه الرواية الكاذبة نراهم من أبناء التيار الإسلامي، وسبب ذلك أنهم يعتقدون أن وجود مؤامراة يعفيهم من مسؤولية الفشل في إدارة التحول الديمقراطي، وكأن هذه المؤامرة حتمية النجاح.

ويساعدهم في تخيل أن ما يقولونه حقيقي غيابهم عن الشارع في السنوات التي سبقت خلع مبارك، حيث كانوا يعيشون خلف أسوار عالية داخل تنظيماتهم المنغلقة على نفسها.

*        *        *

قد يسألني سائل: (وما المانع أن يكون هذا الكلام حقيقيا؟)

والحقيقة أن السؤال معكوس، فينبغي أن يجيب السائل على سؤالنا نحن (ما الدليل على صحة هذا الكلام؟).. ورغم ذلك.. فإن الواقع يضع ألف مانع ومانع أمام احتمال صحة هذه الرواية المفبركة المنهزمة.

إن مؤامرة لإسقاط مبارك ليست أمرا بسيطا، ونجاح هذه المؤامرة وكرة الثلج التي تلتها، والأنظمة التي سقطت وما زالت تسقط إلى اليوم.. كل ذلك لا بد أن ينتج عنه ألف دليل ودليل يثبت وجود هذه المؤامرة.

في زمن التسريبات الذي نعيشه.. لا يوجد ورقة واحدة تثبت هذا الكلام الفارغ الذي يرددونه.

بل إن القارئ الذكي يمكنه أن يرى أن هذه الرواية لم يبدأ أحد بتداولها إلا بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013م، أي أنها رواية ممهورة بختم الهزيمة النفسية رسميا.

وما زلنا حتى اليوم لا نجد أي وثيقة أو دليل يدل على أن أي رجل من رجالات دولة مبارك قد جلس مع زميل له على مقهى في آخر الدنيا ليتباحثا معا في شأن إسقاط مبارك بتحريك الجماهير.. لكي يمنعوا سيناريو التوريث !

*        *        *

إن تاريخ الأمم أكبر وأهم من أن يترك لبعض المهزومين الذين تتغير مشاعرهم مع صعود موجة أو انخفاضها، والسكوت على تزوير تاريخنا الذي صنعناه بأيدينا مشاركة في الجريمة.

للأسف.. غالبية من يرددون هذا الرواية الركيكة من أصحاب النوايا الطيبة، وهم بسبب هزيمتهم النفسية، وعدم مشاركتهم في أحداث كثيرة قبل الثورة، وعدم فهمهم لتعقيدات الأحداث التاريخية الكبرى.. يظنون أنهم يبدعون، وأنهم يقولون كلاما عميقا ستثبت الأيام قيمته.. والحقيقة أنهم مجرد مرددين لأفكار مهزومين، بلا دليل، بل تتكاثر الأدلة اليقينية على تهافت تلك الرواية.. تلك الرواية التي لو حدثت.. لكان عليها آلاف الأدلة.

كلمة أخيرة: ارحموا تاريخ الثورة.. يا معشر الثوار.. فهو يزور بأيدي أعدائها، وليس محتاجا إلى سذاجتكم المفرطة في إلغاء انتصارات الشعوب بأثر رجعي !

رابط المقال