ديوان :
رثاء امرأة لا تموت

شراء الكتاب

2012

إهداء

إلى روح أمي الحبيبة السيدة العظيمة إسعاد عبدالجواد الهرم (أم محمد) رحمها الله ... وإلى كل الأمهات اللائي شقين من أجل تربية هذا النشء الصالح ...

عبدالرحمن يوسف  

القاهرة 1/7/2012م  

تُوُفِّيَتْ أُمِّي الحَبيبةُ رَحِمَهَا اللهُ في ظَهيرةِ يومِ الخَميسِ 21/يونيو/2012، وكانَ ذلكَ في مَدينةِ الدَّوْحَةِ بقَطَر، عَنْ عُمْرٍ تَجَاوَزَ الثَّالثَةَ والسَّبْعينَ .

أقولُ تُوُفِّيَتْ، ولا أقولُ رَحَلَتْ، لأنها رَحَلَتْ عَنْ عالمِنا هذا قَبْلَ ذلك التَّاريخِ بعِدَّةِ أَعْوَامٍ، فَقَدْ شَاءَتْ إرادَةُ الله سبحانَهُ أنْ يَرْفَعَ مِنْ دَرَجَاتها عندَهُ بأَنِ ابْتَلاها بمَرَضِ "الزَّهَايْمَر"، فأصْبَحَتْ حاضِرَةً غائبَةً، أو أصبَحَتْ تحضُرُ حينًا وتغيبُ حينًا، ومع الأيامِ أَصْبَحَ الغيابُ أكثرَ مِنَ الحُضُورِ، وللهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ، ولَهُ الحَمْدُ على كُلِّ حَالٍ .

في ذلك الوقتِ أَيْقَنْتُ أَنَّ الإنسانَ ما هو إلا ذاكرةٌ، وأَنَّ الإِنسانَ بلا ذاكرَةٍ يُصْبِحُ كَيْنُونَةً أُخْرى غَيْرَ كَيْنُونَتِهِ، وسَلْبُ الذَّاكِرَةِ مَوْتٌ حقيقيٌ لا مَجَازيٌّ، يَنْطَبقُ ذلك على الأفرادِ والجَماعاتِ، وقَدْ رَأَيْتُهُ رَأْيَ عَيْنٍ في أَحَبِّ الناسِ إلى قلبي .

لذلكَ حينَ بَدَأْتُ كتابةَ هَذِهِ  القَصيدةِ لَمْ أَكُنْ أرَ المَوْتَ شَكْلا وحيدًا للرَّحيلِ، بَلْ كُنْتُ أَعْرِفُ تمامًا أَنَّ الرَّحيلَ قَدْ يَكُونُ برَحيلِ ذَاكِرَةِ الإنْسانِ، وأَنَّ الإنْسانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَرْحَلَ وَهْوَ على قَيْدِ الحَيَاةِ (وحينَهَا مِنَ المُمْكِنِ بلْ مِنَ الواجبِ رِثَاؤُهُ!)، كما أنهُ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يبقى حيًّا أَبَدَ الدَّهْرِ وإنْ مَاتَ وقُبِرَ (وحينها يكونُ الرِّثَاءُ مُجَرَّدَ مَرَاسِمِ وداعٍ)!

كَتَبْتُ هَذِهِ القَصيدةَ في رِثَاءِ أُمِّي بعدَ أَنْ بَدَأَ رحيلُهَا (بسَلْبِ الذَّاكِرَةِ)، وقبْلَ أَنْ يَتَوَفَّاهَا اللهُ (بالمَوْتِ)، وكُنْتُ أَكْتُمُ هَذِهِ المَشَاعِرَ عَنْ أبي وإِخْوَتي، ولَمْ أُصَارِحْ أَحَدًا بكِتابةِ هَذِهِ القَصيدةِ إلا بَعْدَ وَفَاةِ أُمِّي رَحِمَهَا اللهُ، وقَدْ يَسْتَغْرِبُ القارئُ مِنْ هذا الفِعْلِ الذي قَدْ يُحْسَبُ مِنْ بَابِ الفَأْلِ السَيِّءِ، فَقَدْ كُتِبَتْ هذه القصيدةُ في ديسمبر 2007، أيْ قبلَ الوَفَاةِ بحَوالَيْ أرْبَعِ سَنواتٍ، ولكنَّ الحَقيقةَ أنَّ الشَّاعِرَ لا يَمْلِكُ أنْ يَمْنَعَ القصيدةَ أو أنْ يسمحَ لها، فَهْيَ أَشْبَهُ بطُلُوعِ الشَّمْسِ أو غُرُوبِهَا، فهي كالظَّوَاهِرِ الكَوْنيَّةِ التي لا يستطيعُ الإنسانُ لها جَلْبًا ولا دَفْعًا، لذلك حينَ تَدَفَّقَتْ هذهِ القَصيدةُ لَمْ أَمْلِكْ سِوى أَنْ أَكْتُبَهَا، وقَدْ تَمَّتْ في حَوَالَيْ أُسْبُوعَيْنِ، وهو زَمَنٌ قياسِيٌّ بالنَّسْبَةِ لحَجْمِهَا .

مِنْ عََجَائِبِ مِا حَدَثَ لي أنَّني بَكَيْتُ أُمِّي كثيرًا في أَثْنَاءِ كتابةِ هَذِهِ القصيدةِ، ولكنني لَمْ أَبْكِ حينَ تَوَفَّاهَا اللهُ، ولَيْسَ ذلكَ بَقَصْدٍ مني في الحالتَيْنِ .

ولا شَكَّ أنَّنا في مجتمعاتنا العَرَبيةِ والشَّرقيةِ مَا زِلْنَا نَظْلِمُ النِّسَاءَ، نَظْلِمُ أُمَّهَاتِنَا وزَوْجَاتنا وأَخَوَاتِنَا وبَنَاتِنَا، نَظْلِمُهُنَّ بقَصْدٍ وبدونِ قَصْدٍ، ومِنَ المُمْكِنِ أَنْ نَظْلِمَهُنَّ ونَحْنُ نَظُنُّ أنَّنا نُحْسِنُ صُنْعًا، وأَنَّنَا نَتَقَرَّبُ بذلك إلى اللهِ، تَعَالى اللهُ عَنْ الظُّلْمِ عُلُوًّا كَبيرًا .

