وبمنتهى الثقة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 3-11-2019 م

 

هل يمكن خلع الرئيس مبارك؟

أجاب غالبية البشر على هذا السؤال لسنوات طوال – وبمنتهى الثقة – (مستحيل) !

هل يمكن خلع العقيد القذافي؟

القذافي مختلف.. لديه مليشيات، ولن يتردد في قتل المتظاهرين بالآلاف، والوضع في ليبيا مختلف عن مصر وتونس، وبالتالي.. سيقبل الناس ببقاء القذافي.. هذا ما قاله كثيرون (وبمنتهى الثقة أيضا) !

هل يمكن خلع علي عبدالله صالح؟

غالبية كبراء قبائل اليمن تؤيده، والمجتمع مسلح، ولا يوجد أي وعي يؤهل هؤلاء الغارقين في تخزين القات لخلع رئيس، أو للمطالبة بديمقراطية وحكم رشيد.. إجابة سمعناها آلاف المرات قبل خلع الرئيس علي عبدالله صالح، ثم اغتياله فيما بعد (وكانت تقال بمنتهى الثقة).

بعد ذلك تتكرر الأسئلة.. هل يمكن خلع الجنرال البشير من سدة الحكم في السودان؟ هل يمكن خلع جثمان "بوتفليقة" من فوق كرسي الحكم (المتحرك) في الجزائر؟

هذه الأسئلة أجاب عنها غالبية الناس بتكرار كلمة المستحيل.. (وبمنتهى الثقة).. وحدث العكس.

هل يمكن خلع الأسد؟ حتى بعد أن ظن البعض أن حكمه المزعوم استقر، هل يمكن خلع ملك البحرين؟ هل يمكن خلع ملك السعودية وإنهاء النظام الملكي الجاثم على صدر الأمة العربية والإسلامية؟ هل يمكن خلع "سيسي" رئيس جمهورية الأمر الواقع في مصر؟

ستجد كثيرا من الناس يتطوّع بتوصيف الأمر الواقع (اليوم) وكأننا لا نعيشه، وهو أمر سهل.. ما أسهل أن تصف ما تراه، وأسهل ما في الأمر أن تصف (قشرة) الأحداث، دون أي جهد في التحليل، أو استشراف المستقبل.. هذا النوع من التفكير سيقودك بلا شك إلى أن تحكم على أحداث قادمة بأنها (مستحيلات).. وتأكد أنك في تلك اللحظة ستتحدث بمنتهى الثقة !

*       *       *

يتساءل البعض اليوم.. في هذه اللحظة.. هل يمكن أن يتغير النظام الطائفي في لبنان والعراق؟

هذا السؤال أشبه بالأسئلة التي ذكرتها في الفقرة السابقة.. وإجابتها من الممكن أن تخضع للمقاييس ذاتها، فمن الممكن أن نتحدث – وبمنتهى الثقة – ونقول (مستحيل طبعا.. الطائفية متجذرة في لبنان والعراق.. لكل طائفة ثقافتها، ومؤسساتها الاقتصادية، وأماكن سكنها، ومدارسها، بل إن لكل طائفة أطباءها، وناديها الرياضي (في بعض الأحيان)، ولكل طائفة قياداتها السياسية وأحزابها بالطبع.. فكيف يمكن أن يتغير الوضع؟) !

هذه الرؤية.. تصف قشرة الأحداث.. ولا ترى كمّ التمرد الذي يشتعل تحت رماد الأمر الواقع، بل إنها تتجاوز – بسذاجة شديدة – إلى الحكم على مآلات الأمور.. فترى هؤلاء يقولون (وبمنتهى الثقة) (حتى إذا حدث أي تغيير.. فسوف تهزم هذه الثورة في النهاية) !

والحقيقة الواضحة أن هناك تغيّرا يحدث في جميع المجتمعات العربية، بلا استثناء يكاد يذكر، وطموحات الناس النابعة من آلامهم الممتدة أصبحت أكبر من قدرة النخب على التخيل، ولا يمكن كبح رغبات الناس في التغيير طويلا.

نكرر السؤال إذن.. هل يمكن أن يتغير النظام الطائفي في لبنان والعراق؟

الإجابة.. يمكن بالتأكيد !

وكما خلع مبارك، وبن علي، والقذافي، وعلي صالح، والبشير، وبو تفليقة.. الخ

يمكن أن يخلع أي حاكم في الدنيا.. لا يوجد أي حاكم في الماضي أو الحاضر أو المستقبل لا يمكن خلعه !

