أنواع من الحجر

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 29-3-2020 م

 

يشكو الكثيرون اليوم من الحجر الصحي الذي أجلس مئات الملايين في العالم في بيوتهم لا يستطيعون حراكا، يفتقدون التنزه والسعي في الطرقات، يشكو الكثيرون الملل.. يفتقدون حياتهم اليومية بتفاصيلها التافهة التي لم يدرك قيمتها أحد حتى حرم منها.

بعض الشاكين يعيش في بيوت كبيرة، لها حدائق ومسابح، بيوت تدخلها الشمس، وتمتلئ بالكماليات.. ولكنهم أيضا يشكون الملل، ويفتقدون حياتهم الطبيعية..

يفتقد مئات الملايين فنجان القهوة في المقهى المفضل.. وآخرون يتمنون إطلالة على بحر المدينة، أو نزهة على نهرها، أو لقاء بصديق، أو قبلة من حبيب..

هؤلاء في الحجر الصحي.. نسأل الله أن يصبرهم.. وأن يرفع الوباء والبلاء عن الجميع..

*       *       *

أتذكر في هذه الأيام التي يشكو الناس فيها من الحجر الصحي سيدة كالهلال.. كان ظهورها في أي محفل كبير أو صغير يخلق بهجة العيد في نفوس كل من يراها، يحبها كل من طالت عشرته معها، ويحبها كل من رآها مرة أو مرتين..

أتذكر سيدة كالهلال في حيائها وجمالها.. في عُلُوِّها وإطلالتها على الدنيا.. في سموّها وارتقاء روحها الطاهرة.. تعيش اليوم في ظلام دامس.. في زنزانة بحجم خزانة ملابس، ليس فيها مقعد أو فراش، تنام على الأسمنت، وتحرم من شربة الماء، وشمة الهواء، لأن كلبا مسعورا استولى على الحكم بعَقْرِ كل من في طريقه، يراها خصما سياسيا وهي الأم والجدة ذات الستين ربيعا، لم يتورع عن تصفية حساباته مع خصومه الحقيقيين بأسر النساء.. ولكن هيهات أن يفهم كلب مسعور مكارم الأخلاق !

يشكو كثير من الناس مللهم من الحجر الصحي، وفي نفس هذه الأيام أتمت السيدة علا القرضاوي ألف يوم من الحبس الانفرادي في زنزانة لا ترى الشمس.. محبوسة في حجر إرهابي !

فكّ الله أسرك يا سيدتي.. أنت وزوجك الملائكي الأخلاق.. جميل الطلة والطباع.. المهندس حسام خلف.. وكل المأسورين في سجون الكلاب المسعورة على كوكب الأرض، والتي ما سلطها علينا إلا حب الدنيا وكراهية الموت !

*       *       *

يحاصر الكون كله غزة، ويتواطأ الجميع على حصار اللاجئين السوريين وغيرهم من الذين ابتلاهم الله بحاكم مسعور مدعوم من كلاب مسعورة ترتدي بدلات من أفخم الماركات، ويرتدون أحذية تلمع كأنها مرايا قصور..

يعيش مئات الملايين من اللاجئين اليوم – وأغلبهم من المسلمين السنة – في حجر عنصري، زنزانة من القوانين القائمة على التمييز، أو زنزانة من الخيام في العراء !

ويشاء ربك أن ينزل فيروس "كورونا" على السجان، فيحاصَرُ المحاصِرُ عسى أن يرق قلبه يوما لحال من أذلهم، ولكن هيهات أن يعتبر الإنسان.. سيظل غالبية جنس الإنسان الأبيض يرى نفسه فوق كل حساب، وفوق كل الأجناس.

*       *       *

كم أتمنى أن يرفع الله عنا الحَجْرَ بكل أنواعه.. وإن كان لي من أمنية فإني أتمنى أن يكون هناك وسيلة للحجر على بعض الذين يتحدثون باسم الخالق سبحانه، فيشوهون كل الأديان، فترى هؤلاء يقولون للناس اذهبوا إلى دور العبادة، ولا يبالون بانتشار هذا الطاعون.

