هل أخطأنا؟

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 26-1-2020 م

 

بعد الانتصارات الكبيرة يُمجّد الناس أنفسهم، وقياداتهم، يخلّدون تصوراتهم وأفكارهم التي أدت إلى الانتصار، يمنحون أشعار الحماسة قداسة، ومشاهد الإقدام عظمة، يبنون التماثيل والنصب التذكارية لإطالة عمر لحظة النصر.. يتملكهم شعور جمعي بالصواب، ويستمتعون بقوة الحق.

وبعد الهزيمة يلقي كل طرف مسؤولية الهزيمة على الطرف الآخر، وقد يصل الأمر إلى حدود الاعتذار عن فعل المقاومة النبيل ذاته.

في ثورة يناير خضنا معركة عظيمة، ولكن.. تثور في هذه الأيام الصعبة التي تنقلب فيها الموازين أسئلة شديدة السذاجة، وشديدة الحساسية، خلاصة تلك الأسئلة.. (هل أخطأنا؟).

*       *       *

الإجابة الأولى التي تتبادر إلى ذهن المرء حين يُطرحُ سؤال بهذا الحجم أن يرد قائلا (بالطبع أخطأنا.. ومن لا يخطئ؟! هل يمكن أن نكون قد تصرفنا بشكل سليم في كل الاختبارات والمنعطفات التي مرّت بنا خلال أحداث الثورة؟)

ولكن الحقيقة هي العكس.. "نحن لم نخطئ" !

إن طرح سؤال (هل أخطأنا؟) في هذه اللحظة.. في الذكرى التاسعة لثورة يناير، في لحظات تراجع للثورة، وتقدم للثورة المضادة ليس المقصود به (هل أخطأنا في بعض أفعالنا أثناء الثورة؟ أو هل أخطأنا في بعض تصرفاتنا خلال المرحلة الانتقالية؟ أو هل أخطأنا في طرق مقاومتنا للنظام بعد انقلاب الثالث من يوليو 2013م؟).

سؤال (هل أخطأنا؟) يُقصدُ به (هل أخطأنا في التمرد على الظلم منذ البداية؟ هل أخطأنا في رغبتنا في الحصول على الحرية؟ هل أخطأنا في ظننا أننا شعب من حقه أن يعبر عن نفسه؟ وأن يقول لا؟ وأن يحصل على حقوقه في العيش والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية؟ هل أخطأنا في حبنا لبلادنا ورغبتنا في إنقاذها ونحن نرى الاستبداد يقتلها مع سبق الإصرار والترصد؟).

ليس المقصود بالسؤال أن نجيب عن أخطاء في بعض "التفاصيل"، بل المقصود أن نشك في حقنا في الفعل الثوري "من أساسه"، في حقنا في الحياة الكريمة أصلا، في تكويننا الإنساني الذي كرمه الله.

لذلك.. فالإجابة الصحيحة على هذا "السؤال الخطأ" أننا لم نخطئ، أبدا، بتاتا، بالمرة، وإذا كان هناك من خطأ في أساس الفعل الثوري فهو خطأ واحد لا غير، هو أننا تأخرنا في هذه الثورة العظيمة المجيدة المباركة، كان ينبغي أن نثور على هؤلاء الحكام الخونة منذ عشرات السنين، ولكن جيلنا ورث تركة ثقيلة، ولم يتمكن من الحركة إلا في هذه اللحظة، لعشرات الأسباب التي لا مجال لسردها في هذه العجالة.

*       *       *

يشن البعض هجمة على ثورة يناير بحجة أن من قاموا بها لم يكونوا يدركون ما يفعلون، وهذا كذب، فثورة يناير لها شعاراتها الواضحة، ولها أهدافها المعلنة، بل إنها تتفوق على كثير من الثورات (الناجحة) بأنها قد حددت طرقها الشرعية (شديدة الوضوح) لتحقيق تلك الأهداف.

