الشعراوي وطنطاوي

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 10-11-2019 م

حتدم الخلاف حول فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي خلال الأيام الماضية، وبدأ التلاسن والتطاول على الشيخ الجليل رحمه الله، بين من يرى أنه رجل دين رجعي، صنعته الأنظمة، واستفادت منه سياسيا لتجميل صورتها وتخدير الجماهير بالدين، وبين من يرى أنه عالم جليل، ومفسر متميز، وداعية جهر بكلمة الحق في مواضع كثيرة.
السؤال الذي أحاول أن أطرحه – على نفسي أولا – هل يجوز أن تطرح أسئلة كبرى تتعلق بأحداث أو شخصيات شكلت وجدان الأمة بهذا القدر من البساطة والاستخفاف من كل شخص أتيح له ميكروفون لسبب ما في وقت ما؟ هل يجوز لكل أحد أن يتناول شخصيات يرى فيها المصريون قدرا من الاحترام أو يرى فيها غالبية المصريين تعبيرا عن ذواتهم أو وجدانهم؟
سيجيب البعض عن السؤال بأنه لا قداسة لأحد.. ولا أحد فوق النقد.. وهذا صحيح... وكننا لا نتحدث عن قداسة مجانية لأحد، ولا نتحدث بالطبع عن النقد.. بل نتحدث عن قدر ضئيل من احترام المجتمع ومشاعر الناس.. ووجدان الملايين الذي تكون بتراكم عشرات السنين.. نتحدث عن ضرورة أن يتم النقد بأصوله، وأن يخرج من أهله، وأن يقع في محله.
إن استسهال تقديم الاتهامات لرموز الأمة المصرية أمر خطير، يفقد المجتمع كينونته، ولا يوجد أمة تحترم نفسها تسمح لكل من هب ودب بالتطاول على من أصبح لهم رصيد عند الشعب.


* * *
 

في الحقيقة أنا من الذين يستاؤون من أي تطاول من أي سفيه ضد الشيخ الشعراوي.. أو ضد أم كلثوم، وعبدالوهاب.. أو ضد نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.. أو ضد زكي نجيب محمود.. أو يوسف وهبي.. أو سعد زغلول.. وغيرهم.. أتحدث عن (تطاول السفهاء.. لا نقد العلماء) !
هذه المذيعة لا أقبل منها أن تتحدث عن الشيخ الشعراوي.. ولا عن أم كلثوم، ولا عن نجيب محفوظ.. وغيرهم.. إلا بالاحترام والتقدير، فالكل يعلم علم اليقين أننا إذا وضعنا الأمور في سياقها.. أننا لا نتحدث سوى عن شخص سفيه، وصل إلى الشاشة عبر مقاييس مختلة، في زمن تتحكم فيه أجهزة الأمن في كل شيء، ولا تسمح سوى بظهور أسوأ الناس، ومقياسهم السطحية.. والولاء المطلق.
أما تحجج البعض بأن الشيخ الشعراوي رجعي ومتخلف.. فهو حساب بأثر رجعي، لأمور لا نملك لها تصحيحا، فالرجل كان ابن زمنه، وأكاد أجزم أن غالبية الناس في تلك الفترة كانت تفكر في غالبية هذه المواضيع بتلك الطريقة.. وليس معنى ذلك أن رأيه صحيح، بل المطلوب أن توضع تلك الآراء في سياقها التاريخي.. وأن تراجع من قبل المختصين.. وبالطريقة العلمية التي تؤدي إلى نتيجة إيجابية، بدلا من هدم كل شيء.. وترك الناس بلا أي رمز محترم.
سيسعدني أن أرى المتخصصين يراجعون، والمثقفين يطرحون الأسئلة، والجمهور يتفاعل.. ولن أكون سعيدا إذا رأيت (حمو بيكا) يسب السيدة أم كلثوم بحجة أنه لا قداسة لأحد.. أو بدعوى أنها كانت ترقص على كل الحبال.. فغنت للملك، وغنت للثورة !
من يرون الشعراوي رحمه الله مجرد انتهازي صنعه نظام ما، هؤلاء لا ينالون من الشعراوي فقط.. بل ينالون من عشرات وربما مئات الرموز التي شكلت وجدان المصريين !
جريدة الأهرام على سبيل المثال.. كانت منصة لطه حسين، وصلاح جاهين، ويحيى حقي، ورجاء النقاش، وزكي نجيب محمود، ويوسف إدريس، إحسان عبد القدوس، وأحمد لطفي السيد، ومحمود سامى البارودي وأمير الشعراء أحمد شوقي، وبنت الشاطئ وثروت أباظة، ولويس عوض، وعبد الرحمن الشرقاوي وأحمد بهجت.. وغيرهم !
هل يحق لنا اليوم أن نصمهم جميعا بأنهم مجرد صنيعة للأنظمة لأنهم كتبوا في جريدة الأهرام وهي لسان الحكومات والأنظمة، ولها من المواقف المخزية ما ينوء بحمله الجبال؟