كَانَتْ أُمِّي رَحِمَهَا اللهُ مِنْ جيلٍ فريدٍ مِنَ النِّسَاءِ، جيلٍ دَيْدَنُهُ العَطاءُ، ووُجُودُهُ يَعْتَمِدُ على أَنْ يُسْعِدَ الآخرينَ، فَهي لا تَبْتَهِجُ إلا بإِسْعَادِ زَوْجِهَا وأبْنَائِها وأُسْرَتِهَا، فَكَانَ لها مِنَ اسْمِها أَكْبَرُ نصيبٍ، فهي "إِسْعاد"، وكانَتْ مَصْدَرَ إِسْعَادٍ لكلِّ مَنْ حَوْلَهَا .

شَاءَ اللهُ أَنْ يَمُدَّ في عُمُرِها، فَأَهْدَتْ من ثمارِ حكمَتِهَا ثَلاثَةَ أَجْيالٍ، فَرَبَّتِ الأَبْنَاءَ، والأَحْفَادَ، وبَعْضَ أَبْنَاءِ الأَحْفَادِ.

هَذهِ قصيدةٌ أُحَاوِلُ أَنْ أَرْثِيَ بهَا كُلَّ نساءِ الدُّنْيا، إِكْرَامًا لامْرَأَةٍ عَظيمةٍ ... هِيَ أُمِّي ...!

أَسْأَلُ اللهَ لَهَا الرَّحْمَةَ والمَغْفِرَةَ، ولكُلِّ الأُمَّهَاتِ ...

 

عبدالرحمن يوسف  

القاهرة     1/7/2012م

اُنْظُرْ أَمَامَكْ ...

مَاذَا تَرَى ... ؟

رَجَلاً أَمِ امْرَأَةً  ... ؟

أَمِ الأَرْضَ التي لَمْ تَنْتَبِهْ لِخُطَى الجُيُوشِ تَدُكُّ صَمْتَ تُرَابِهَا ؟

لَمْ تَنْتَبِهْ حَتَّى تَخَافَ مِنَ الجُيُوشِ

لأَنَّهَا اعْتَادَتْ خُطَاهُمْ   

مَرَّ قَبْلَ الجَيْشِ أَلْفٌ مِنْ جُيُوشٍ تَرْتَدِي خُضْرَ الثِّيَابِ

وقَادَةٌ لَبِسُوا نَيَاشينَ التَّفَوُّقِ

كُلُّ مَنْ قَدْ مَرَّ مَرَّ بِلَوْنِهِ

لَكِنَّهُمْ صَارُوا إِلى لَوْنِ اصْفِرَارِ تُرَابِهَا ...

فَانْظُرْ أَمَامَكَ خَاضِعًا مُتَوَاضِعًا

هَذَا التُّرَابُ نُعُوشْ ...

هذا التُّرَابُ جُيُوشْ ...


أُحَاوِلُ فَهْمَ عَدُوِّي ...

كِلانَا أَمَامَ الرَّصَاصِ سَوَاءْ ...

فَمَاذَا يُمَيِّزُ هَذَا العَدُوَّ ؟

طَرِيقَتُهُ في الغِنَاءْ ؟

طَرِيقَتُهُ في انْتِعَالِ السَّمَاءْ ؟

طَرِيقَتُهُ في التَّكَبُّرِ حِينَ يَجُرُّ الرِّدَاءْ ؟

أُحَاوِلُ فَهْمَ عَدُوِّي ...

– و لَسْتُ غَبِيًّا –

و لَسْتُ أُسَلِّطُ فَوْقَ عَدُوِّي أُلُوفًا مِنَ \"الكَامِرَاتِ\"

صَبَاحَ مَسَاءْ ...

يُرَاقِبُ دَمْعِي عَلى الشُّهَدَاءِ بشِعْرِ الرِّثَاءْ ...

يُرَاقِبُ إِقْدَامَ خَطْوي بِشِعْرِ الحَمَاسَةِ عِنْدَ الفِدَاءْ ...

يُرَاقِبُ حُرْقَةَ حَرْفي بِشِعْرِ الهِجَاءْ ...

أُحَاوِلُ فَهْمَ عَدُوِّي القَوِيِّ بِأسْيَافِهِ

و الدُّرُوعُ تُكَسِّرُ نَصْلِي ...

تَمَيَّزَ عَنِّي بِضِحْكَتِهِ حينَ قَتْلي ...

بِنَشْوَتِهِ حينَ يَقْطَعُ أشْجَارَ حَقْلِي ...

تَمَيَّزْتُ عَنْهُ بِأنِّي أَمُوتُ

و لَسْتُ أَمُوتُ ...!

أَغِيبُ

و لَسْتُ أَغِيبُ ...!

كَأَنَّ فَنَائي طَريقُ البَقَاءْ ...

أُحَاوِلُ فَهْمَ عَدُوِّي ...

جَبَانٌ ؟

غَبِيٌّ ؟

بَلِيدٌ ؟

لمَاذَا يُهَاجِمُ ذَاكِرَتي ؟

ثـٌمَّ أبْقَى ...

و مَا  زَالَ  يَخْشَى الفَنَاءْ ...!

 

تمت في القاهرة       9/8/ 2009م

6.00      مساء


صَفٌّ مِنَ الأشْجَارِ مِنْ قَرْنٍ مَضَى في وَقْفَتِهْ ...

تَتَنَاقَلُ النَّسَمَاتُ هَمْسَتَهُ إذا هَبَّتْ

كَأنَّ الرِّيحَ هَبَّتْ كَيْ تَذُوبَ بِهَمْسَتِهْ ...

وَهَبَـتْ لوَقْفَتِهِ على مَرِّ الزِّمَانِ عُيُونُ رَبِّكَ هَيْبَةً لشُمُوخِهِ 

و مَحَبَّةً مِنْ رِقَّتِهْ ...