لقد كنا نعلم جيدا ما نريده، وكنا نعلم جيدا كيف يتحقق مرادنا !

شعارات الثورة (عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية)، وأهدافها السياسية تتخلص في دولة قانون، تقوم على أساس احترام حق الشعب في انتخاب من يحكمه، وبالتالي في حقه في مراقبته، ومحاسبته، ومعاقبته إذا اقتضى الأمر، وبذلك تتحقق العدالة والمساواة بين الذين يعيشون في هذه الدولة، على أساس من المواطنة الكاملة دون تفرقة أو عنصرية أو اضطهاد لأي أحد، بأي سبب.

الطريق الوحيد لتحقيق ذلك.. هو الاحتكام إلى الشعب، عبر صناديق شفافة !

هذا باختصار شديد شعارات وأهداف ثورتنا المجيدة، لمجرد التذكير، وقد كتبنا في ذلك كتيبات صغيرة، ومجلدات كبيرة.. قبل وبعد الثورة، ومن يريد أن يستزيد بإمكانه أن يستزيد.

*       *       *

هناك من يتهم من أشعلوا الثورة أيضا بعدم فهم "عواقب الثورات"، وهذا كذب أيضا، فنحن نعلم أن فعل الثورة يشبه عملية جراحية، وأنه آخر الدواء، والغريب أن من يقول ذلك يتجاهل أن الناس قد صبرت على نظام انقلاب (يوليو 1952م) ستة عقود، وصبرت على مبارك ثلاثة عقود، وأن جميع الداعين للثورة قد حاولوا بكل الطرق السلمية أن يصلوا إلى أي شكل من أشكال التغيير التدريجي، وجربوا لعشرات السنين التغيير من داخل النظام، ولكن الحاكم كان مصمما على الانفراد وحده بالسلطة، وعلى تدمير البلاد وإذلال العباد بشكل منظم، وكان نظاما غير قابل للتفاوض أصلا، كان بقاؤه يعتمد على التعذيب في السجون، والتزوير في الانتخابات.

نحن نفهم جيدا "عواقب الثورات"، ونفهم جيدا أيضا عواقب استمرار هذه الأنظمة في سلطتها المطلقة.. وها هي النتائج أمامنا.. أصبحت مصر مهددة في قطرة الماء، وشمّة الهواء، وبعد أن أصبحت تعاني من فقر مدقع، وفي أقسى مراحل هذا الفقر تستورد الغاز من إسرائيل، وتهدي غازها وثرواتها لكل من هب ودب، وتمنح ممراتها المائية لأعدائها، وتتبع حلفاء السوء إلى كل جحر ضب أسود لا يحقق من مصالح الوطن إلا الوهم.

لو أن هذه الأنظمة استجابت لبعض المطالبات بالتغيير السلمي، وأشركت الناس – ولو جزئيا – في السلطة، لو أنها احترمت إرادة الشعب – ولو شكليا – لما قام الناس في وجهها وضحوا بأرواحهم وأموالهم !

*       *       *

يظن البعض أيضا أن الثورات تفتح باب التدخلات الخارجية، وأن الثوار عملاء لأنظمة خارجية، والحقيقة أن الثورة تعني تغيير النظام الحاكم، بمؤسساته الداخلية، وتحالفاته الخارجية، وجميع الثورات العظمى كانت لها تصوراتها الداخلية، وتحالفاتها الخارجية القائمة على المصلحة الوطنية العليا، وثورة يناير كانت لها هذه التحالفات.

ثورة يناير كانت ثورة الشعب كله، بكل مكوناته الفردية والجماعية، وهذه المكونات بلا استثناء يكاد يذكر كانت لها تحالفاتها مع جميع الأحرار في العالم، سواء كان هؤلاء الأحرار في حركات مقاومة، أو في أحزاب معارضة، أو حتى في الحكم !

