مدينة العصافير(قصة قصيرة)

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 5-7-2020 م

 

كنت في ذلك الوقت طبيبا متخصصا في هذا الأمر، علاج التلوث، ومشاكل الجهاز الهضمي.

طلبوني بالاسم.. نريد الدكتور عبدالشافي.. ولا أحد سواه !

حين عرفوا أنني سأطلب من أجل التفرغ لهم مبلغا شهريا كبيرا وافقوا بلا تردد، ولذلك تعجبت، فالمعروف عن هذه البلدة أنها ليست بهذا الغنى.

تأملت اسم المدينة (مدينة العصافير) !، يا له من اسم.. منّيت نفسي وأنا في الطريق لها بإقامة سعيدة، وبأيام هانئة، سأستريح من أعباء المستشفى، ومن كثرة الاجتماعات في الجامعة، ومن مشاكل النقابة، ومن زحام الشوارع، ومن كثرة الراغبين في خدمة هنا أو هناك.. آن الأوان أن يستمتع المرء بزقزقة العصافير، وأن يتخلص من رائحة عوادم سيارات المدينة اللعينة.. لا يمكن أن يكون العمل في هذه المدينة الصغيرة مرهقا مثل العمل في العاصمة.

حين توقف بي القطار قال لي "الكمسري": وصلنا.. تفضل.. أنت آخر راكب في هذه الرحلة.

نزلت.. كان المكان مظلما، بل شديد الإظلام.. وجدت رجلا يناديني بكل ثقة (دكتور عبدالشافي.. مرحبا بك.. نوّرتَ مدينة العصافير).. لم أسأله كيف عرفني، إذ لم ينزل من القطار سواي.

مشيت خلفه.. ولاحظت أن قفاه عليه ما يشبه "القبة" أو "الورم"، لا أدري.. الظلام شديد، ولكن هناك "نتوء" ما.. شيء عجيب في بنيانه الجسدي، لم ندرسه في درس التشريح في كلية الطب..

وصلنا الفندق.. كان فندقا صغيرا.. أنيقا.. استقبلني شاب وسيم، بابتسامة عريضة، وقال (مرحبا دكتور عبدالشافي.. أنا "وديع الصغير"، مكلف بخدمتك طوال فترة إقامتك في مدينة العصافير، أرجو أن لا تتردد في أن تطلب مني أي شيء تحتاجه، مهما كان صغيرا، ومهما بدا لك مستحيلا).. شكرته..

صعدت إلى غرفتي.. وفي الطريق إلى الغرفة سألته (أين الرجل الذي استقبلني في المطار؟)

قال (السيد سعيد سيكون في انتظارك في الصباح، سيتناول معك طعام الإفطار، ثم تذهبان إلى المستشفى لبدء العمل)..

سألته (هل السيد سعيد طبيب؟)..

فأجابني (لا.. ليس طبيبا.. إنه نائب نائب نائب المحافظ).. لا أذكر كم مرة كرر كلمة (نائب).. أظنه كررها ثلاث أو أربع مرات.

دخلت حجرتي، نمت نوما عميقا، استيقظت، فتحت النافذة، كان الصمت مطبقا، لا توجد أي عصافير في هذه المدينة.. تعجبت !

نزلت إلى المطعم.. وجدت "وديع الصغير" قد أعد لي مائدة عظيمة، الطاولة لها كرسيان، فالسيد نائب (تكعيب) سيأتي ليتناول إفطاره معي.

جلست.. انتظرت قليلا.. وجاء السيد "سعيد"، يبتسم لي من بعيد، يقترب مني، وكلما اقترب.. كلما ظهرت حقيقة "الورم" أو "القبة" أو "النتوء" الذي شاهدته بالأمس.. حين وقف أمامي وحيّاني قائلا (صباح الخير دكتور عبدالشافي.. أرجو أن تكون قد حظيت بليلة هادئة).. ظللت في مكاني مشدوها.. لا أستطيع أن أنبس ببنت شفة.. اقترب مني ليسلم عليّ.. تراجعت للخلف.. سقط الكرسي.. سقطْتّ أرضا.. هل يعقل؟ ألا يشعر هذا الرجل بحالته؟

حين رآني مرتبكا سألني بفضول (مالك يا دكتور؟ هل أنت بخير؟)

قلت له (يا سيد سعيد.. احتـ.. احترس.. هناك..) ثم سكتُّ.. أقبل نحوي يريد مساعدتي على النهوض.. صرخت فيه (أرجوك ابتعد).. تثبَّتَ الرجل في مكانه..

قلت له (ألا ترى؟)

قال (ماذا؟)

صرخت بأعلى صوتي (هناك خنزير فوق رأسك يا أستاذ سعيد؟) !!!