صَفٌّ مِنَ الأشْجَارِ مَغْرُوسًا كَمَا مَثَلٍ يَفيضُ بِحِكْمَتِهْ ...

تَتَنَاسَقُ الأشْجَارُ دُونَ تَدَخُّلٍ

فَتَرى بِعَيْنِكَ كَيْفَ تَحْتَرِمُ الجُذُوعُ حُدُودَهَا

و تَرَى الفُرُوعَ تَمُدُّ أَذْرُعَهَا غُصُونًا كَيْ تُزيلَ قُيُودَهَا 

و إذا حَفَرْتَ بِطَرْفِ عَيْنِكَ في 

التُّرَابِ فَسَوْفَ تُبْصِرُ 

كَيْفَ تَقْتَنِصُ الجُذُورُ مِسَاحَةً حَتَّى تُؤَكِّدَ للجَميعِ وُجُودَهَا ...

تَتَسَاقَطُ الأوْرَاقُ في فَصْلٍ

وفي فَصْلٍ تُوَاصِلُ بالجُذُوعِ إلى السَّمَاءِ صُعُودَهَا ...

أُمَمٌ هي الأشْجَارُ 

و الإنْسَانُ يُبْصِرُهَا جَمَادا ...

أُمَمٌ هي الأشْجَارُ 

تُبْصِرُنَا و تُبْصِرُ نَفْسَهَا للهِ أمْسَيْنَا عِبَادا ...

أُمَمٌ هي الأشْجَارُ 

تَفْنَى في مَدَافِئِنَا شِتَاءً

ثُمَّ في أوْرَاقِنَا ...

أقْلامِنَا ...

تَفْنَى و تَمْنَحُنَا الوُجُودْ ...

أُمَمٌ هي الأشْجَارُ 

تُهْدِينا الحَيَاةَ

و نَحْنُ نَمْنَحُهَا الفَنَاءَ مَعَ الجُحُودْ ...

* * *

صَفٌّ مِنَ الأشْجَارِ يَقْبَلُ شَامِخًا قَدَرَهْ ...

يَهَبُ الظِّلالَ بِمَوْسِمٍ ، و بِمَوْسِمٍ ثَمَرَهْ ...

صَفٌّ مِنَ الأشْجَارِ يَحْمِلُ مِنْ مَلامِحِ أهْلِ هَذِي الأرْضِ

قَاسَمَهُمْ مِيَاهَ العُمْرِ فيها قَطْرَةً قَطْرَةْ ...

صَفٌّ مِنَ الكَافُورِ مَنْذُورٌ لِدَغْدَغَةِ السَّحَابِ

و يَحْرُسُ الغَادِينَ ظُهْرًا مِنْ ضِيَاءِ الشَّمْسِ

لَكِنْ يَمْنَحُ الشُّعَرَاءَ مَنْظُورًا مَجَازِيًّا

لِنُورِ البَدْرِ كَيْ تَتَخَمَّرَ الفِكْرَةْ ...

شَجَرٌ مِنَ الزَّيْتُونِ و الجُمَّيْزِ و الأعْنَابِ

في كَنَفِ  \"الأكَاسْيَا\"

حَفَّهُ النَّخْلُ المُرَابِطُ

يَمْنَحُ الأرْضَ المَلامِحَ

فَهْيَ وَجْهٌ وَاضِحُ القَسَمَاتْ ...

و لِكُلِّ بُسْتَانٍ عَدُوٌّ

يَقْطَعُ الأشْجَارَ

لا لـِمَنافِعِ الإنْسَانِ 

بَلْ لِيَقُصَّ أَوْرِدَةَ الطَّبِيعَةِ في جُذُوعِ نَبَاتْ ...

مَنْ يَقْطَعُ الأشْجَارَ في أَرْضٍ 

يُشَوِّهُ وَجْهَ مَخْلُوقٍ 

فَيَجْدَعُ أنْفَهُ 

بِمُبَرِّرٍ وَاهٍ مِنَ الدَّعَوَاتْ ...

لا يَقْطَعُ الأشْجَارَ إلا فَاقِدٌ للجِذْرِ

مَجْبُولٌ على العُدْوَانِ

فَهْوَ كَمَنْ يُخَرِّبُ لَوْحَةً 

لمُجَرَّدِ  الإيذَاءِ

لا يَقْوَى يُوَاجِهُ حُسْنَهَا باللَّوْنِ و الفُرْشَاةْ ...!

لا يَقْطَعُ الأشْجَارَ كَيْ يَبْنِي جِدَارًا

غَيْرُ مَنْبُوذٍ و مَكْرُوهٍ مِنَ الأرْضِ التي 

وَلَدَتْ شُجَيْرَاتِ \" الأَرُوكَاريا\" 

لتَمْنَحَ للشَّوَاطِئِ في  \" أثينا \"

بَعْضَ أبْنَاءِ العُمُومَةِ في رُبَا  \" بَيْرُوتَ \"

أو في \" القُدْسِ \"

كَيْ لا يَشْعُرَ المَلاحُ بالإحْبَاطِ إِنْ طَالَتْ بِهِ الرِّحْلاتْ ...

لا يَقْطَعُ الأشْجَارَ إلا عَابِرٌ 

عَادٍ

يُفَكِّرُ مِثـْلَ بَلْطَةِ حَاطِبٍ مُتَعَجْرِفٍ

تَلْهُو بِهِ النَّزَواتْ ...

و يَرُدُّ صَوْلَةَ بَلْطَةِ العُدْوَانِ صَوْتٌ وَاثِقُ النَّبَرَاتْ :

\" لا تَقْطَعُوا الأشْجَارَ فَهْيَ هُنَا تُسَبِّحُ 

للسَّمَاءِ بمَيْلِهَا و كَأنَّهَا صَلَوَاتْ ...

