( فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر ) !

كل عام و أنتم بخير …

ما أصعب أن يصوم الإنسان صوما حقيقيا في بلد مثل مصر ، فالصائم محاط بكم من المفطرات لا يمكن معها أن يصح صيام !

من أهم هذه المفطرات … الصحف ، و أخص الصحف الحكومية !

في آخر أيام شعبان (يوم الجمعة الماضية ) نشرت جريدة الأهرام في صفحتها
(أو صفعتها) الأولى عنوانا مثيرا ، خلاصته : أن المصريين يأكلون يوميا خلال رمضان بما قيمته مليار جنيه مصري ، و قام كاتب الخبر بجمعٍ و طرحٍ و قسمةٍ و ضربٍ لعشرات الأرقام ، ليصل إلى نتيجة استهلاك المصريين لأطعمة تقدر بمليار جنيه في اليوم الواحد خلال شهر الصوم .


المعادلة الوحيدة التي نسيت الأهرام أن تقوم بها هي قسمة المليار جنيه على الثمانين مليون مصري ، و حين أجريت هذه الحسبة البسيطة ، وجدت النتيجة : 12.50 ج !

جميعنا يعلم أن المصريين لا يتساوون في قيمة إفطارهم و سحورهم ، فهناك أطنان من اللحم تلقى في القمامة يوميا في ولائم التفاخر السفيه ، و هناك من بعض الأغنياء من يفطر بما يعادل قيمة إفطار خمسين مواطن مصري (حسب المعادلة السابقة) ، وبالتالي … هناك من لا يجد قوت يومه …
إذن … لا داعي لأن تعيّرنا أو تمنّ علينا الأهرام بما نأكله …!


إن قراءة الصحف الحكومية في صباحات رمضان تجعلني أردد قول الله تعالى : \”فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر\” !

فما يتفوه به الإنسان حين يقرأ خبرا يتعلق بما نأكله من خضروات الصرف الصحي ، أو فواكه المواد المسرطنة ، أو حين نرى إبداعات لجنة السياسات في بيع مصر ، أو انتهاكات الشرطة لأعراض المواطنين في الشهر الكريم … الخ ، كل هذه الأخبار \”العادية\” تجعلنا نتفوه بما لا يتم معه الصيام !


فإذا تركنا الصحف (أو إذا عجلنا قراءتها قبل السحور) ، فسيظل التلفاز مسلطا على صيامنا تسلط الحزب الوطني على نتائج الانتخابات ، فمع كل ضغطة على \”الريموت\” ترى مسلسلا أو فيلما أو نشرة أخبار تحفل بما يجعلك تنطق – على الأقل في سرك – بما يقضي على صيامك قضاءا تاما ، و تصبح – إن كنت أمينا مع نفسك – ملزما بقضاء هذا اليوم بعد رمضان !


و إذا تركنا التلفاز و نزلنا إلى الشارع ستجد أن قضاء أي مصلحة في أي إدارة حكومية سيقتضي منك رشوة أو كذبا أو سبا أو جدلا لا يصح معه صيام ، بل إن مجرد التحرك في شوارع القاهرة سيضطرك اضطرارا إلى الرفث والفسوق والجدال ، أي أن التحرك في شوارع القاهرة كفيل بإبطال الحج … لا الصيام فقط !


سيقول لي البعض : إذن … الزم بيتك …!
سأقول : و حتى لو لزمت البيت … و الله ثم والله ثم والله … إني لأشك في كل ما أفعله من عبادات و قربات ، أيتقبل الله منا صدقة أو صياما أو قياما و إخواننا في غزة في هذا الحصار ؟ و إخواننا في العراق في هذا الدمار ؟

أيتقبل الله منا أن نعبده … و نحن خاضعون لحكم ظالم يتحكم فينا تحكم الإله في عبيده ؟ و هو نظام ضعيف واهٍ يستمد قوته من ضعفنا ، فكأننا نعبد عجلا جسدا له خوار …!

أحس بالشرك في كل أعمالنا …!

نخاف الرئيس أكثر من خوفنا لله ، و نحب المال أكثر من حبنا للآخرة ، و نرجو الدنيا أكثر مما نرجو الآخرة ، و نريد العاجلة أكثر مما نريد الجنة …!

يبدو أننا نحتاج أن نمارس حياتنا كلها \”قضاءا\” … و ليس صيامنا فقط !
أخشى – في نهاية هذا المقال – أن يكون القارئ الكريم قد تفوه بالفعل بما يبطل صيامه لبقية الشهر …!
على الله العوض … \”فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر\” ! 


عبدالرحمن يوسف
القاهرة 19/8/2009 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

المقال السابق

الحل ... (2-2)

المقال التالي

المؤامرة الرمضانية ...!

منشورات ذات صلة
Total
0
Share