كيف يسيطر الحكام العرب؟(2)

ذكرنا في مقالة الأسبوع الماضي أن سيطرة الحكام العرب على مقاليد الحكم هي هدفهم الاستراتيجي بسبب رغبتهم في البقاء في السلطة للأبد، وقلنا إن أول وسيلة هي السيطرة على مؤسسات الأمة، فيصبح كل شيء ملكا للدولة، ويصبح الشعب لا يملك مؤسسات أهلية لها أي قدر من الاستقلال..

اليوم نكمل ما بدأناه في الأسبوع الماضي..

*        *        *

ثانيا: السيطرة الأمنية السياسية

السيطرة الأمنية السياسية يقصد بها احتكار الحياة السياسية، بالعنف، وباللين..

ستجد أجهزة الأمن السياسي داخل جميع الأحزاب السياسية (في مصر على سبيل المثال يوجد في أمن الدولة قسم للأحزاب السياسية، وهو أمر عجيب)، وتراقب أجهزة الأمن كل الناشطين وأسرهم، وتجهز لهم الفضائح والتسريبات لاستخدامها في أي لحظة (كاتب هذه السطور اكتشف أجهزة للتنصت في مكتبه بالقاهرة في نوفمبر 2010، وأعلن ذلك، وكانت فضيحة كبيرة لنظام مبارك في ذلك الوقت)..

أما السيطرة الأمنية العملية فتتم بالاعتقال (المقصود والعشوائي).. وبالتعذيب.

كل من له علاقة بالعمل السياسي يعرف أنه معرض للاعتقال في أي لحظة، وأن مجرد وجوده خارج السجن نعمة كبرى ينبغي أن يقدرها، إنها منّة من الأجهزة الأمنية، وعليه أن يشكرها على هذه النعمة، وأن يسبح بحمدها آناء الليل وأطراف النهار.

ولا بد لكي تكتمل السيطرة الأمنية السياسية.. لا بد من (مظاليم) في السجن !

يظن البعض أن وجود معتقلين أبرياء في السجون العربية أمر يعود إلى أخطاء عملياتية، أو بسبب قلة كفاءة الضباط وصف الضباط، والحقيقة أن ذلك أمر مقصود متعمد مع سبق الإصرار والترصد.

يعتمد الحاكم العربي في حكمه على إشاعة الرعب في المجتمع، وهذا الرعب نابع من رعبه هو شخصيا من عقاب الناس له إذا تمكنوا، ونابع أيضا من رغبته في أن يفكر أي مواطن ألف مرة قبل أن يتحرك باتجاه المعارضة السياسية.

لذلك يحرص الحاكم العربي على وجود آلاف من المعتقلين ظلما في سجونه، لكي يحكي الناس عن تلك الأهوال، ولكي تصل أساطير القمع إلى كل الأسماع، وكلما ازداد قمعه ازداد معتقلوه، وكلما ازداد خوفه من الناس كثرت سجونه.

الأمر الآخر الذي يحرص عليه الحكام العرب – وهو أمر لهم فيه أكبر باع – هو التعذيب !

السجن دون تعذيب أمر يمكن احتماله، وتقييد الحرية دون الاعتداء الجسدي والنفسي اختبار بسيط بالنسبة لشعوبنا العظيمة، لذلك تحولت السجون العربية إلى سلخانات، بحيث يصبح التحدي الحقيقي لكل مسجون هو البقاء على قيد الحياة، وليس مجرد التغلب على تقييد الحرية.

من أغرب ما قرأته في الفترة السابقة مذكرات الكاتب الروائي التركي الكبير "أورهان كمال" (ثلاث سنوات ونصف مع ناظم حكمت)، (ترجمه للعربية الأستاذ أحمد زكريا والأستاذة ملاك أوزدمير).. في ذلك الكتاب حكى الكاتب ذكرياته مع شاعر تركيا العظيم (ناظم حكمت) في السجن.. والحقيقة أنني منذ الصفحة الأولى للكتاب وحتى الصفحة الأخيرة كنت أكاد أجن من "الرفاهية" التي يعيش فيها السجناء السياسيون في تركيا في عصر يعتبره الأتراك من أسوأ عهود الاستبداد (مقارنة بأوطاننا العربية المنكوبة بحكامها أقصد)، إن أوضاع السجون في تركيا في تلك الفترة لا يمكن مقارنتها حتى بأوضاع السجون في العهد الملكي في مصر مثلا !

في وطننا العربي العظيم.. ومنذ عشرات السنين.. ليس السؤال الحقيقي في ذهن كل مواطن عربي (إذا سجنت.. متى أخرج؟)، بل هو سؤال آخر.. (أأخرج حيا إذا سجنت؟) !

*        *        *

ثالثا: السيطرة الأمنية الجنائية

من ضمن السيطرة الأمنية التي تُحكمها أجهزة الأمن في الدول العربية.. السيطرة على الأمن الجنائي، وتحويله إلى مصدر رزق لأعضاء الأجهزة الأمنية، وذراع بطش في الوقت نفسه.