لا تَقْطَعُوا الأشْجَارَ

أيْنَ سَيَكْتُبُ العُشَّاقُ سِيرَتَهُمْ ؟

و أيْنَ سَيَنْقُشُ البُسَطَاءُ أمْجَادًا ؟ 

(و جُدْرَانُ المعَابِدِ – مِثْلَمَا نَدْري جَميعًا –  شَاشَةُ السُّلْطَةْ) !

لا تَقْطَعُوا الأشْجَارَ إنَّ غُرُورَكُمْ حِطَّةْ ...!\"

لا تَقْطَعُوا الأشْجَارَ ...

صَوْتٌ مُسْتَمِرٌّ 

واثِقٌ

و قَصِيدَتي تَمْضِي لآخِرِهَا بلا غَلْطَةْ ...

قَطَعَ الغُرُورُ الجِذْعَ – طَبْعًا – 

هَلْ رَأَيْتَ شُجَيْرَةً مِنْ قَبْلُ يَوْمًا أقْنَعَتْ بَلْطَةْ ...؟

* * *

لَنْ أَتْرُكَ الفَصْلَ الأخِيرَ لبَلْطَةٍ يَلْهُو بِهَا نَكِرَةْ ...

سَأَخُطُّ في يَوْمٍ يَجِيءُ قَصِيدَةً أُخْرَى بِهَا طِفْلٌ 

–  سَيَكْبُرُ قَبْلَ أنْ تَفْنَى القَصِيدَةُ –

لَنْ يُقَدِّمَ للحَبِيبَةِ مَهْرَهَا ذَهبًا

ولَكِنْ سَوْفَ يَزْرَعُ مُخْلِصًا مِنْ أجْلِهَا 

شَجَرَةْ ...!

 

بدأت فـي الـقـاهـرة         17 / 6 / 2009

2.00             صـبـاحــــا

 


هاَ قَدْ خَرَجْتَ مِنَ الجَحِيمِ إلى الجَحِيمِ
كَكَوْكَبٍ في ذي السَّمَاءِ مُواصِلاً دَوَرَانَه ْ...
النَّاسُ تَمْشِي في الشَّوَارِعِ مِثْلَمَا وَدَّعْتَهَمْ – لا وَدَّعُوكَ –
لِسَانُهُمْ في ذِكْرِهِ سُبْحَانَهْ ...
وعُقُولُهُمْ في الحَانَةْ ...!
اللَّيْلَةُ الأُولى بِسِجْنِكَ بِتَّ فيها خَائفًا
واليَوْمَ تَبْدُو في فِرَاشِكَ خَائفًا 
وكَأَنَّ بَيْتَكَ صَارَ ذاك السِّجْنَ ثُمَّ خُطِفْتَ
لِلْبَيْتِ الذي هُوَ سِجْنُكَ الأَصْلِيُّ 
فَارْحَمْ عَقْلَكَ المَصْلُوبَ في تِلْكَ المُقَارَنَةِ
البَغيضَةِ للأَبَدْ !
السِّجْنُ عَلَّمَكَ الجَلَدْ ...
والبَيْتُ سِجْنٌ بِتَّ فيهِ بلا كَمَدْ ...
تَمْضي السُّنُونُ – وأَنْتَ فيهِ – بلا عَدَدْ ...

 


لَنْ يَكْتُبَ النُّقَّادُ عَنِّي ...
فَالموَاضِيعُ التي قَدْ صُغْتُ مِنْهَا جُلَّ أشْعَارِي يَرَاهَا النَّقْدُ
قَدْ قُتِلَتْ قَصِيدًا 
و الموَاضِيعُ التي قَدْ تُعْجِبُ النُّقَّادَ
تَجْعَلُني أَصُوغُ الشِّعْرَ في مَدْحِ السُّكُوتْ ...!
لَنْ يَكْتُبَ النُّقَّادُ عَنِّي ...
فَالحَدَاثِيُّونَ تَلْسَعُهُمْ بُهَارَاتُ اقْتِبَاسِي مِنْ قَدِيمِ القَوْلِ
و الغَاوُونَ للشِّعْرِ القَدِيمِ يَسُوءُهُمْ قَفْزي عَلى بَعْضِ القَوَاعِدِ
كَالغَزَالِ يَدُوسُ – لا عَمْدًا ولا سَهْوًا – بِقَفْزَتِهِ بُيُوتَ العَنْكَبُوتْ ...
لَنْ يَكْتُبَ النُّقَّادُ عَنِّي ...
حَيْثُ إنَّ الشِّعْرَ في أنْظَارِهِمْ سِرْبٌ مِنَ الكَرَوَانِ 
قَدْ قُطِعَتْ حَنَاجِرُهُ
و إنَّ الشِّعْرَ في نَظَري خُلُودُ نَشِيدَةِ الكَرَوَانِ لَحْنًا لا يَمُوتْ ...
لَنْ يَكْتُبَ النُّقَّادُ عَنِّي ...
حِكْمَةً ...
أو خَوْفَ خُوذَةِ ضَابِطٍ ...    
جَبْرًا (و حينًا باخْتِيَارٍ)
كَمْْ بَدَا سَدُّ الذَّرَائِعِ مَبْدَءًا في النَّقْدِ
يَجْلُبُ بَعْضَ قُوتْ ...!
لَنْ يَكْتُبَ النُّقَّادُ عَنِّي ...
فَالقَصِيدَةُ حينَ تَبْدَأُ بازْدِرَاءِ النَّقْدِ 
ثُمَّ تُعَيِّرُ السُّلْطَانَ في صَلَفٍ بِعُنَّتِهِ
و تُبْرِزُ كُلَّ أشْلاءِ الضَّحَايَا في وُجُوهِ القَوْمِ
تُصْبِحُ حِكْمَةً لا يَمْلِكُ النُّقَّادُ حِكْمَةَ فَهْمِهَا 
فَكَأَنَّ كُلَّ عَمَائِمِ النَّقْدِ الكَبِيرَةِ قَدْ بَدَتْ صِنَّارَةً 
لا شَكَّ يَعْجَزُ خَيْطُهَا عَنْ صَيْدِ حُوتْ ...!