*       *       *

لم أتمكن من استيعاب سبب الضحك، ولكن يبدو أنني الشخص الوحيد في هذا المكان الذي يتعجب من هذا الخنزير الصغير القابع فوق رأس السيد "سعيد" هذا !

حين بدأنا بتناول الإفطار كان "سعيد" ذاك في قمة السعادة، كان يُطعم خنزيره أكثر مما يُطعم نفسه.. وكان يُصرّ على بقاءه فوق رأسه.. وحين تجرأت وسألته (لماذا لا تضع الخنزير إلى جوارك، لتطعمه براحتك؟)

قال بثقة (يا رجل.. أحقا تريدني أن أنزله من فوق؟)

بعد دقائق.. شعرت برغبة في التقيُّؤ.. لقد تبرّزَ الخنزير فوق رأسه.. نعم.. أنا متأكد.. الرائحة واضحة، صحيح أنني لم أرَ ذلك بعيني.. ولكني متأكد.. لقد سمعت صوتا.. وشممت رائحة.. وكل ذلك وأنا أتناول إفطاري في بداية هذه الرحلة العجيبة.

حاولت الاستمرار في تناول الطعام، فأمامي يوم طويل، ولكن حين شاهدت شيئا يشبه البراز يقع في صحن "سعيد"، وهو يتناول "البيض الأومليت" بنكهة خراء الخنزير بمنتهى السعادة لم أتمالك نفسي !

قبل أن أتقيأ.. قلت (لقد تأخرنا.. هلا تحركنا إلى المستشفى؟).. استجاب الرجل، وتحركنا.

حين مشيت خلفه رأيت الخنزير بكل وضوح، خنزير صغير، مربوط بما يشبه الحبل المطاطي فوق رأس الرجل، وكان يتبرز عليه أمام عينيّ هاتين، دون أي رد فعل منه..

قبل وصولنا إلى المستشفى قال لي "سعيد" (مدير المستشفى شخصيا سيكون في انتظارك أمام الباب).. ومعه نائب نائب المحافظ.

وصلنا، وجدت أمامي رجلان في صدارة جَمْعٍ مهيب، أولهما يرتدي زي الأطباء الأبيض، والثاني.. حدقت فيه.. يا للهول.. إنه يحمل خنزيرا على رأسه.. ولكنه خنزير بضعف حجم خنزير "سعيد".. خنزير يزن خمسين كيلو جراما على أقل تقدير !

انتهت مراسم الاستقبال.. وبدأت بمعاينة المرضى.. حالات تسمّم غذائي، تسمّم ناتج عن تلوث بكل وضوح..

كان أول المرضى هو نائب نائب المحافظ.. ثم الأستاذ "سعيد".. ثم غيرهم وغيرهم.. جميع المرضى يحملون خنازيرهم فوق رؤوسهم.. بعضهم كان يحمل خنازير ضخمة على كتفيه، أو على ظهره.. وأعجب ما في الأمر أن لا أحد يتنازل عن حمل الخنزير، حتى شككت بأن هذه الخنازير لا تستطيع المشي !

حين وصل المحافظ شخصيا كانت هناك مشكلة.. فالخنزير الذي يحمله بحجم خروف كبير، أو بحجم عجل صغير، وبالتالي لم يتسع باب حجرة الكشف لدخوله، اضطررنا للكشف عليه في قسم الطوارئ !

*       *       *

في استراحة الغداء جلست مع الطبيب مدير المستشفى، سألته (ما قصة الخنازير؟) !

نظر إلي بنظرة ما رأيت مثلها في حياتي.. لا أدري هل هو خائف؟ أم متعجب؟ تعبيراته لم أرَها على وجه بشر قبله.

قال لي (دكتور عبدالشافي.. أنت تعلم أن الحياة ليست إلا تفاعل الإنسان مع ظروف الزمان والمكان.. لقد عَبَدَ الإنسان الشجر، والبقر، والحجر.. عَبَدَ الشمس والقمر).. ثم أخذ نفسا ليكمل حديثه، ولكنني وجدت نفسي أقاطعه بما يشبه "السخرية" (ولكنه لم يعبد الخنازير.. أليس كذلك؟)

ابتسم الرجل وقال.. (يا دكتور.. لا أحد هنا يعبد الخنازير) !

قلت له (إذن.. ما الذي يحدث؟)

قال (أنت رجل ذكي.. لا شك أنك تعرف)

قلت له (أنت مدير المشفى الوحيد في هذه المدينة التي لا يتجاوز سكانها خمسين ألفا.. ولا أرى خنزيرا على رأسك.. لماذا؟) !

أجاب بثقة (أنا أحمل العلم على رأسي.. لا حاجة لي بخنزير)

قلت له (لماذا دعوتموني إلى هنا؟ ما الذي تتوقعونه مني؟ أناسٌ يأكلون طعامهم مخلوطا ببراز الخنازير.. ما الذي أستطيع أن أقدمه لهم؟ أنا طبيب.. لست ساحرا !)

