ماذا سيحدث في وطننا العربي؟

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 1-9-2019 م

تظاهرات في الجزائر... لا تيأس ولا تكل ولا تملّ.. لعشرات الأسابيع.

تظاهرات في السودان.. خلعت البشير، ثم خلعت من خلفه في الحكم بعد يوم ونصف.. ثم حلّت المجلس العسكري رغم أنفه، ونتج عن ذلك المجلس السيادي (بغض النظر عن رأينا فيه)!

حفتر هزائمه تتوالى في ليبيا.. ولولا إصرار داعميه على المستحيل.. لكانت ليبيا اليوم قد بدأت مرحلة جديدة.. فليضيعوا مزيدا من الوقت.

الحوثيون وصلت صواريخهم إلى الدمام، وقبل أن تصل طائراتهم المسيّرة إلى برج خليفة في دبي عقدت الإمارات صفقة ما لكي تنقذ نفسها  وتكف شر الصواريخ عن أبراجها الزجاجية.. وتتخلى عن توأم الشر السعودي.

ما يسمى بالتحالف العربي تفتت، والسعودية تدعم الحكومة الشرعية في تحركاتها على الأرض، أو في مجلس الأمن.. وبالتالي.. تتحرر عدن في يوم، ثم تحتل في يوم.. في النهاية الفشل عنوان واضح حتى لو لم تكتبه الصحف في صفحاتها الأولى.

تظاهرات (أسبوعية) في غزة على الحدود مع الأراضي المحتلة.. وخيار المقاومة برغم كل ما فعل فيه.. ما يزال على قيد الحياة.

كل هذه الأحداث تجري في العالم العربي، في الوقت نفسه، ولا تكاد تترك للمواطن – أو حتى للمهتمين بالشأن العام – فرصة متابعة الأحداث بشكل شامل.. ثم يأتي من يحاول إقناعك بأن الربيع العربي قد غطاه الجليد إلى الأبد !

*       *       *

التغيير في الوطن العربي حتمي، تغيير إقليمي ستكون الاستثناءات فيه قليلة، وحدوث هذا التغيير مسألة وقت لا أكثر، وهي سنة الله في الحياة.

قلنا ذلك مئات المرات في سنوات ما قبل الربيع، وقلنا ذلك في سنوات ازدهار الربيع، وقلناه وما زلنا نقوله في سنوات ما بعد الانقلابات العسكرية.

الدول تصمد سنوات وسنوات، ولكنها – في نهاية الأمر – تنهار حين تخالف سنن الوجود، شأنها شأن أي كائن حي، يعيش عمرا طال أو قصر.. ثم يموت !

الدول العربية عاشت عمرها، ثم تعايشت مع أمراضها زمنا، بعدها عاشت في غرفة الإنعاش، ثم دخلت مرحلة الحياة بأجهزة التنفس الصناعي، ثم وصلت مرحلة (الكوما)، ثم ما لبثت أن ماتت سريريا، والمرحلة القادمة لن تكون إلا إعلان الوفاة، أو تعفن الجثة !

*       *       *

بديل الأنظمة العربية لا بد أن يكون من جيل الشباب، ولا بد أن يتصف هذا البديل الشبابي بصفتين رئيستين :

الأولى: أنه بديل ديمقراطي

شعاره في الحياة الحرية، وهدفه في العمل التغيير، ووسيلته لذلك الطرق السلمية، وغايته أن يختار الناس من يحكمهم، وكيف يحكمهم، وأن يصبح من حقهم مراقبته، ومحاسبته، وإن شاءوا معاقبته !

إنه بديل ديمقراطي يؤمن أن أساس الديمقراطية هو التراكم، وأن الأخطاء يتم تصحيحها بالتجربة، وأن استخدام أي وسائل عنف من أي طرف من أطراف المعادلة الديمقراطية وخصوصا الدولة.. لن ينتج عنه إلا إعاقة تطور التجربة، وتدخل القوى العظمى، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وذلك لن يخدم إلا أعداء الوطن، ولن يضر إلا أجيال المستقبل.

*       *       *

الصفة الثانية: الوطنية

فهذا البديل الشبابي الذي سيخلف أنظمة الاستبداد لن يكون بديلا أيديولوجيا مبنيا على تصنيفات اليسار أو اليمين !

يظن البعض أن الوطن العربي اليوم في مرحلة ما بعد الأيديولوجيا، والحقيقة أنه في مرحلة ما قبل الأيديولوجيا !

قد يكون بعض الناشطين السياسيين قد وصلوا إلى مرحلة (ما بعد الأيديولوجيا)، ولكن غالبية الشعوب العربية ما زالت في مرحلة (ما قبل) !

الوطن العربي اليوم لا يملك رفاهية "التأدلج"، بل لا بد أن يتفق الناس على أساسيات الحياة الإنسانية، وبعد أن تتحقق سيكون من حقهم أن يتشيعوا شيعا، وأن يتحزبوا أحزابا، أما أن يتفرق الناس في أوطان فيها كل هذا الفقر والجوع والجهل والمرض والتبعية.. فهو عبث لا ينتج عنه إلا مزيد من الاستبداد !ٍ

لقد أصبحت اللعبة محفوظة مكررة.. إذا رأى الحاكم العربي المستبد شعبه يتجمع ضده بسبب مظالمه التي تطالهم جميعهم.. بدأ بتقريب بعضهم وإقصاء آخرين، فينقسم الناس إلى صالحين وطالحين، وتصبح المعركة بينهم وبين بعض، بعد أن كانت بينهم جميعا وبين حاكمهم الظالم.

إذا انقسم الناس.. سيبتكرون طرق الفشل، وليس على الحاكم سوى أن يستمر في اللعبة، فيوغر صدور أولئك على أولئك، ويخوف هؤلاء من هؤلاء، وهو يجلس في قصره مطمئنا، يخطط لتوريث عرشه لابنه (حتى لو كانت دولة جمهورية)، يأمر المنهدسين بإنشاء القصر رقم ألف، ويهب المناقصات الحكومية بالأمر المباشر لمن شاء من عباده، ويسجن من يشاء، ويعدم من يشاء، بيده الخير كله !

*       *       *

اليأس قد بلغ بالبعض درجة كبيرة، ولكن النظرة المحايدة للأحداث تقول إن التغيير قادم، هذه النظرة لا بد أن تشمل رقعة الوطن العربي كله من ناحية المكان، ولا بد كذلك أن تعطي فرصة للتغيير من ناحية الزمان.

بغير ذلك... سنحبس أنفسنا في واقع ضيق زمنيا، ومحاصر مكانيا.. فلا نحن أعطينا أنفسنا بحبوحة الجغرافيا، ولا رحمنا أحلامنا ببحبوحة التاريخ !

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21