استمع للناصحين يا صديقي

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 6-10-2019 م

 

يا صديقي...

أتدري لماذا تفاعل الناس معك؟

لسببين اثنين.. لا ثالث لهما !

السبب الأول: لأنهم اعتبروك صادقا.. وسبب ذلك أنك تتحدث بلغتهم، تلك البساطة الفطرية التي تؤثر في الناس، ولا يتقنها غالبية المثقفين، لقد اعتبروك صادقا رغم أنك لم تقدم لهم دليلا ماديا ملموسا على ما تقول، ولكن طريقة حديثك نفسها أشعرتهم بصدق ما تقول (بالإضافة إلى أنهم متأكدون من أن العصابة التي تتحدث عنها شلة من الحرامية الذين يأكلون مال النبي).

إنهم يعتبرون كلام المثقفين كذبا، أو شبه كذب، دجلا.. لفا ودورانا.. لأنهم لا يفهمونه، ولأنهم إذا فهموه لا يثقون في قائله.. لذلك ترى هؤلاء البسطاء يصدقون رجال الدين أكثر من السياسيين، ليس لأنهم يفهمون الخطاب الديني، أبدا.. بل لأنهم يثقون – بشكل ما – في رجال الدين (أيا كان ذلك الدين).

هم يعتبرونك صادقا.. لأنهم يفهمونك !

هل معنى ذلك أنك لست صادقا؟

أظنك صادقا.. وأظنك قد أخذت مخاطرة ستدفع ثمنها لآخر حياتك (طالت أو قصرت)، وأظنك بدأت الآن تدرك أنك في ورطة.. أنت في ورطة مركبة.. سنتحدث عنها.. وسنتحدث كيف تخرج من ورطتك.

السبب الثاني: (الذي يجعل ملايين البسطاء يصدقونك) أنك تدعم كلامك بمعلومات !

هل تعرف معنى المعلومات؟

لا أحد يريد منك نظريات في الإصلاح السياسي.. لا تعتمد على إنصات الناس لك اليوم، أو صبرهم على ما تقول.. لعبة (الجماهير) لعبة خطرة للغاية، وهذه الجماهير التي ترفعك على أكتافها اليوم.. من الممكن أن ترفعك إلى المقصلة غدا.. حدث ذلك في ثورات عديدة.. بل لا أبالغ إذا قلت إن ذلك قد حدث في كل ثورات العالم (معلش.. كلام مثقفين.. لكن اشترِ مني يا صديقي) !

وبالتالي.. كلما ذكرت معلومات في كلامك.. كلما زادت مصداقيتك !

*       *       *

حسنا.. بعد أن وصفت لك طبيعة الجمهور.. وسبب إنصاته لك.. دعني أصف لك (موقفك) الحالي.. من أنت؟ وما هو وضعك في الحياة؟

أنت الآن – يا صديقي – رجل ليس لديه ما يخسره !

لا أقول إنك قد خسرت كل شيء بالفعل.. ولكن أقول إنك في منتصف رحلة بحرية وسط عاصفة هوجاء.. ولا يمكنك فيها أن تتراجع.. ليس أمامك إلا أن تواصل رحلتك إلى أن تصل إلى برّ الأمان.. أو لا قدّر الله.. أن تغرق !

طيب.. بما أنك قد أصبحت رجلا في ورطة كبيرة، ولا شيء لديك تخسره.. فلا حل أمامك للخروج من تلك الورطة إلا بأن تقاتل قتال الأبطال !

ولكن.. أنت لا تقاتل بنفسك.. بل تقاتل بالآخرين.. تقاتل عن طريق ثقة الناس في صدقك !

صحيح أنك معرض لأي عملية غادرة (ولكن حتى الآن أنت تقاتل بالناس.. لا بنفسك).

لذلك يا صديقي.. أنصحك بالآتي :

أولا : بما أن الناس يصدقونك لأنك تتحدث بلغتهم.. تابع حديثك معهم بهذا الشكل.. ولاتتعب نفسك باختراع نظريات سياسية في إدارة الدول.. ولا تكثر من الكلام.. لأن كثرة الكلام في هذا الوقت الحرج خطأ.. اكتف بإطلالات مختصرة.. عشر دقائق لا أكثر.

ثانيا : الناس صدقوك لأنك دعمت كلامك بمعلومات.. أحضر مزيدا من المعلومات.. لا شك أن لديك المزيد.. وهناك من يمكن أن يمدك بالمزيد.. بإمكانك أن تدعم أنت كل من يريد أن ينشر (معلومات).. وسيساعدك الكثيرون لكي لا تقع في فخ إذاعة معلومات غير دقيقة أو مغلوطة.

ثالثا : لا تختبر قدرة الناس على مواجهة الرصاص والسجون.. بإمكانك أن تثبت أن الشعب المصري كله معك عن طريق التوقيع على وثيقة ذات صبغة إنسانية اجتماعية سياسية.. وثيقة مكتوبة بلغتك البسيطة لا بلغة المثقفين.. اكتبها بالعامية لا بالفصحى لو شئت.. وبعد أن تجمع عليها ملايين التوقيعات (وهذا ليس صعبا).. حينها بإمكانك أن تتحدث وأنت تملك شرعية أكبر من شرعية من يحكم بانتخابات مزورة، وبتعديلات دستورية باطلة.. لن تصبح زعيما شرعيا للشعب المصري.. ولكنك ستصبح في موقف قوة أمام زعيم العصابة الذي لا يملك أي شرعية سوى شرعية البندقية !

*       *       *

يا صديقي..

سيحاول الكثيرون استغلالك لمزيد من الشهرة والمكاسب السياسية.. لا تقلق.. هذا طبيعي.. ولكن كلي ثقة أنك ستكون قادرا على معرفة ما هو مصلحة (وطن)، وما هو مصلحة (فلان).

وتأكد أن عدم رغبتك في تحقيق أي مكسب ستقودك إلى الخير..

نصيحة أخيرة :

لا تعتبر نفسك آمنا في البلد الذي أنت فيه، لا تعتبر نفسك آمنا طالما هذه العصابة ما زالت في السلطة.. لذلك لا بد أن تكمل المعركة.. من أي مكان في العالم.. مهما كان الثمن.. لأنك لن تعود قادرا على العيش في أمان بعد اليوم !

وإذا أصبحت مهددا في البلد الذي يستضيفك اليوم.. فنصيحتي إليك أن لا تتجه شرقا، ولا غربا، ولا جنوبا بالطبع.. بل اتجه شمالا.. صحيح أن الجو بارد.. ولكن ستكون في أمان.

لقد أدخلت رأسك في عش الدبابير.. ولا بد أن تقضي عليها.. وإلا ستقضي عليك !

إما أنت.. وإما هم.. بمعنى أدق.. إما الوطن.. وإما العصابة !

كلمة أخيرة..

قد تتساءل لماذا أدعوك (صديقي)؟

والإجابة بسيطة.. لأنك أصبحت معنا على المركب ذاته.. أهلا بك..

يرعاك ويرعانا الله حتى نعود إلى وطننا مرة آخرى !

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21