 


لَوْ عَادَتِ الأيَّامُ بي ...
حَتْمًا سَأَكْتُبُ بَعْضَ أبْيَاتٍ لأَمْدَحَ عَوْدَهَا 
– فَالعَوْدُ أحْمَدُ ! –
والحَيَاةُ إذا أُتيحَتْ مَرَّتَيْنِ فَذَاكَ أمْرٌ يَسْتَحِقُّ تَوَقُّفًا بالمَدْحِ
لَكِنِّي سَأنْسَى المَدْحَ بَعْدَ تَعَوُّدي عَوْدَ الحَيَاةْ ...
لَوْ عَادَتِ الأيَّامُ بي ...
هَلْ تِلْكَ تَبْدو فُرْصَةً مُنِحَتْ لتَحْسِينِ الأدَاءِ ...؟
أمِ النَّتيجَةُ سَوْفَ تَبْقَى ذَاتَهَا ...؟
وَقْتٌ يَمُرُّ كَسَاعَةٍ رَمْلِيَّةٍ كَفٌّ تُقَلِّبُهَا لتُفْرِغَ رَمْلَهَا
لا فَرْقَ في تَرْتيبِ سَيْرِ تَسَاقُطِ الحَبَّاتْ ...!
لَوْ عَادَتِ الأيَّامُ بي ...
أَتُرَى سَأخْتَصِرُ المَسَافَةَ بَيْنَ أوْتَاري و ألحَاني 
لأظْفَرَ بالغِنَاءِ مُشَذَّبًا مِنْ كُلِّ لَغْوٍ
أَمْ تُرى سَتَصيرُ أُغْنيتي بُكَاءً دُونَ دَمْعٍ ...؟
ذُرْوَةً مِنْ دُونِ تَهْيِئَةِ المَسَامِعِ للنَّشيدِ أو النَّشيجِ ...؟
نَتيجَةً مِنْ دُونِ أيِّ مُقَدِّمَاتٍ مُقْنِعَاتْ ...؟!

 


مَاذَا يُريدُ اليَأْسُ مِنِّي ...

غَيْرَ أَوْهَامٍ تَرَى في اليَأْسِ سَيِّدَنَا

لكَيْ تَتَحَوَّلَ الأَفْكَارُ دِيدَانًا بِرَأْسِ الطَّامِحِينَ إِلى النَّقَاءْ ...؟

اليَأْسُ مَوْجُودٌ

يُرَاوِدُنَا عَنِ الأَمَلِ المُصَفَّفِ

في دَفَاتِرِنَا وفي أَشْعَارِنَا

وكَأَنَّهُ رُسُلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ تَدْعُو للجِنَانِ

كَأَنَّهُ في اللَّيْلِ رَائِحَةُ الخَبيزِ

تَزُورُ حَيًّا جَائِعًا بِجِوَارِ قَصْرٍ لَيْسَ يَسْمَعُ

عَنْ مُعَانَاةِ الفَقيرِ مِنَ الغَلاءْ ...!

مَاذَا يُريدُ اليَأْسُ مِنِّي غَيْرَ إِسْمَاعِي

صُرَاخَ حَنَاجِرِ الصُّبْحِ المُقَاوِمِ

رَغْمَ سِكِّينِ الفَنَاءْ ...؟


(رثاء الدكتور محمد السيد سعيد رحمه الله)

تَعَوَّدْتُ أَرْثِي الكِرَامْ ...

وشِعْري إِذَا مَا رَثَيْتُ يُجَمِّعُ كُلَّ دُمُوعِ المُحِبِّينَ في دَمْعَةٍ مِنْ كَلامْ ...!

تَعَوَّدْتُ أَعْجِنُ دَمْعَ الرِّثَاءِ بِطِينِ الهِجَاءِ

وأَقْذِفُهُ لقُصُورِ الظَّلامْ ...

تَعَوَّدْتُ مَعْ كُلِّ مَوْتٍ – كَمَا تَعْلَمُونَ – أُسَائِلُ نَفْسِي 

عَنِ السِّرِّ في قِصَرِ العُمْرِ لابْنِ الحَلالِ

وطُولِ التَّمَدُّدِ لابْنِ الحَرَامْ ...!

تَعَوَّدْتُ مَعْ كُلِّ مَوْتٍ أرى الأَمْرَ قَتْلاً صَريحًا يُطَالِبُنَا بانْتِقَامْ ...

أَنَا نَائِبٌ عَنْكُمُو حينَ أبْكِي قَريضًا 

يُؤَدِّي إلى الرَّاحِلينَ السَّلامْ ...

أَنَا نَائِبٌ عَنْكُمُو حينَ أهْجُو الذينَ يَزيدُ بِهِمْ مَوْتُنَا 

ويَطُولُ بتَقْتيلِنَا عُمْرُهُمْ  في كَرَاسِيِّ حُكْمِ الإِمَارَةِ 

رَغْمَ جَميعِ الأَنَامْ ...

أَنَا نَائِبٌ عَنْكُمُو حينَ أَشْحَذُ سَيْفَ الهِجَاءِ بمِبْرَدِ فَنِّ الرِّثَاءِ

لنُظْهِرَ للرَّاحِلينَ طُقُوسَ احْتِرَامْ ...

فَلا يَعْجَبَنَّ كَريمٌ مِنَ الكُرَمَاءِ بخَلْطِ الرِّثَاءِ الرَّقيقِ

بِبَعْضِ الهِجَاءِ الصَّفِيقِ

فَذَلِكَ فَنٌّ جَديدٌ

أُسَجِّلُهُ اليَوْمَ باسْمِ الكِرَامِ بِأَرْضِ الكِنَانَةِ جَهْرًا 

كَبَدْرِ التَّمَامْ ...