إن مكونات ثورة يناير تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتمتد من الأفراد العاديين البسطاء، إلى الحركات العمالية وناشطي حقوق الإنسان، ولكل هؤلاء تحالفاتهم – بما في ذلك كثير من الأفراد المستقلين – وليس عيبا أن تكون هذه التحالفات موجودة، بل العيب أن يظن بعض السذج أن هناك ثورة يمكن أن تنجح دون أن تكون هناك تحالفات وتطمينات دولية وإقليمية.

الذين يعيّرون الثوار بهذه التحالفات أو التفاهمات.. ستجدهم غارقين في تحالفات مشينة، مع أنظمة عار تعادي مصر، وتعادي الحرية والديمقراطية.

وليس معنى ذلك أن حلفاء (مكونات الثورة المتعددة) ملائكة، وليس معنى ذلك أيضا أن هذه التحالفات ليس لها ضوابط.. ولكن.. كل محاولة ابتزاز للثوار بهذا الملف ينبغي أن يُبصق في وجه من يرفعها في هذا الوقت بالذات.

*       *       *

يظن البعض أن الثورة هزمت، ويظن هؤلاء أن عدم الاعتراف بالهزيمة مكابرة، وبُعْدٌ عن الواقع، والحقيقة أننا واقعيون لأقصى درجات الواقعية، ونعي جيدا أننا قد خسرنا جولة هامة من جولات صراع طويل، وأن بعضا ممن كانوا يُحسبون على الثورة فقط هم الذين قد هزموا.

إن الهزيمة في مثل هذه الصراعات أمر نسبي، فالمعركة بالنقاط، وتستمر سنوات وسنوات، والحقيقة أن من يزعم أنه انتصر يعيش في رعب كامل، ويتضح رعبه في عشرات التصرفات، وفي خطابه الإعلامي، وفي تحالفاته الدولية، وفي احتياطاته الأمنية، وفي صفقاته الاقتصادية.. نحن أمام نظام يعلم أنه مؤقت.. ويعلم أن هناك شعبا أقوى منه، وهو يحاول إطالة عمره في السلطة بأفعال كثيرة.. أهمها تفريق مكونات هذا الشعب.

*       *       *

في النهاية.. ستظل ثورة يناير كابوسا على الظالمين، وحلما جميلا تحقق للشعوب ولو بعض حين، ومن يظن أن الاعتذار عن الثورة سيوصله لبر الأمان نقول له.. تمتع بهذا الوهم إلى لحظة الحساب العسير.

بعض المهزومين يظنون أن الحل الوحيد هو إعلان الهزيمة الكاملة، والاستسلام غير المشروط، ويقترحون صلحا مع نظام لا يريد أي صلح، وهم في سبيل تحقيق هذا الوهم يطلبون منا الاعتذار عن أعظم فعل قامت به الأمة المصرية في تاريخها الحديث.

يظن هؤلاء أن سبَّ الثورة شجاعة، وأن مدح الطغاة بلاغة، وأن الاستقواء بحثالة الأشخاص والأفعال ذكاء، والحقيقة أن العبرة بالنهايات، ونحن على ثقة من نصرنا القادم وإن طال الزمن، وسنرى مصير من يحاول الوصول إلى القاهرة عن طريق رحلة "ترانزيت" في أبوظبي.. أو في تل أبيب.. والأيام بيننا.

كلمة أخيرة: انتهى فيلم المقاول محمد علي نهاية غير سعيدة، وإنني لا ألومه على انسحابه من الحياة السياسية بل أشجعه على ذلك، ولكنني ألوم مكونات المعارضة المصرية التي راهنت على شخص بلا  مؤهلات سياسية أو قيادية.. وظلت تراهن عليه بعد أن احترق وتفحم في العشرين من سبتمبر.

أدعو كل السياسيين المتسببين في وضعنا الحالي إلى التحلي بشجاعة محمد علي.

كل عام وأنتم بخير يا شعب مصر العظيم.. والثورة مستمرة.. والنصر قادم قريبا بإذن الله تعالى.. شاء من شاء.. وأبى من أبى !

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21