هل نتعلم؟

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 28-7-2019 م

رحل الرئيس التونسي "الباجي قايد السبسي" في الخامس والعشرين من يوليو، وحزنت تونس عليه حزنا كبيرا، عرفانا بدوره في التحول الديمقراطي في تونس، فلولاه لدخلت تونس في منعطفات كانت ستؤدي غالبا إلى استيلاء حلف الثورة المضادة (بن زايد – بن سلمان) عليها، ولكان على رأس البلاد اليوم "سيسي" أو "حفتر" أو ما شابه ذلك.

ولو حدث ذلك لكان هناك ملايين المتضررين في تونس وما حولها، كما أن انهيار التجربة التونسية (درة الربيع العربي) كان ليؤدي إلى مزيد من الانهيارات في سائر الدول التي مستها نسائم ذاك الربيع المغدور.

الغريب أن وفاة الرجل فجرت عاصفة من التعليقات من أنصار التيار الإسلامي (وأغلبهم من غير التونسيين) علقت في اتجاه آخر، اتجاه ذمّ الرجل، والشماتة في موته، والهجوم على من يترحم عليه، بسبب بعض مواقفه التي تعارض أحكام الشريعة الإسلامية معارضة واضحة (وكأن الترحم على أحد يعني الإيمان بكل ما يؤمن به).

العرفان بدور السبسي في الحفاظ على تونس، وعلى دوره في إنجاح التجربة لم يعجب الكثيرين، فبعض المعلقين حاول أن يثبت أن سبب الحفاظ على تونس كان وعي التيار الإسلامي، وهذا صحيح، وهو أمر لا يتناقض مع ما قلناه، فوجود السبسي مع تيار إسلامي ناضج، مع شعب يحمي التجربة، مع مجتمع مدني واع... كل ذلك أدى في النهاية إلى تجربة تحول ديمقراطي ناجحة.

لا أعتبر هذه المقالة ردا على حوارات دارت تعليقا وفاة الرئيس السبسي، بل هي محاولة لفهم ذهنية السادة المعلقين (ولهم كل الاحترام)، وفهم كيف يمكن أن نتعامل مع خلافاتنا لكي نصل إلى حالة من التوحد تؤدي إلى اصطفاف يهزم الثورة المضادة، ويسقط حكم العسكر بالتدريج، ولكن بثقة.

*       *       *

حين نتحدث عن التيار الإسلامي فلا شك أننا سنتحدث عن الإخوان المسلمين، تلك الجماعة التي استطاعت أن تخلق (الصحوة الإسلامية) المعاصرة، كما يسميها فلاسفة الإسلاميين الكبار، ولهم كل الاحترام.

لقد كانت جماعة الإخوان المسلمين في تأسيسها على يد مرشدها الأول جماعة منفتحة على المجتمع، يصف حسن البنا جماعته بأنها (دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية) !

تصورات المؤسس عن الجماعة لم تكن بالانغلاق الذي أصبح عليه التنظيم (من ناحية الأفكار، والقيادات، والتطبيق) بعد عقد السبعينيات من القرن العشرين.

فتلك "السلفية" في نظر حسن البنا، لم تكن سلفية "داعشية" كما كانت في نظر محمد بن عبدالوهاب الذي بارك قتل الآلاف أثناء "فتوحات" سعود في الجزيرة، سلفية البنا تحتمل الخلاف العقائدي مع الشيعة مثلا، ولذلك شارك البنا في تأسيس دار التقريب بين المذاهب مع علماء أزهريين، وهم في ذلك سلفيون على طريقة "رشيد رضا" العالم الراسخ في العلم، الفاهم لعصره الحديث، لا على طريقة البدوي النجدي الذي يبرر جرائمه بأفعال السلف، والسلف منه براء، من أجل إقامة دولة رجعية له فيها (سطوة) المرجعية الفكرية المطلقة.

بعد ذلك مرت السنون، واضطر كثير من قيادات وأفراد الإخوان إلى ترك مصر، وكانت المملكة السعودية وجهة أساسية للهجرة، وتأثرت مع الوقت سلفية (رشيد رضا) المنفتحة المتحضرة، بتلك السلفية الداعشية النجدية المتأثرة ببيئتها المعزولة، البعيدة عن كل أشكال التحضر !