ولَسْتُ المُخَيَّرَ في كُلِّ ذَاكَ

ولكِنَّنِي قَدْ نُدِبْتُ لكَيْ أَتَسَاءَلَ مَعْ كُلِّ مَوْتٍ 

لماذَا يَمُوتُ بِمِصْرَ الذينَ نُريدُ لَهُمْ أَنْ يَعِيشُوا

ويَبْقَى اللِّئَامْ ...؟

* * *

إذا كَانَ مِنْ أَهْلِ الخَنَا مَنْ تُخَاصِمُــــــهْ

                 لَعَمْرُكَ لَنْ تُجْدي الكَريمَ مَكَارِمُــــــــــــــــهْ

ولَيْسَ بعَيْبٍ أَنْ تَرَى الكَلْبَ حَاكِمـــــــــًا

                بَلِ العَيْبُ تَلْقَى الشَّعْبَ لَيْسَ يُقَاوِمُـــــــهْ

بِمِصْرَ يَمُوتُ المَوْتُ والشَّعْبُ خَالـــــــــــــــــدٌ

                فَتَبْقَى لَهُ الحُسْنَى وتُنْسَى هَزَائِمُــــــــــــــهْ

سِوَانَا يَهَابُ المَوْتَ حينَ يَــــــــــــــــــــــــــــزُورُهُ    

              ونَحْنُ يَفِـرُّ المَوْتُ حينَ نُدَاهِمُـــــــــــــــــــهْ

بمِصْرَ يَعيشُ الشَّعْبُ قصَّةَ خُلـْـــــــــــــــدِهِ

                ويَهْلِكُ في قَصْرِ الخِيَانَةِ حَاكِمُــــــــــــــهْ

فَيَبْقَى برَغْمِ الدَّهْرِ طِيبُ فِعَالِنَــــــــــــــــــا 

                وحَاكِمُنَا بالخِزْيِ تَبْقَى جَرَائِمُـــــــــــــــــهْ

ويَنْفُذُ أَمْرُ الدَّهْرِ في كُلِّ أُمَّــــــــــــــــــــــــةٍ

        ونَحْنُ مَعَ الدَّهْرِ الفَقيرِ نُسَاوِمُـــــــــــــــــــــهْ

ويَنْفُذُ حُكْمُ المَوْتِ خَارِجَ أَرْضِنَــــــــــــــــــا

        وفي مِصْرَ أَهْرَامُ الجُدُودِ تُحَاكِمُــــــــــــــــهْ

نُعَلِّمُ أحْفَادَ الحَفيدِ صُمُودَنَــــــــــــــــــــــــــــا

        وتُنْقَلُ مِنْ جَدِّ الجُدُودِ عَظَائِمُـــــــــــــــــــــــهْ

تَزيدُ بِدَرْبِ الحَقِّ فينَا فَضَائِـــــــــــــــــــــــلٌ

        وحَاكِمُنَا بالسُّحْتِ زَادَتْ دَرَاهِمُــــــــــــــــــهْ

فَيَرْفَعُ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ بِمَالِــــــــــــــــــــــــهِ

        وللشَّعْبِ صَرْحٌ لا تُهَزُّ دَعَائِمُـــــــــــــــــــــهْ

وإِنَّا لَشَعْبٌ يَهْزِمُ الظُّلْمَ صَبْــــــــــــــــــــــــرُهُ    

          يُطَاوِلُ أَيُّوبًا بهِ ويُعَاظِمُــــــــــــــــــــــــــــهْ

فَيَصْبِرُ إِنْ كَانَ النَّفيرُ مَذَمَّــــــــــــــــــــــةً    

          ويَضْرِبُ إِنْ كَانَ الزَّمَانُ يُوَائِمُـــــــــــــــــــــــهْ

فَكُنْ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ في غِمْدِ فَارِسٍ

        يُسَالِمُ كُلَّ النَّاسِ حينَ تُسَالِمُـــــــــــــــــــــهْ

وكُنْ مِثْلَ حَدِّ السَّيْفِ يُشْرِقُ قَاتِــــلاً    

            إذا جَاءَ رِعْدِيدُ الظَّلامِ يُهَاجِمُــــــــــــــــــــهْ

بِمِصْرَ تَرَى شَعْبًا يُؤَدِّبُ حَاكِمـــــــــــًا    

           يُجَادِلُهُ حينًا و حينًا يُشَاتِمُــــــــــــــــــــــــهْ

نُخَلِّدُ حُكَّامًا ، ونَقْتُلُ بَعْضَهُـــــــــمْ    

           وكُلٌّ بذي الدُّنْيَا لَهُ مَا يُلائِمُــــــــــــــــــــــــهْ

تَرَانَا كَخَيْلِ العِزِّ إِنْ هَبَّ جَامِحًـــــــــا    

         عَلى سَقْفِ قَصْرِ الظُّلْمِ دَبَّتْ قَوَائِمُــــــــــــهْ

نُسَايِرُهُ بالصَّمْتِ ثُمَّ نَجُــــــــــــــــــــــــــــــرُّهُ    

           إلى سَاحَةِ الإِعْدَامِ فاللهُ قَاصِمُـــــــــــــــــــــــهْ

فَتَسْقُطُ رَأْسُ الكَلْبِ عِنْدَ حِذَائِنَـــــا

        ويُتْرَكُ مِنْ أجْلِ الشَّمَاتَةِ خَادِمُـــــــــــــــــــــهْ

* * *

مُحَمَّدُ ...

أَنْتَ احْتِرَامُ اليَمِينِ و أنْتَ انْبِعَاثُ اليَسَارِ الذي لَمْ تَخُنْهْ ...

مُحَمَّدُ ...

لَسْتُ أَقُولُ لِكُلِّ المُحِبِّينَ حَسْبُكَ مَا كُنْتَهُ بَلْ أَقُولُ لَهُمْ

إِنَّ حَسْبَكَ مَا كُنْتَهُ

وكذلكَ حَسْبُكَ مَا لَمْ تَكُنْهْ ...!

ولَمْ تَكُ يَوْمًا بَذِيئًا ولَمْ تَكُ يَوْمًا نَسِيّا ...

ولَمْ تَكُ يَوْمًا رَخِيصًا ولَمْ تَكُ يَوْمًا غَنِيّا ...