قال (أنت هنا بأمر رئيس المدينة شخصيا.. بالمناسبة.. ستنال شرف تناول الغداء معه غدا)

*       *       *

في اليوم التالي، فتحت النافذة، استمعت للصمت المطبق، لم أر عصفورا واحدا في هذه المدينة، أمر لافت !

بعد انتهاء فترة العمل الصباحية، وبعد أن زارني مزيد من الضباط، والمدراء، والوزراء، وأعضاء المجالس المحلية، والمسؤولين.. وكلٌ منهم يحمل خنزيره على رأسه، أو كتفيه، أو ظهره.. تحركنا إلى قصر رئيس المدينة، دخلنا حديقة القصر سيرا على الأقدام.. لا أثر لعصفور واحد، ثم دخلنا البهو الرئيسي، وجدت كثيرا من حاملي الخنازير في استقبالي، خنازير مختلفة الأحجام، أصبحت أتوقع وظيفة الشخص الذي أمامي من شكل وحجم الخنزير الذي يحمله..

حين جاء رئيس المدينة لم أصدق عينيّ !

أهذا خنزير؟ أيمكن أن يعيش إنسان وعلى ظهره شيء بهذا الحجم؟  

خنزير بحجم فيل متوسط الحجم، بحجم ثور كبير، لو قدرته بالوزن.. أظنه يزن نصف طن !

الغريب أن رئيس المدينة شخص قصير دميم سخيف.. خراء الخنزير يلوث وجهه كله، لا تكاد تلمح ملامحه إلا كلما مسح البراز كل حين.

يسير بجواره شاب يحمل خنزيرا صغيرا على رأسه، ويحمل دلوا متوسط الحجم بين يديه، وكلما أشار الرئيس بيده.. يهرول له بالدلو لكي.. يتقيّأ فيه !

الرجل مغطى ببراز الخنزير من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.. وهو يتقدم نحوي.. الناس يحيّونه.. سعداء.. ترى هل سيصافحني؟ كيف أتخلص من هذا الموقف؟ والله لو انقلبت الدنيا لن أسلم على كتلة العفن تلك !

اقترب مني.. أصبح أمامي.. قال بهدوء (مرحبا دكتور عبدالشافي.. الكل متفائل بوجودك بيننا)

أجبته والرائحة تكاد تقتلني (شكرا لكم سيادة الريس) !

تظاهرت بالأكل، ولكن لم أستطع أن أضع لقمة واحدة في فمي، رائحة (الرئيس) أسوأ من أسوأ زريبة مواشي.. والرائحة تمنعني من مجرد التفكير في الطعام، أنا حاليا لا أفكر في أي شيء سوى اللحظة التي سأنصرف فيها من هذا.. المكان.. وأعني بالمكان.. هذه المدينة !

*       *       *

في الطريق إلى الفندق قال لي "سعيد" (الأخ "وديع الكبير" كان يتمنى أن يحضر مأدبة الرئيس، ولكن حظه سيء، كانت لديه واجبات خدمتك)

قلت له (ولكن أليس اسمه وديع "الصغير"؟)

ضحك ثم أجاب (لا أذكر)

وصلت الفندق.. وجدت هذا الوديع يستقبلني وعلى رأسه خنزير صغير.. يبدو أنه قد ولد لتوه.. عرفت ذلك من زجاجة حليب كانت في يد السيد "مدير الفندق"، إنها "بزّازة" !

قلت له (مبروك الخنز.. أعني مبروك الترقية يا سيادة المدير)

ابتسم وقال (الله يبارك فيك.. ولكن كيف عرفت أنني أصبحت مدير الفندق؟؟)

قلت له (ذكِّرْني أولا باسمك الكامل يا عزيزي)

أجاب بتلقائية (وديع الكبير)

قلت له (ألم تكن بالأمس وديعا الصغير؟)

قال (والآن أصبحت الكبير.. وبإذن الله الترقية القادمة..)

قاطعته قائلا (ستصبح وديعا العملاق؟)

قال (لا.. بل سأصبح بديع الكبير.. اسم وديع لا يناسبني) !

قلت له (عموما يا أخ وديع.. سأترك المدينة غدا.. خذ هذه الحبوب وضعها في جيبك، واعمل حسابك أنك ستصاب بنزلات معوية حادة في الفترة القادمة)

صرخ قائلا (لماذا؟؟)

قلت له (بسبب تغيير الاسم.. حالة معروفة في الطب) !

بعدها نظرت في عينيه وسألته (قل لي بصراحة يا وديع.. أو بديع.. أو فظيع.. من هذا الحقير المدلّس الذي قرر أن يطلق لقب "مدينة العصافير" على "مدينة الخنازير"؟)

 

تمّت

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21