خمسة أسباب لرفض المسرحية الحوار

يحاول أهل الحكم اليوم أن يرفعوا شعار “الحوار الوطني”، وبالرغم من وضوح تهافت الشعار، وسقوط من يرفعه، وبرغم أن العالم كله يعلم أن الأمر مجرد عرض مسرحي تافه، إلا أن البعض يحاول أن يبيع لنا تلك الفكرة..

ونحن بدورنا مضطرون للرد على شعاراتهم رغم وضوح تهافتها وتفاهتها..

نحن نرفض حواركم للأسباب التالية..

*  * *

أولا: لأن جوهر الحوار ليس الاعتراف بالوضع الحالي، بل الاعتراف بكل الإجراءات التي أدت إلى الوضع الحالي !

لقد قيل في الماضي إن الخيانة أصبحت “وجهة نظر”، والآن وصلنا إلى المرحلة الأسوأ، لقد أصبحت الخيانة هي الدستور، وهي الشرع.. الخيانة هي الأصل.. وأصبح على أهل الحق اليوم أن يخفضوا أصواتهم، وأن ينكسوا رؤوسهم، وأن يحمدوا للخونة من أهل الباطل أنهم سمحوا لهم بالتفوه بجزء قليل من (الحق) لضرورات الإخراج المسرحي، وبعد أن كانت الخيانة “وجهة نظر”، مرت الأيام وأصبح الحق “وجهة نظر” تحاول استعطاف أهل الباطل ليسمحوا لها بمجرد التواجد في الفضاء العام.

إن المشاركة في هذا الحوار المزعوم لا تعني أننا نعترف بسلطة الأمر الواقع، فالأمر الواقع لا يحتاج إلى اعترافنا، وما تطلبه منا “سلطة الأمر الواقع” اليوم أكثر بكثير من مجرد الاعتراف بسلطتها، بل تطالبنا أن نعترف بصحة كل الإجراءات التي اتُّخِذَتْ لنصل إلى ما وصلنا له اليوم، وبأن كل الإجراءات التي اتخذها هؤلاء الخونة كانت إجراءات “وطنية”، “حكيمة”، في مصلحة العباد والبلاد.

أي أننا بمشاركتنا في تلك المسرحية نعترف بانقلاب يوليو 2013م وكل ما ترتب عليه، ونعترف بأن ما تم ارتكابه من مجازر كان ضرورة وطنية، وبأن كل من قتل من أبناء الوطن كانوا يستحقون القتل فهم خوارج، كلاب أهل النار الممولون من قطر وتركيا وإيران، كما أننا نعترف بوطنية وصحة كل الاتفاقيات التي بيعت بها ثروات الأمة، في شرق المتوسط، وفي تيران وصنافير، وفي أصول وثروات لا يحق لأحد أي يمسها دون إذن من الأمة.

إننا بمشاركتنا في الحوار نعترف بأن الخيانة التي سميت “اتفاق المبادئ” بين مصر وإثيوبيا في مارس 2015م والذي ضاعت به مياه النيل كانت صوابا مطلقا..

نعترف بصوابية جميع الاتفاقيات الأمنية، والصفقات العسكرية لشراء أسلحة بمئات المليارات، وإهمال التعليم والصحة، والدخول في مشاريع تكلف الخزينة مئات المليارات دون دراسة، ودون استشارة..

مشاركتنا تعني أننا نوافق على كل المسخ الذي حدث للمؤسسات القضائية التي أصبحت حذاء لكل منتعل، مشاركتنا تعني موافقتنا على ابتلاعهم لكل الأنشطة الاقتصادية بالإسناد المباشر، تعني رضانا عن الانهيار الأخلاقي المنظم، وعن ترويج المخدرات برعايتهم، وبحمايتهم..

مشاركتنا في مسرحية الحوار تعني أننا نعترف بصحة كل تلك القرارات، وبشرعية كل تلك الجرائم، وإشادتنا بحكمة من اتخذها، ووطنيته..

نعترف بأن هؤلاء الخونة أنقذوا مصر من الخونة الذين قبضوا ثمن خيانتهم وثاروا في الخامس والعشرين من يناير 2011م.