* * *
 

إن ما نفعله نحن المصريين بالأسماء التي شكلت وجداننا وعواطفنا لا أكاد أرى له مثيلا في أي دولة عربية أو أجنبية، فإخوتنا في فلسطين – على سبيل المثال – برغم خلاف كثير منهم مع شاعر كبير مثل محمود درويش رحمه الله.. لا يقبلون أن يكون هذا الاسم محلا لتصفية حسابات سياسية أو حزبية صغيرة، وترى المختلف معه يحترم إنجازه تماما مثل المتفق معه، وستجد ذلك ينطبق أيضا على ياسر عرفات، وعلى الشيخ أحمد ياسين.. وهما على طرفي نقيض من الناحية (الفصائلية).
قس على ذلك غالبية الأمم والشعوب.. ستجد أن هناك قدرا من الاحترام، أو حدا أدنى من الشخصيات والأحداث والأفكار التي يقبل الناس نقدها من كل أحد.


* * *
 

الخلاصة.. إذا أردنا أن نراجع.. فلنراجع.. ولا قداسة لشخص.. ولا لفكرة.. ولا لزعيم.. ولا لعهد.. ولكن هناك أصول للمراجعة، سواء كانت مراجعة للدين أو للتاريخ أو للفن.. أي لأي شيء كان.
أما أن نسمح لأجهزة الأمن بتسليح السفهاء بمعاول الإعلام لهدم صروح بنيت عبر عشرات السنين.. فهذا سفه.. يؤدي إلى ثلاثة أشياء.. أولا: إلى فقدان احترام الأمة لذاتها.. فيصبح جميع الرموز والأفكار والأحداث محل سخرية، وكل الزعماء في نظر الشباب مجموعة من المرتزقة.. لأن معاول الهدم لن تستثني أحدا.
ثانيا: تؤدي إلى زرع الشعور بأن الأمة تستحق هذه العصابة التي تحكمها.. فالكل سواء.. لا فرق بين صلاح الدين الأيوبي وعبدالفتاح "سيسي"، وبين النحاس باشا ومرتضى منصور.. وكذلك لا فرق بين عبدالحليم حافظ ومجدي شطة.. ولا بين نجيب محفوظ وأحمد مراد.. أو بين أحمد شوقي وعمرو حسن !
ثالثا: التأكيد على فكرة العدمية، وأنه لا أحد يستحق أن نضحي من أجله، وأن هذا الشعب غير مؤهل للديمقراطية، وأن المصريين قدرهم الاستعباد.. وبالتالي هنيئا لأنظمة الاستبداد بهذه النخب التي لا تكتفي بالتقاعس عن أداء دورها في التغيير، بل تقطع الطريق على أي شخص يفكر أن يقوم بدوره في المستقبل، بزرع الأفكار العدمية التي تقتل أي أمل، وتدفن أي تفكير إيجابي يطمح في التغيير.


* * *
 

في النهاية.. لا شك أننا سنختلف حول ما هي الأفكار والأحداث التي ينبغي أن نتناولها باحترام وتقدير وحذر، ومن هم الرموز الذين شكلوا وجداننا، لا شك أن الخلاف سيكون كبيرا، ولكن ليس من صالح أحد أن يتم هدم الجميع، وتدمير التاريخ بكل أحداثه.
من الأفضل لنا (كأمة) أن نمنح شيئا من الاستثناء لبعض الأشياء.. ليس استثناء من النقد أو المراجعة.. بل استثناء من اقتحام السفهاء للشعور الجمعي للأمة.
لا تصبح الأمة أمة إلا بتصورات جماعية يؤمن بها غالبية المنتمين لها، هذه التصورات تشمل أحداثا وأشخاصا وأفكارا وموسيقى وأشعار ومنحوتات.. الخ
وهدم هذه الأشياء جملة واحدة.. هو في حقيقة الأمر هدم لروابط تمنح الجماعة تصورها الذاتي عن نفسها.


* * *
 

تعليق مخنصر قد يعقبه شرح مطوّل:
تقدم الأسبوع الماضي النائب البرلماني المصري السيد أحمد طنطاوي بمبادرة إصلاحية عبر الطرق الرسمية، فقدم المباردة لرئيس البرلمان المصري، وطالب بخطوات محددة، وفور أن قدم مبادرته عبر فيديو طويل من خلال صفحاته الشخصية على مواقع التواصل، انبرى بعض الناس (وبمنتهى الثقة) في توعية الجماهير بخطورة المسرحية (المكشوفة) التي يؤديها النائب لصالح نظام "سيسي"، ووضح هؤلاء بيقين كامل كيف أن هذا الرجل ليس أكثر من مخلب من مخالب المخابرات.
كان ذلك فور إعلان المبادرة.. وبعد يومين أو أكثر تمت إحالة الرجل للجنة القيم، واتضح أن كل هذا الكلام (اليقيني) ليس أكثر من هراء !
هذا ما قاله هؤلاء الأشخاص أنفسهم عن سامي عنان، وشفيق، وقنصوه، وحسن نافعة، وحازم حسني، وحازم عبدالعظيم، وعلاء عبدالفتاح، وعشرات غيرهم !
سؤالي لهؤلاء – ولا أقصد منه أي إساءة – : ألا تستحون؟

 

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21