ولَمْ تَكُ في مَوْكِبِ العُهْرِ شَاهِدَ زُورٍ 

ولَمْ تَكُ يَوْمًا شَقِيّا ...

ولَمْ تَكُ حِينَ تُعَدُّ الدَّنَانيرُ للخَائِنِينَ صَفِيّا ...

ولَمْ تَكُ يَوْمًا دَعِيّا ...

ولَمْ تَكُ يَوْمًا خَصِيّا ...

فَعِشْتَ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ اليَسَارِ نَبِيّا ...!

ومِتَّ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ اليَمينِ رَضِيّا ...!

* * *

تُجَمِّعُنَا اليَوْمَ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ لنَخْلُقَ قَوْسَ قُزَحْ ...

تُجَمِّعُنَا مِثْلَمَا كُنْتَ تَفْعَلُ دَوْمًا لنَعْزِفَ لَحْنَ الفَرَحْ ...

مُحَمَّدُ أَنْتَ الدَّليلْ ...

و أنْتَ الذي قَدْ رَسَمْتَ \"البَديلْ\" ...

وأنْتَ الهُدُوءُ الجَميلْ ...

وأنْتَ مُبَشِّرُنَا بانْتِهَاءِ الظَّلامِ الطَّويلْ ...

وأنْتَ الذي في الخِصَامِ نَبيلْ ...

مُحَمَّدُ ...

فِكْرُكَ في بَاطِنِ الأرْضِ جِذْرٌ

وفَوْقَ السَّمَاءِ يَلوحُ كَمَا سَعَفٍ للنَّخِيلْ ...

مُحَمَّدُ ...

فَالنِّيلُ يَرْنُو إِلَيْكَ كَطِفْلٍ يُؤَدِّي السَّلامَ لِشَيْخٍ جَليلْ ...!

* * *

أَقُولُ خِتَامًا :

رِثَاؤُكَ أَمْرٌ ثَقيلٌ كَريهْ ...!

أَقُولُ لَكُمْ ولِكُلِّ بَنِيهْ ...

قَضَى عُمْرَهُ في ادِّخَارِ الضِّيَاءِ ليَذْكُرَهُ مَنْ يَلِيهْ ...

مَوَائِدُهُ لَمْ تَزَلْ عَامِرَاتٍ ليَأْكَلَ منْهَا الوَجيهْ

ويَأْكُلَ مِنْهَا السَّفِيهْ ...

مَسِيرَتُهُ أَثْقَلَتْ عَاذِليهْ ...!

وسِيرَتُهُ أَثْكَلَتْ قَاتِلِيهْ ...!

 

تمت في القاهرة          11/11/ 2009


بين يدي القصيدة :

تُوُفِّيَتْ أُمِّي الحَبيبةُ رَحِمَهَا اللهُ في ظَهيرةِ يومِ الخَميسِ 21/يونيو/2012، وكانَ ذلكَ في مَدينةِ الدَّوْحَةِ بقَطَر، عَنْ عُمْرٍ تَجَاوَزَ الثَّالثَةَ والسَّبْعينَ .

أقولُ تُوُفِّيَتْ، ولا أقولُ رَحَلَتْ، لأنها رَحَلَتْ عَنْ عالمِنا هذا قَبْلَ ذلك التَّاريخِ بعِدَّةِ أَعْوَامٍ، فَقَدْ شَاءَتْ إرادَةُ الله سبحانَهُ أنْ يَرْفَعَ مِنْ دَرَجَاتها عندَهُ بأَنِ ابْتَلاها بمَرَضِ \"الزَّهَايْمَر\"، فأصْبَحَتْ حاضِرَةً غائبَةً، أو أصبَحَتْ تحضُرُ حينًا وتغيبُ حينًا، ومع الأيامِ أَصْبَحَ الغيابُ أكثرَ مِنَ الحُضُورِ، وللهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ، ولَهُ الحَمْدُ على كُلِّ حَالٍ في ذلك الوقتِ أَيْقَنْتُ أَنَّ الإنسانَ ما هو إلا ذاكرةٌ، وأَنَّ الإِنسانَ بلا ذاكرَةٍ يُصْبِحُ كَيْنُونَةً أُخْرى غَيْرَ كَيْنُونَتِهِ، وسَلْبُ الذَّاكِرَةِ مَوْتٌ حقيقيٌ لا مَجَازيٌّ، يَنْطَبقُ ذلك على الأفرادِ والجَماعاتِ، وقَدْ رَأَيْتُهُ رَأْيَ عَيْنٍ في أَحَبِّ الناسِ إلى قلبي .

لذلكَ حينَ بَدَأْتُ كتابةَ هَذِهِ  القَصيدةِ لَمْ أَكُنْ أرَ المَوْتَ شَكْلا وحيدًا للرَّحيلِ، بَلْ كُنْتُ أَعْرِفُ تمامًا أَنَّ الرَّحيلَ قَدْ يَكُونُ برَحيلِ ذَاكِرَةِ الإنْسانِ، وأَنَّ الإنْسانَ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يَرْحَلَ وَهْوَ على قَيْدِ الحَيَاةِ (وحينَهَا مِنَ المُمْكِنِ بلْ مِنَ الواجبِ رِثَاؤُهُ!)، كما أنهُ مِنَ المُمْكِنِ أَنْ يبقى حيًّا أَبَدَ الدَّهْرِ وإنْ مَاتَ وقُبِرَ (وحينها يكونُ الرِّثَاءُ مُجَرَّدَ مَرَاسِمِ وداعٍ)!