كما أنه يمكن أن يتغير النظام الطائفي في لبنان والعراق !

*       *       *

هذه الإجابة تدفع بعض الناس إلى تصور أننا سذج، أو عديمو خبرة بالحياة، أو واهمون حالمون، مجرد قراء لكتب، منفصلون عن الواقع.. والحقيقة أن هؤلاء يفترضون أننا نقول إن هذه الأمور التي قلنا إنه يمكن حدوثها.. ستحدث (بسهولة).. وأنها بلا عواقب.. وأن خلع الرئيس الفلاني معناه ديمقراطية بشكل أوتوماتيكي.. وهذا فهم سقيم لكلام دعاة التغيير المطالبين بالديمقراطية، المحاربين للاستبداد والمستبدين.

لذلك.. ولكي نوضح.. إن زعمنا أن النظام الطائفي يمكن تغييره.. لا يعني أبدا أن هذا الأمر سيتم بسهولة، ولا يعني أبدا أن المجتمع لن يمر بفترات صعبة، وأن كثيرا من أهل هذه البلاد سوف يقاومون هذا التغيير (لأسباب شتى لا مجال لذكرها).

بل إننا نقول إن التغيير ممكن.. ولكن له شروطه، وله سُننه، ومن شروطه أن يستعد دعاة التغيير لمعركة طويلة، ومن سننه أن يقاوم كثير من الناس هذا التغيير.

التغيير دائما يبدأ من قلة، ثم ينتشر.. بسرعة؟ ببطء؟

لا فرق.. هناك ظروف كثيرة تحكم زمن التجربة، من أهمها أداء دعاة التغيير، بالإضافة للعوامل الداخلية والخارجية، ومراكز القوى المختلفة.

فكرة التغيير بعد أن تنتشر.. تنتصر.. في غالبية التجارب هذا ما يحدث، ولكن هذا النصر ينتج عنه – في أغلب الأحايين – تحديات كبيرة، ودائما ما تفشل تجارب التغيير في هذا المنعطف، وتمر بانتكاسات، وربما هزائم.

في غالبية تجارب التغيير الكبرى.. يخرج من رحم الفشل نجاح.. ويتراكم بالتدريج، ويعبر بالمجتمع إلى آفاق أفضل !

هذه القصة التي نرويها.. تحدث في عقد.. أو عقدين.. أو عدة عقود ربما !

وخلال هذه العقود الممتدة يرى الناس مجموعة من مدعي الفهم يحكمون على المرحلة التالية من التجربة بأنها أمر مستحيل (وبمنتهى الثقة طبعا).. وترى دعاة التغيير دائما يكملون مسيرتهم.. ويرون نصرهم، أو يؤدون دورهم لكي يراه من بعدهم.

*       *       *

لبنان والعراق اليوم يمران بتغير في عقلية جزء لا يستهان به من الشعبين.. هل يمكن معرفة نسبة الراغبين في التغيير في المجتمعين؟

الحقيقة أنه لا يوجد وسيلة لقياس أمر كذلك (حاليا).. ولكنه أمر يمكن قياسه فيما بعد.. وقد يثبت أن النسبة أكبر مما يتخيل كثير من دعاة (المستحيل).

ظني – وبعض الظن ليس بإثم – أن الأرض مهيأة اليوم لقيام اصطفاف وطني على أساس غير طائفي، ولو تساءل البعض على أي أساس يقوم هذا الاصطفاف في بلاد شوهتها يد الساسة والأحداث بحيث أصبحت الطائفة هي أساس العمل السياسي والخيري والاجتماعي والرياضي.. والخ الخ؟

نقول.. لا ندري.. ربما يصطف الجميع على أساس المصلحة.. فمن مصلحة الجميع أن يحظى المجتمع بخدمات آدمية.. ربما على أساس محاربة الفساد.. وهو فساد عابر للطوائف.. ومن مصلحة الجميع أن يتوقف أباطرة الفساد عن السرقة..

هناك الكثير مما يمكن أن يجتمع عليه الناس.. بل أقول (وبمنتهى الثقة) إن ما يجمع المجتمعات العربية اليوم أكبر بكثير مما يفرقها.. وما يدفعها للإطاحة بالأنظمة العربية أكبر بكثير مما يدفعها للصبر عليها !

أقول (وبمنتهى الثقة).. التغيير في الوطن العربي قادم.. والأيام بيننا ...!

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21