إجراءات أمنية …(2-3)

(( المقال منشور بجريدة \” صوت الأمة \” عدد السبت 24/10/2009 م )) 

لو تساءلنا : ما سبب تردي حالة الأمن في بلد مثل مصر؟

الجواب : الظاهرة ضخمة ، و أسبابها متعددة ، و لكن – في رأيي المتواضع – السبب الأول و الرئيس الذي أدى لتدهور حالة الأجهزة الأمنية في مصر …

هو قانون الطوارئ …!
أقولها ، و بكل ثقة …!

لقد كان البحث الجنائي في مصر متقدما ، وفيه تراكم خبرات عشرات السنين ، وآلاف الكوادر ، و كانت مصر – بكل مدنها وقراها ونجوعها – واحة أمان حقيقية ، وكان ذلك لأسباب كثيرة من ضمنها وجود جهاز أمن قوي يسهر على راحة المواطنين و أمنهم (أمن المواطنين) .

اليوم ، و بعد ثلاثة عقود من حكم الطوارئ تغير الأمر …!


في الماضي كان ضابط المباحث يبحث عن المجرم الذي ارتكب الجريمة ، وكان يعرف كيف يبحث ، فهو قد تعلم ذلك في كلية الشرطة نظريا ، وصقلته التجربة عمليا ، فهو أمام جرائم يومية تبحث عن حلول ، وكان الضابط المصري يستطيع حل هذه الجرائم بالحل الصحيح في أغلب الأحيان .


اليوم ، ضابط المباحث لا يبحث عن المجرم أصلا …!

بل يمسك بقائمة المجرمين (تسمى قائمة المسجلين خطر) ، وينتقي واحدا منهم ، ويقرر تلفيق الجريمة له !

هذا (المسجل خطر) مجرم شقي ، ربما يستحق القتل ألف مرة ، و لكن المشكلة أن الضابط حين يلفق هذه القضية لـ(مسجل خطر) لا يبحث عن القاتل أو السارق الحقيقي الذي ارتكب الجريمة ، وبالتالي … تتبلد غرائز البحث لديه …!

كيف ذلك ؟

هناك إجراء يسمى : \”توسيع دائرة الاشتباه\” … بمعنى أن يتم اعتقال كل من حوله شبهة (وفي أحيان كثيرة أناس لا علاقة لهم بالجريمة أصلا) ، و التحقيق معهم وتعذيبهم ، وأحيانا اعتقال ذويهم و تعذيبهم … و إلى آخر الدائرة الجهنمية التي نعرفها جميعا …!


كل ذلك يحدث ولا أحد يستطيع أن يراجع أو أن ينطق أو أن يعترض ،لأن كل ذلك يتم بغطاء قانوني ، هو … قانون الطوارئ …!

لقد تسبب هذا القانون في تراخي أجهزة الأمن ، وفي تبلد الغرائز البحثية عند الضابط المصري ، ومع الوقت خرج من الخدمة أساتذة البحث الجنائي في مصر ، ولم يبق في الخدمة إلا الأجيال التي لم تتعلم كيفية البحث الحقيقي ، الأجيال التي لا تجيد إلا انتزاع الاعترافات الباطلة بالتعذيب ، و لا تجيد البحث عن الحقيقة بقدر ما تتقن التلفيق …!

حين تحدث جريمة كبرى في مصر ، و تحتاج الدولة لتهدئة الرأي العام الفزع ، لا تجد ضمن ضباطها من يستطيع أن يجيب عن الأسئلة !

و بالتالي تلجأ الدولة إلى إصدار الأوامر العليا بالتلفيق ، كما حدث في حادثة \”بني مزار\” مثلا …!
و بالتالي يصبح التلفيق منهجا معتمدا رسميا من الدولة …!

و حين يصبح الأمر كذلك تتعقد المعادلة ، فلا يبقى في الداخلية مكان للضابط المحترم ، لأن الضابط الذي يرفض إي أجراء غير قانوني يصبح في هذه اللحظة مخالفا لأوامر الوزارة لأن الوزارة ضد القانون ، وبالتالي يصبح المنهج المعتمد للترقي السريع داخل الوزارة … مخالفة القانون ….!


لا تستغرب … إن حياة ضابط محترم هذه الأيام في وزارة الداخلية أصبح أمرا يقترب من الاستحالة ، و الضباط الذين لا يخالفون ضمائرهم ، ولا يعتدون على الناس ، ولا يكسرون قواعد القانون … هؤلاء في رأيي قابضون على الجمر ، ولهم ثواب كبير عند الله ، وهم \”فصيلة\” على وشك الانقراض في وزارة الداخلية …!


ومن ضمن أخطار انتشار أسلوب التعذيب أنه أصبح يمارس ضد غير المصريين ، و زاد ذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ، فأصبحت القاهرة من أهم أماكن انتزاع اعترافات المتهمين ، وأصبحت مصر تعمل لحساب المخابرات الأمريكية ، وأحيانا لحساب الموساد الإسرائيلي ، كما حدث في القضية التي تفجرت مؤخرا بمقتل أخي القيادي الحمساوي في مصر سامي أبو زهري …

هذه الحادثة تظهر كيف انحدرت الدولة ممثلة في وزارة الداخلية إلى حضيض المخاطرة بعلاقاتنا بجيراننا إلى هذا الحد من أجل إرضاء إسرائيل …! نكمل في الأسبوع القادم … 

عبدالرحمن يوسف
20/9/2009

المقال السابق
Article featured image

رغم التضييق الأمني الشاعر يشارك في أمسية (ضد التوريث) الأربعاء 21/10/2009

المقال التالي
Video featured image

أمم هي الاشجار للشاعر عبدالرحمن يوسف

منشورات ذات صلة
Total
0
Share