مشاركتنا في الحوار لا تعني اعترافنا بالهزيمة، بل تعني اعترافنا بأننا خونة، ممولون من الخارج، وأننا اعترفنا بأخطائنا، ونحاول اليوم أن نتوب، وأن أهل الحكم في مصر هم الصواب المطلق الذي يحق له أن يمنحنا صك غفران قابل للصرف (شريطة أن نخرس للأبد، وأن نبايع كلما طلب منا، وأن لا نعترض إذا تجددت اتهامات الخيانة وما يتبعها من عقوبات لا يعلم مداها إلا الله، تماما كما حدث مع السيد شريف الروبي الذي أخرجته لجنة العفو الرئاسي منذ أسابيع، ثم أعيد اعتقاله أمس.. ويا للمسخرة !).

إن المشاركة في هذا الحوار المزعوم تعطي هذه العصابة كل ما يريدونه، وتحرم كل من يقاومهم من كل الحجج القانونية والأخلاقية التي تمسكوا بها على مدار سنوات من النضال، تلك الحجج التي قتل من أجلها من قتل، وسجن من سجن، وطورد من طورد، وشرد من شرد.

إنه غسيل كامل لسمعة العصابة الحاكمة، وتوسيخ كامل لأنفسنا وأفكارنا.. والغريب أن جميع المشاركين يعلمون ذلك، كلهم يعلم أنه يشارك في تنظيف سمعة العصابة، ولا أحد يزعم العكس، وغاية ما يقولونه أن (هذا هو المتاح)، ولعل مشاركتنا تلك ينتج عنها الإفراج عن بعض المعتقلين !

يزعم أحد المشاركين أن ذلك الحوار هو الحد الفاصل بين مرحلة (الدولة العنيفة)، ومرحلة (الدولة القوية) في محاولة ساذجة لتبرير المشاركة، والحقيقة أن مرحلة العنف هي أساس مرحلة القوة، ومعنى كلامه أن الوضع الحالي الناتج عن العنف الذي أدى إلى قتل الآلاف وضع شرعي، وأن الطريق الوحيد للوصول للدولة القوية هو العنف، وهو يتحدث وكأن العنف انتهى، وهو مستمر، وسيستمر.. والأهم من كل ذلك أن ذلك العنف “شرعي”، “وطني”، “قانوني”.. لا يحق لأحد أن يعترض عليه فيما بعد !

الشخص المحترم الذي قال هذا الكلام لا يملك إلا أن يقوله، ولو رفض المشاركة سيدفع الثمن حتما في أول فرصة تلوح للانتقام، ربما يقتل، أو يسجن، بعد أن يستعيد النظام توازنه، وبعد أن يصبح النظام غير محتاج للحوار، وغير محتاج للتلميع.. وحينها أول ما سيفعله أن ينتقم ممن هم في الداخل ممن لم يستجيبوا.. لذلك نحن نعلم جيدا أن جميع المشاركين – بشكل أو بآخر – يشاركون تحت تهديد السلاح (وقد ذكرت ذلك في مقالات سابقة)..

*  * *

السبب الثاني: أن المشاركة في الحوار تطيل عمر هذا النظام في وقت تصل إزمته حدها الأقصى، في وقت قد تكون فيه لحظات النهاية أقرب مما يتخيل كثيرون.. وكل من يشارك اليوم في هذا الحوار يشارك بعقلية المهزوم الذي يظن أن النظام منتصر، وباق، ولا يحتاج أي شرعية من أي أحد..

والحقيقة هي العكس.. فهذا النظام يحتاج إلى شرعية، ويحتاج إلى تلميع صورته، ويحتاج إلى قروض لكي يستمر، ويحتاج إلى تلميع عاجل من أجل قمة المناخ..

يحتاج إلى بعض العائدين من الخارج ليثبتوا أن أبواب الوطن مفتوحة، ويحتاج إلى لجان ولجان.. تتحدث وتتحدث.. لكي يثبت للمقرضين وللقادمين في قمة المناخ أن هناك (حياة سياسية) في البلد.

والمشاركة في تلك المسرحية طوق نجاة لنظام هو في مرحلة غرق واضحة.. ولا مبرر لأي تصرف قد يؤدي إلى إطالة عمر هذه الحقبة المظلمة دقيقة واحدة !

*  * *

السبب الثالث: أن المشاركة في تلك المسرحية لا طائل ولا مكاسب تذكر من ورائها، وجميع المكاسب التي يزعم المشاركون تحققها مجرد مكاسب زائفة.

سيحدثونك عن الإفراج عن فلان وعلان.. والحقيقة أن خروج بعض المعتقلين من تيار معين يحاولون إغواءه ليست سوى إجراءات طبيعية، تحدث باستمرار، فهذا النظام مذ وصل إلى الحكم وهو يعتقل أناسا، وفي الوقت نفسه يفرج عن آخرين، وكل ما يحدث اليوم أنه يقوم بعمليات الإفراج بضجيج، كما أنه يقوم بعمليات الاعتقال بهدوء..

