المصالحة والمطالب السبعة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 9-5-2021 

تناولت في مقالة الأسبوع الماضي دعوات المصالحة التي تعالت أصواتها خلال الأسابيع الماضية، وذكرت أن المصالحة في مصر ليست أمرا على جدول أعمال أهل الحكم، وأن ما يحدث الآن من غرف على الكلوب هاوس يديرها بعض المحسوبين على النظام – أو على الثورة – تروّج للصلح ليس من وراءها أي جدوى، فالنظام يستخدم هذه الدعوات البرّاقة كتكنيك مرحلي، مجرد قنابل دخان لتغطية الموقف الحقيقي للنظام، والموقف الحقيقي – كما يعلم القاصي والداني – هو البطش، والانتهاك.

استقبل الكثيرون مقالة الأسبوع الماضي بالقبول، وتحفظ عليها البعض.. وكاتب المقالة يحترم الفريقين، ولكنه يؤكد أنه لم يخوّن أحدا، ولم يقصد الإساءة لأي أحد بشخصه، وأنه ليس بمعرض إصدار الأحكام على شخص أو جهة أو طرف، وأن ما حدث هو رأي من كاتب.. وليس حكما من قاض في شأن وطنية فلان أو علان.

في هذه المقالة أرى أن الحديث عن المصالحة الحقيقية أصبح أمرا لازما، خاصة بعد أن طرحت ورقة المطالب السبعة..

*       *       *

المصالحة هدف للحكم الرشيد، خصوصا حين تتفرق الأمة لأي سبب.. وهذا الحكم ليس برشيد، ولا ينوي أن يكون رشيدا في يوم من الأيام، وهذا أمر أوضح من أن يوضح.

لقد لاحت أمام هذا النظام فرص كثيرة لتأسيس حكم رشيد، أو نصف رشيد، أو شبه رشيد، ولكنه أبى واستكبر وكان من المستبدين.

لقد اختار هذا النظام منهج حكمه مع سبق الإصرار والترصد، اختار عامدا متعمدا أن يستمر في النهج الاستبدادي الذي بدأ في خمسينيات القرن العشرين، وهو لا يملك اليوم أن يتراجع عن هذا النهج قيد أنملة، وتراجعه معناه هلاكه.

لذلك أصبح من المعلوم من السياسة بالضرورة أن أي حديث عن مصالحة مزعومة تخرج من هذا النظام، أو من أي شخص أو مؤسسة أو ذراع إعلامي له علاقة بهذا النظام.. هو مجرد مراوغة سياسية لها هدف قصير الأمد، يحركها بواعث داخلية أو إقليمية أو خارجية عابرة مؤقتة.

*       *       *

من أهم أهداف المصالحة توحيد الجبهة الداخلية، لذلك يظن بعض أصحاب النوايا الطيبة أن النظام جاد في الأمر، فمصر عبر تاريخها الطويل لم تحتج لتوحيد جبهتها الداخلية قدر احتياجها لهذا الأمر الآن، ذلك أن تهديد مياه النيل بهذا الشكل السافر لم يحدث في تاريخ البلاد من قبل.. أي أنه من المنطقي أن يسعى النظام لتوحيد الجبهة الداخلية ليواجه هذا الخطر الوجودي المحدق.

والحقيقة أن هذا النظام نظام عميل، وهدفه هو تفتيت الجبهة الداخلية، لكي يتمكن من التستر على خيانته العظمى في ملفات عديدة أهمها ملف مياه النيل.

إن توحيد الجبهة الداخلية (حاليا) معناه الخلاص من المجموعة التي تتحكم في مصر حاليا بقوة السلاح، وهم يفهمون هذا الأمر جيدا، لذلك يعملون بشكل منهجي منظم من أجل تفتيت الجبهة الداخلية لمصر.

*       *       *

من أهم ما يساعد على إتمام أي مصالحة في أي مجتمع، هو أن يتحدد ناطق ما باسم الناس، يتولى التعبير عن مطالبهم أمام الاستعمار الخارجي، أو الاستبداد الداخلي، وهو ما عجزت عنه المعارضة المصرية حتى الآن.