فترى كل النشاطات الإجرامية من سرقة السيارات والمنازل، وتجارة المخدرات، والسطو المسلح، وتهريب الآثار وغيرها.. تصب في نهاية الأمر في صندوق مقسوم بين العصابة والضباط.

إن السبب الأهم لعدم وجود عصابات إجرامية كبيرة في الدول العربية (مافيا) هو وجود مافيا أخرى بحجم الديناصور متمثلة في وزارة الداخلية، وبالتالي لا يوجد فرصة إلا لصغار المجرمين، أما الكبار فهم جزء من الدولة، أو بمعنى أدق الدولة هي المجرم الأكبر الذي لا يسمح لأي مجرم بمزاحمته، ولا يترك إلا الفتات.

وزارات الداخلية في كثير من الدول العربية لا ينبغي ولا يمكن أن تلتزم بالقانون، بل يجب أن تتلطخ يداها بالدماء، وأن تتلطخ سمعتها بالوحل، وأن يتلطخ شرفها بالقاذورات.. كل ذلك ليسهل التحكم فيها وفي أعضائها، فالحاكم المستبد آخر ما يرغبه جهاز شرطة منضبط.

إن السيطرة الأمنية الجنائية ليس المقصود بها مجرد عدد كبير من الجنود المسلحين، بل يقصد بها معنى أعمق من ذلك.

السيطرة الأمنية هنا تعني تحويل أجهزة الأمن من مؤسسات صُمِّمَتْ لتأمين حياة الناس، إلى مؤسسات تدير الجريمة، بحيث يصبح غالبية المجرمين في البلاد جنودا عند أجهزة الأمن تستخدمهم الدولة في كل ما يمكن أن يخطر ببال الإنس والجن، فهم أشبه بموظفين غير رسميين ينضوون تحت لواء تلك الأجهزة، ويتم استدعاؤهم وقت الحاجة بكل سلاسة (هل تذكر جيوش البلاطجة في سوريا ومصر؟).

هؤلاء المجرمون – الذين هم في الحقيقة أتباع لأجهزة المخابرات والأمن – هم من يزوّر الانتخابات، بإرهاب الناخبين والمرشحين، بإفساد المؤتمرات الانتخابية، وبحصار اللجان، وبكل أشكال الاعتداءات التي تؤدي إلى إحجام المرشحين والناخبين، بحيث تصبح عملية تزوير الانتخابات أمرا في غاية السهولة، إذ لا أحد يجرؤ على الاقتراب من اللجان أصلا، وغير خاف أن التزوير أساس من أسس وجود هؤلاء الحكام في السلطة، وأي انتخابات نزيهة ستسقطهم فورا.

ومما يوكل لهذه الجيوش من البلاطجة أيضا الاعتداء على المتظاهرين في أي حالة تحرك شعبي، والإبلاغ عن أماكن التجمعات، وعن الناشطين، والاندساس بين المتظاهرين لإثارة الفتنة.. وكم رأينا من أحداث مفتعلة انتهت بنهايات مأساوية سالت فيها دماء زكية بسبب هؤلاء، في عديد  من الدول العربية.

*        *        *

من كل ما سبق يتضح أن الحاكم العربي لا يمكن أن يعيش في بيئة طبيعية، أو تحت حكم القانون، لذلك تعيش كثير من الدول العربية في حالة طوارئ وتحت الأحكام العرفية منذ عشرات السنين، وتحولت القوانين الطبيعية مع الوقت (بفضل مئات التعديلات التي قامت بها برلمانات لم ينتخبها الشعب) تحولت تلك القوانين إلى ما هو أسوأ بكثير من قوانين الأحكام العرفية، وأصبح تمديد "حالة الطوارئ" أمرا غير ضروري، ففي يد السلطة قوانين أسوأ من قوانين الطوارئ، وينفذها جهاز شرطي لا يبالي بالقانون.

(ملحوظة: غير خافٍ على القارئ الكريم أن الحديث عن وزارات الداخلية وأجهزة الأمن في المقالة لا يعني أن كل العاملين فيها مجرمون فاسدون، ولا ينفي وجود استثناءات، وغير خافٍ على القارئ الكريم أن الكاتب يتحدث عن السياسة العامة لإدارة المؤسسات الأمنية، لا عن سلوك مئات الآلاف من المنتمين لها والعاملين فيها.. لذلك لا يمكن أن يعترض معترض بذكر بعض النماذج الحسنة في هذه المؤسسات، لأنها ستظل استثناء، ولأن الحديث هنا عن السياسة العامة للمؤسسات، لا عن سلوك الأفراد واحدا واحدا)..

في الأسبوع القادم نكمل كيف يسيطر الحكام العرب على دولهم..

للتعليق على المقال