كَتَبْتُ هَذِهِ القَصيدةَ في رِثَاءِ أُمِّي بعدَ أَنْ بَدَأَ رحيلُهَا (بسَلْبِ الذَّاكِرَةِ)، وقبْلَ أَنْ يَتَوَفَّاهَا اللهُ (بالمَوْتِ)، وكُنْتُ أَكْتُمُ هَذِهِ المَشَاعِرَ عَنْ أبي وإِخْوَتي، ولَمْ أُصَارِحْ أَحَدًا بكِتابةِ هَذِهِ القَصيدةِ إلا بَعْدَ وَفَاةِ أُمِّي رَحِمَهَا اللهُ، وقَدْ يَسْتَغْرِبُ القارئُ مِنْ هذا الفِعْلِ الذي قَدْ يُحْسَبُ مِنْ بَابِ الفَأْلِ السَيِّءِ، فَقَدْ كُتِبَتْ هذه القصيدةُ في ديسمبر 2007، أيْ قبلَ الوَفَاةِ بحَوالَيْ أرْبَعِ سَنواتٍ، ولكنَّ الحَقيقةَ أنَّ الشَّاعِرَ لا يَمْلِكُ أنْ يَمْنَعَ القصيدةَ أو أنْ يسمحَ لها، فَهْيَ أَشْبَهُ بطُلُوعِ الشَّمْسِ أو غُرُوبِهَا، فهي كالظَّوَاهِرِ الكَوْنيَّةِ التي لا يستطيعُ الإنسانُ لها جَلْبًا ولا دَفْعًا، لذلك حينَ تَدَفَّقَتْ هذهِ القَصيدةُ لَمْ أَمْلِكْ سِوى أَنْ أَكْتُبَهَا، وقَدْ تَمَّتْ في حَوَالَيْ أُسْبُوعَيْنِ، وهو زَمَنٌ قياسِيٌّ بالنَّسْبَةِ لحَجْمِهَا .

مِنْ عَجَائِبِ مِا حَدَثَ لي أنَّني بَكَيْتُ أُمِّي كثيرًا في أَثْنَاءِ كتابةِ هَذِهِ القصيدةِ، ولكنني لَمْ أَبْكِ حينَ تَوَفَّاهَا اللهُ، ولَيْسَ ذلكَ بَقَصْدٍ مني في الحالتَيْنِ .

ولا شَكَّ أنَّنا في مجتمعاتنا العَرَبيةِ والشَّرقيةِ مَا زِلْنَا نَظْلِمُ النِّسَاءَ، نَظْلِمُ أُمَّهَاتِنَا وزَوْجَاتنا وأَخَوَاتِنَا وبَنَاتِنَا، نَظْلِمُهُنَّ بقَصْدٍ وبدونِ قَصْدٍ، ومِنَ المُمْكِنِ أَنْ نَظْلِمَهُنَّ ونَحْنُ نَظُنُّ أنَّنا نُحْسِنُ صُنْعًا، وأَنَّنَا نَتَقَرَّبُ بذلك إلى اللهِ، تَعَالى اللهُ عَنْ الظُّلْمِ عُلُوًّا كَبيرًا .

كَانَتْ أُمِّي رَحِمَهَا اللهُ مِنْ جيلٍ فريدٍ مِنَ النِّسَاءِ، جيلٍ دَيْدَنُهُ العَطاءُ، ووُجُودُهُ يَعْتَمِدُ على أَنْ يُسْعِدَ الآخرينَ، فَهي لا تَبْتَهِجُ إلا بإِسْعَادِ زَوْجِهَا وأبْنَائِها وأُسْرَتِهَا، فَكَانَ لها مِنَ اسْمِها أَكْبَرُ نصيبٍ، فهي \"إِسْعاد\"، وكانَتْ مَصْدَرَ إِسْعَادٍ لكلِّ مَنْ حَوْلَهَا .

شَاءَ اللهُ أَنْ يَمُدَّ في عُمُرِها، فَأَهْدَتْ من ثمارِ حكمَتِهَا ثَلاثَةَ أَجْيالٍ، فَرَبَّتِ الأَبْنَاءَ، والأَحْفَادَ، وبَعْضَ أَبْنَاءِ الأَحْفَادِ.

هَذهِ قصيدةٌ أُحَاوِلُ أَنْ أَرْثِيَ بهَا كُلَّ نساءِ الدُّنْيا، إِكْرَامًا لامْرَأَةٍ عَظيمةٍ ... هِيَ أُمِّي ...!

أَسْأَلُ اللهَ لَهَا الرَّحْمَةَ والمَغْفِرَةَ، ولكُلِّ الأُمَّهَاتِ ...

    القاهرة       1/7/2012م

(1)

عِلى شَفَةِ المَجْدِ بَيْتٌ مِنَ الشِّعْرِ

فيهِ مَديحٌ لأُمِّي التي لَمْ تَكُنْ ذَاتَ يَوْمٍ لِتَرْفَعَ مَجْدًا لَهَا

لَيْسَ فيهِ شَريكٌ مِنَ الزَّوْجِ أو مِنْ سُلالَتِهَا اللُّؤْلُؤِيَّةِ

فيهِ مَدِيحٌ لأُمِّي التي ما تَبَقَّى لها أَيُّ شَيْءٍ بِدُونِ شَريكٍ

سِوى بَعْضِ ما تَقْتَني مِنْ أَسَاوِرَ فَهْوَ لَهَا

(فَهْوَ ذَوْقٌ قَديمٌ ولَنْ يَسْتَطيعَ سِوَاهَا ارْتِدَاءً لَهُ)

لَيْسَ تَمْلُكُ مَجْدًا لَهَا وَحْدَهَا

قَسَّمَتْ كُلَّ شَيْءٍ على قِسْمَةِ الحُبِّ – لا الشَّرْعِ –

بَيْنَ البَنَاتِ وبَيْنَ البَنينْ ...

وبَيْنَ مُرُورِ السِّنِينْ ...

وبَيْنَ العِنَايَةِ بالحَاضِرينْ ...

وبَيْنَ التَّشَوُّقِ للغَائِبينْ ...

وبَيْنَ التَّأَكُّدِ مِنْ أَنَّ مَا مَلَكَتْهُ تَوَزَّعَ بالعَدْلِ بَيْنَ الجَميعِ

فَتَبْقَى ولا مَجْدَ خُطَّ عليهِ اسْمُهَا

قَدْ تَفَرَّقَ ما بَيْنَ أَمْجَادِ تلْكَ السُّلالَةِ

مَجْدٌ لأُمِّي ...!