وأؤكد أن هؤلاء من أتباع جميع الديانات.. فتراهم متعصبين لا يبصرون، يعميهم الفهم السقيم لبعض النصوص القديمة عن الخضوع لسلطان العلم الحديث، وهذا لعمري كِبْرٌ ما بعده كبر، وهؤلاء في مجملهم يصل بهم الغرور مرحلة لا أخلاقية، فكلامهم يمكن أن يترجم عمليا إلى موتى.. مئات الآلاف من الموتى !

يُحكى في عصور قديمة مضت أن الناس إذا نزل الطاعون ببلد كانوا يتجمعون للصلاة والدعاء لكي يرفع الله عنهم هذا البلاء، يتجمعون في المساجد، والكنائس، ودور العبادة المختلفة.. كان ذلك ما يحدث في كل العصور القديمة، باختلاف الديانات، وكانت النتيجة أن ينتشر الوباء أو الطاعون، ويزداد عدد المصابين والأموات بهذا المرض أضعافا مضاعفة نتيجة هذا التجمع الديني الهادف لرفع البلاء !

لله سبحانه سنن وقوانين.. وقد أمرنا – نحن المسلمين – باكتشاف هذه القوانين، وأمرنا كذلك باحترام هذه القوانين.

ومن عجائب الزمن أن نرى ممن يرتدي رداء الشريعة الإسلامية زورا، من يأمر الناس بالذهاب إلى المساجد في زمن هذا الوباء، ويعترض على قرارات إغلاق المساجد، ويستدل ببعض النصوص بجهل مركب، فيقرأ بعض الأحاديث ويترك أخرى، دون أي حرج أخلاقي يتعلق بنتائج "اجتهاده" المزعوم.

قد نعذر هؤلاء الذين تجمعوا في المساجد يدعون الله لكشف البلاء منذ مئات السنين، ولكن كيف نعذر شخصا يعيش في القرن الحادي والعشرين وما زال يفكر بطريقة عصور ما قبل اكتشاف الدورة الدموية والبنسلين.. ويزعم أن ذلك دين الله، وأن الله يأمرنا بقتل أنفسنا بمزيد من الاختلاط في دور العبادة؟

هذه الظاهرة موجودة اليوم.. وستراها في كل الأديان.. ولوكان بيدي لحجرت على هؤلاء كما يحجر على السفهاء خشية تبديد أموالهم، فتبديد الأرواح أعظم عند الله من تبديد الأموال.

*       *       *

في النهاية.. تذوق دولة إسرائيل المحتلة اليوم جرعة قليلة من كأس الحصار الذي ضربته على غزة، تذوق أوروبا طعم حصارها للاجئين، يذوق الحكام الظلمة بعض حصارهم للمحكومين المظلومين، يذوق العساكر المستبدين شيئا من حصارهم لشعوبهم بقوة السلاح.. إنه حجر رباني.. أراد الله به أن يذوق كل إنسان معنى ما.. عسى أن يتعظ الإنسان !

يحاصرنا الفيروس.. يمنعنا من متع الدنيا الصغيرة.. ويمنعنا من خطايا وأخطاء.. يجبرنا على بعض التقارب مع أسرنا وأحبابنا.. فهل من متعظ !

نسأل الله أن يكشف هذه الغمة عن الإنسانية كلها.. وأن يلهم أحرار هذا الكوكب أن يتحدوا، وأن يعملوا سويا ضد الأنظمة التي تتصرف ككلب مسعور ينهش في الشعوب المستضعفة.. إن بناء عالم جديد قائم على العدل، والمودة، والاحترام المتبادل بين حضارات البشر أصبح ضرورة بقاءٍ لهذا الكوكب.. ونسأل الله رب الناس جميعا أن يوفق أحرار العالم كلهم من أجل العمل على إزالة منظومة الظلم في العالم الحالي.. تلك المنظومة التي أخرجت لنا أمثال "ترامب"، و"بشار"، و"سيسي"، و"حفتر"، و"بن"، و"بن" !

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21