ولو أن هناك نية لأي مصالحة أو حوار حقيقي لتكرم السجان ببعض الأدوية على هؤلاء المعتقلين ظلما، فما زالت الأخبار تصلنا دون انقطاع، ولا يكاد يمر أسبوع دون ضحية تقتل في سجون هؤلاء الظلمة.. (في الأسبوع الماضي على سبيل المثال توفي ثلاثة معتقلين سياسيين في أقل من يومين)..

*  * *

هناك سبب رابع لرفضنا الحوار، وهو تلك الوثيقة أو المبادرة التي صدرت من أحد السياسيين الذين يعملون بتوجيهات أجهزة المخابرات، تلك الوثيقة التي يطرحها ذلك الشخص أو الحزب في شكل مبادرة، يستعطف بها عصابة المجرمين، ويعنون لها بعنوان عريض (عودة آمنة لشباب المصريين في الخارج).. وهي وثيقة خبيثة، هدفها أن يعود عدة أشخاص، لكي يطبلوا للنظام بصوت عال، ولكي يتباهى بهم هؤلاء الخونة أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.

هذه الوثيقة في حد ذاتها سبب كاف لكي نقول بأعلى صوت.. سنعود لأوطاننا بكل عزة وكرامة، دون منة من أي عميل لإسرائيل..

أتمنّون علينا يا لصوص؟ يا قتلة؟ يا عملاء؟

سنقول بأعلى أصواتنا لكلب المخابرات الذي أطلق المبادرة.. لم يبق إلا من تربوا من المال الحرام المسروق من الشعب في عهود نعلمها ونذكرها جميعا لكي يمنّوا على الشرفاء بالعودة “الآمنة” للوطن !

سنعود، وسيبدأ عهد الشرفاء، وسينتهي عهد العسكر، وعهد اللصوص الذين يأتمرون بأمرهم.

سنعود في حماية هذا الشعب الذي منحنا ثقته حين نزل بالملايين إلى الميادين وإلى الصناديق.. تلك الميادين.. وتلك الصناديق التي تخشونها..

إن هذه المبادرة الحقيرة التي تتعامل مع مصر وكأنها عزبة يملكها مجموعة من المجرمين مرفوضة شكلا وموضوعا، المبدأ نفسه مرفوض، مبدأ أن يتجرأ فاسد نبت لحمه وشحمه من المال العام المنهوب بنفوذ رئيس مستبد خائن.. على استعطاف عميل يحكم البلاد امتدادا لمن توليهم إسرائيل علينا، وكأنه يشحذ باسم أشرف أبناء مصر !

نقول لصاحب المبادرة.. خسئت.. ومن يريد أن يقبل بها فهو حر، لكل إنسان ظروفه، ولكن لا تزايدوا على من يرفض أن يتعامل مع هؤلاء الخونة، ووكلائهم الفاسدين على أنهم ولاة الأمر الذين يحق لهم أن يحددوا من يعود للوطن ومن يبقى منفيا..

سنعود.. وسنحاكمكم على كل خياناتكم، وسنورث أبنائنا وتلاميذنا هذه الرسالة..

*  * *

وبهذا أستطيع أن أضيف السبب الخامس.. السبب الحقيقي لرفضنا الحوار مع هذا النظام.. إن السبب الأساسي – بالنسبة لكاتب هذه السطور على الأقل – لرفضنا هذا الحوار.. هو أننا ما زلنا مصممين على استكمال مسيرتنا، وما زلنا نرى أن النصر ممكن، وأنه قد اقترب، ولأننا لم نيأس بعد، ونقسم ونعاهد هذا الشعب بأننا سنسقط هذا النظام العميل، وسنقيم دولة العدل، سنقيمها بالناس، وللناس.. بالشعب، وللشعب.. بالمصريين وللمصريين..

نقول لكل من يروج لهذا الحوار المزعوم.. نحن لا نقبل المشاركة في هذا الإفك، لأننا لا نرضى إلا بإسقاط هذا النظام إسقاطا كاملا، ونقول بكل ثقة إن هذا الحلم قد اقترب تحقيقه، والأيام بيننا..

للتعليق على المقال

المقال السابق

عملية إنقاذ الدكتاتور

منشورات ذات صلة
Total
0
Share