إن من أكثر ما أفسد حياتنا اليوم هو التيار السلفي (النجدي، الداعشي، البدوي، سمه ما شئت) بقراءته المنغلقة للنصوص المقدسة، ومفاهيمه الرجعية التي ليست من الإسلام، هذا التيار وتلك الأفكار أفسدت "الصحوة الإسلامية"، والإخوان المسلمين، وأفسدت فهم غالبية الشعوب الإسلامية لدينها الحنيف، فتغيرت نظرتنا للفن، وللمرأة، وللدولة، وللمختلفين معنا في الدين أو الفكر، وأصبحت الحياة رأيا واحدا في كل المواضيع، والخروج عن هذا الرأي غير مقبول.

هذا التيار السلفي بفهمه المتعصب الرجعي للدين، وظفته الدول الاستعمارية، واستغلته أجهزة الأمن، وانتشر بمليارات آل سعود بدعم استمر عشرات السنين، هذا التيار هو سبب من أهم الأسباب الكبرى في أزماتنا اليوم.

*       *       *

مما يظهر حقيقة الفارق بين سلفية "رشيد رضا" والسلفية الداعشية النجدية.. حين ذكر "البنا" تعبير (حقيقة صوفية) في تعريفه للجماعة كان متصالحا مع فكرة التصوف في أساسها النقي الخالي من البدع والخرافات، بعكس سلفية "نجد" التي تتحسس سيفها لمجرد ذكر لفظ التصوف، ومع الوقت أصبحت كلمة مرادفة للكفر، أو الفسق والابتداع على أقل تقدير.

إن التصوف المذكور في أدبيات مؤسس الإخوان ليس تصوف الجماعات الوظيفية التي تخدّر الناس بعالم الغيب، تلك الجماعات التي تستخدمها أجهزة الأمن اليوم لأغراض سياسية لا تخفى على أحد، وليست الحركات الباطنية المشبوهة في التاريخ الإسلامي، بل إن النموذج الحاضر في ذهن المؤسس هو نموذج (الحركة السنوسية) في ليبيا وما يشبهها، تلك الحركة التي كان (عمر المختار) على عظمته مجرد ابن من أبنائها !

أو الحركات الصوفية التي نشرت الإسلام في ربوع إفريقيا، وآسيا فدخل الملايين في دين الله أفواجا بسبب سلوك هؤلاء المتصوفين (كان أغلبهم تجارا يمارسون التجارة).

يقول الباحث الراحل حسام تمام : "هكذا بدت جماعة الإخوان في سنوات التأسيس الأولى وريثة للسلفية الإصلاحية التي كان الشيخ رشيد رضا أبرز رموزها قبل تلك الفترة، لكنها سلفية جامعة وتجميعية تقع في أقصى مناطق المرونة، سلفية أنتجت الرعيل الأول من شيوخ الإخوان ودعاتهم ومحدثيهم، مثل يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي، والتي خرج من أفقها أمثال عبدالحليم أبو شقة الذي كتب عن "تحرير المرأة في عصر الرسالة"، وجمال الدين عطية صاحب مجلة "المسلم المعاصر" التي قادت حركة الاجتهاد الإسلامي زمنا، بل وفتحي عثمان صاحب أطروحة اليسار الإسلامي !" (راجع كتاب الباحث الراحل حسام تمام رحمه الله "الإخوان المسلمون سنوات ما قبل الثورة" ط دار الشروق ص 103

*       *       *

هناك خلل آخر في جماعة الإخوان المسلمين – وما تلاها أو شابهها من جماعات الإسلام السياسي – وهو فكرة الجماعة نفسها (دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية) !

هذا الاحتواء الكامل يفسد كل شيء، فهو يفسد الفكر، والعقيدة، والسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والرياضة، والعلاقات الاجتماعية، وجميع الروابط الإنسانية التي تحاول الجماعة مصادرتها من المنتمين لها لصالح التنظيم، فيصبح التنظيم هو أساس الحياة، وبوتقة الوجود، وهذا لعمري تضييق لواسع، تبينت أضراره فيما بعد، فهذا الأمر يؤثر على كينونة الإنسان من حيث هو إنسان، فيتحول من كائن حر مخيّر، إلى خلية في جسد تنظيم ضخم، لا يتحرك ولا يتفاعل إلا من خلاله ومن أجله وبتوجيهه وإشرافه !