ولكن.. يبدو أنه خلال الأسابيع الماضية قد تبلورت بعض الرؤى، وأصبحت هناك (ورقة مطالب) مطروحة أمام النظام المصري.

وهي ورقة في مجملها جيدة، ولكن هناك ملاحظات كثيرة على تلك الورقة (ورقة المطالب السبعة)، وبإمكاننا أن نلخصها في نقطتين، الأولى: أن المطالب لم تكن نابعة من أجندة (سياسية محلية) بقدر ما هي نابعة من أجندة (حقوقية دولية).

لذلك حين تتأمل فيها ستجد مطلبا مثل (تأجيل تنفيذ جميع أحكام الإعدام الصادرة في قضايا جنائية أو سياسية وعرضها على لجنة مختصة للعفو الرئاسي قبل تنفيذها).. ستجده المطلب الرابع، وذلك في نفس الأسبوع الذي تمت فيه مجزرة الإعدامات في القضية الملفقة التي عرفت باسم قضية اقتحام قسم كرداسة..

ستجد مطلبا مثل (سحب مشروع قانون الأحوال الشخصية وإطلاق حوار مجتمعي بشأن قانون عادل للأسرة يكفل الحقوق المتساوية للنساء)، ومطلب آخر مثل (رفع الحجب عن مواقع الإنترنت والصحف الرقمية والتي تجاوز عددها 600 موقع محجوب بالمخالفة للقانون وبدون حكم قضائي).. هذه مطالب هامشية في سلم أولويات السياسة المصرية، بل لا نبالغ إذا قلنا إن بعضها لا يكاد يهتم به – حاليا وسط الظروف الكارثية التي يمر بها المجتمع المصري – أحد سوى مجموعة من الحقوقيين الغربيين أو غربيي الهوى..

وغير ذلك من الملاحظات التي تثبت أن منطق المطالب السبعة ليس نابعا من أجندة سياسية مصرية، بقدر ما هو نابع من مطالبات حقوقية ذات طابع دولي، لذلك لن يكون غائبا عن ذهن أي باحث المطالبات الحقوقية التي طالبت بها أكثر من ثلاثين دولة منذ عدة أسابيع، وسببت إزعاجا للنظام المصري.

والنقطة الثانية: أنها ورقة ليس من وراءها أي جهة سياسية واضحة تتولى الدفاع عنها.. وهو أمر ربما لا يدرك البعض أهميته الآن، ولكن سيظهر أثر ذلك لاحقا إذا تطورت الأحداث قليلا، خصوصا إذا عجزنا عن جمع عدد ضخم من التوقيعات يعطي هذه المطالب مشروعية شعبية..

وليس معنى وجود بعض الملاحظات على الورقة أن نرفضها، بل نؤيدها برغم الملاحظات عليها، وهذه ضريبة عجزنا عن توحيد المعارضة المصرية، والتجمع خلف أجندة سياسية موحدة، من خلال كيان يمثل مطالب المصريين.

هل تصلح هذه المطالب كاختبار للنظام في شأن المصالحة؟

الحقيقة أن الاختبار معروف النتائج، حتى لو ظن البعض أن هناك أملا في اجتياز هذا النظام العسكري المجرم لمثل هذا الاختبار.

*       *       *

بين يدي القدس

ما أعظم هؤلاء المقدسيين !

أين هؤلاء الذي باعوا أرضهم؟ العالم كله يعلم أن هؤلاء الذين يقاومون الاحتلال بصدور عارية من أهل القدس ومن أهل الشيخ جراح بإمكانهم أن يملأوا خزائنهم بملايين الدولارات لو قبلوا بيع بيوتهم وأراضيهم.

الفلسطينيون لم يبيعوا أرضهم، بل الأنظمة العربية هي التي باعتهم وباعت أرضهم ودماءهم..

نحن محكومون من قبل ميليشيات مسلحة، من صهاينة أكثر تصهينا من المحتلين والمستوطنين في فلسطين..

اعذرونا يا أهل القدس.. فنحن تحت وطأة احتلال أقذر من احتلال الصهاينة ألف مرة !

رابط المقال