إن شمول الإسلام دفع كثيرا من الإسلاميين إلى محاولة أسلمة كل شيء، والأخطر أن هناك خلطا بين شمول الإسلام (وهو حق)، وبين شمول التنظيم (وهو تكلف باطل)، وقد ثبت بالتجربة أن في الأمر مبالغات كانت أضرارها على الإسلام عظيمة عظيمة، نراها في ظواهر ما كنا نتخيل أن تستشري بين أبنائنا، ونراها كذلك في واقع اجتماعي سياسي فوق احتمال جميع النظريات، وفوق قدرة جميع التنظيمات.

إن ما تفعله الجماعات في هذا الأمر يشبه إلى حد كبير ما تفعله دولة الاستبداد، فهي تصادر قدرات الأمة وشبكاتها ونظمها الاجتماعية، لصالح المؤسسات الخاضعة للدولة (فكريا، وبيروقراطيا، وأمنيا.. الخ)، فترى منظومة عظيمة مثل منظومة الأوقاف الإسلامية، مجرد "وزارة" تافهة، قائمة على الفساد والإفساد، يتحكم فيها مجموعة من ضباط المخابرات، ومشايخ السوء، وموظفون "يأكلون مال النبي" كما يقول المثل !

ولا فرق بين أن تصادر إمكانات الأمة لصالح مؤسسات الدولة، أو لصالح تنظيم مغلق !

في نقاش محتدم في إحدى الندوات، طرحت هذا السؤال المتعلق بأضرار وجود هذه التنظيمات التي تصادر انتماءات الفرد، بدء من عقيدته، وانتهاء بالمكان الذي يمارس فيه كرة القدم، بل وصولا إلى النادي الذي يشجعه، فطرح بعض أصحاب النوايا الطيبة ضرورة أن يتصدى فقهاء المقاصد الشرعية لهذا السؤال: (هل يجوز إنشاء جماعة تصادر كيان الإنسان بهذا الشكل؟ وإذا نشأت جماعة بهذا الشكل... هل يجوز الانتماء لها؟) !

والحقيقة إن طرح السؤال على الفقهاء قد يكون وقوعا في الفخ ذاته الذي نحاول الهروب منه، فهذا الموضوع قد تكون إجابته عند علماء السياسة والاجتماع، وعند رجالات الدولة، وعند دارسي الظواهر الاجتماعية، ورأي الفقه فيه ربما يكون مجرد تابع لما تسفر عنه الدراسات الاجتماعية التي تثبت الضرر من عدمه، بل لا أبالغ إذا قلت إن رأي الفقه في هذا الأمر ربما يكون شبيها برأي الفقه في حكم التدخين.

هل يمكن أن يكون الوصول لنتيجة في مثل هذا الموضوع (دون توريط الفقهاء) ممارسة نبدأ بها لنتعلم عمليا كيف ومتى يتحدث الفقيه؟ وكيف ومتى يتحدث علماء في تخصصات أخرى؟

ليست لديّ إجابة قطعية... ولكني أقول قطعا أنني لا أقصد تقليلا من شأن الفقه أو الفقهاء، بل أقصد العكس، أقصد التبجيل والحفظ لهم وللدين من آثام وأوزار ما كان لنا أن نلوثهم ونلوثه بها !

*       *       *

لقد فسدت الصحوة الإسلامية بأفكار تنسب للسلف زورا وبهتانا، وفسدت التنظيمات الإسلامية بمحاولتها مصادرة الحياة كلها ووضعها داخل التنظيم !

في الختام... سيحاول كثير من المعلقين على هذا المقالة – كالعادة – إلصاق وصف أو "تهمة" العلمانية بكاتب المقالة، والحقيقة أن هذا الوصف لا أحبه، ولا أحب معكوسه أيضا، ولست حريصا على نفي أحدهما أو إثباته، فنحن في أوطان لا قيمة فيها للمصطلحات، فتخلط بين الثورة والانقلاب، وبين الغاية والوسيلة، وبين ثوابت الدين ومتغيرات العصر، وبين الترحم على سياسي حسن ختامه بمقاييس الدنيا، وبين التأله على الله والجزم بدخوله الجنة أو النار !

بقي لي أن أنبه على أن غالبية أفكار هذا المقال ليس للكاتب فيها فضل يذكر، بل هي ترديد لأفكار علماء ومفكرين إسلاميين ثقات تتلمذ على أيديهم الملايين، ولا أبالغ إذا قلت أن ليس لي في هذا المقال إلا الصياغة والألفاظ...

والله من وراء القصد

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21