الصامدون خلف الأسوار

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 14-7-2019 م

 

كم عدد المعتقلين في سجون "سيسي"؟

لا أحد يدرك بالضبط، فالمعلومات شحيحة، والتقديرات تتفاوت، تبدأ من ثلاثين ألفا، وتصل إلى أكثر من مائة ألف في تقدير البعض.

المتفائلون لا يُعرف سبب تقديراتهم المنخفضة، ولكن بالنسبة للذين يرون الرقم يدور حول مائة ألف معتقل، فإن السبب واضح، السجون ممتلئة عن آخرها، وقد زادت هذه السجون أكثر من عشرين سجنا منذ انقلاب الثالث من يوليو 2013م، بعضها سجون ضخمة، وجميع هذه السجون – بلا استثناء – تشكو ازدحاما كثيفا، يفتك بمن فيها من المعتقلين، كما أن هناك مراكز احتجاز أخرى (أي السجون الحربية، ومعسكرات الأمن المركزي، وأقسام الشرطة، ومديريات الأمن، والسجون السرية)، كل هذه المراكز ما زالت ممتلئة حسب العديد من المصادر، فكيف يمكن أن نعتبر العدد قد انخفض؟ خصوصا أن كل قوائم العفو ما زال يقابلها حملات اعتقال ضخمة في كل مناسبة سياسية تمرّ.

بل إننا من الممكن أن نعتبر أن هناك معتقلين من نوع جديد يرفعون عدد المعتقلين أكثر من الرقم الأكبر (أعني المائة ألف معتقل)، إنهم هؤلاء الذين يفرج عنهم بإجراءات احترازية، وهم ألوف مؤلفة، فهؤلاء في برزخ بين الزنزانة والبيت، لا هم مساجين، ولاهم أحرار، فهُمْ مساجين أكثر منهم أحرار، وبعضهم بسبب ممارسات الشرطة تتحول حياته إلى جحيم أشد من السجن !

*       *       *

ماذا فعلنا من أجل هؤلاء الصامدين خلف الأسوار؟

لقد فعل الكثيرون الكثير، ولكن تظل المسألة تتأثر بأمرين، أولهما الاستقطاب الأيديولوجي، وثانيهما الوضع السياسي.

أما الاستقطاب الأيديولوجي فستجد أن غالبية العاملين في الحقل الحقوقي ما زالوا يعملون طبقا لأيديولوجياتهم، فالليبراليون يترافعون عن الليبراليين، والإسلاميون يدافعون عن الإسلاميين، واليساريون منظماتهم للمنتمين لليسار، وهكذا... تجد الاتجاه السياسي للمنظمة أو للحقوقي ينعكس بشكل مباشر على نوعية المتهمين الذين يدافع عنهم (هناك استثناءات بالطبع، ولكنها محدودة).

وكل ما فعلناه (حقوقيا) يعتبر شيئا قليلا مقارنة بما ينبغي أن نقوم به لكي ننصف عشرات الآلاف من المعتقلين في السجون.

إن قضية المعتقلين تعتبر الجامع الأكبر بين جميع المصريين، ورغم ذلك ما زالت تخضع لمنطق الاستقطاب السياسي بشكل أو بآخر، والنظام حريص على أن يبقى الوضع على هذا الشكل، لذلك تجد أي محام أو حقوقي يحاول أن يكسر هذا الاستقطاب محل انتقام من النظام.

*       *       *

أما الوضع السياسي.. فلا جديد فيه، والمعتقلون يعانون بسبب اتهامات سياسية، وكل العمل الحقوقي أثره ضعيف ما دام قرار أهل الحكم هو التنكيل بالمعتقلين.
إن العمل الحقوقي لن يتمكن من تغيير المعادلة، وستظل مصر أرض السجون، وبلد المعتقلات، ووطن القضاء المحكوم بإرادة الأجهزة الأمنية، والإعلام المسيّر بأجهزة سامسونج.

إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يغير المعادلة في مصر، هو أن يتغير نظام الحكم فيها، وأن يتحول الحاكم من بلطجي قاتل، إلى مسؤول منتخب، يحاسب كل عدة سنوات، يحترم القانون، ويخاف من الحساب والعقاب إذا تجاوزه، وكل ما سوى ذلك ليس أكثر من مسكنات، أو "مخدرات" !

*       *       *

كيف يمكن أن يتغير الوضع السياسي في مصر؟

لن يتغير حالنا ما دام أهل الحق مختلفين رغم ما يجمعهم، وما دام أهل الباطل صفا واحدا في باطلهم رغم أن قلوبهم شتى !

إن المشترك الوطني بين التيارات السياسية المصرية أكبر مما يتخيل هؤلاء الذين يظنون أنهم يُعبّرون عنها، أو يضعون أنفسهم في موضع القيادة التاريخية منها، وشباب هذه التيارات في انتظار اللحظة التي تجمعهم في عمل مشترك من أجل تحرير مصر.

لا حل إلا أن يواجه الجميع التحدي الكبير، وأن يتعاون الجميع لتغيير الوضع الحالي في مصر، ذلك الوضع الذي لا ينتفع به أي تيار من التيارات، بل يطحن تحت سنابكه الجميع، والأهم من ذلك أنه يمثل تهديدا وجوديا على مصر، ويضع الشعب في أسفل دركات الفقر والذل.

*       *       *

تعليق مؤلم على خبر مؤسف :

من المؤسف أن تُقدِمَ دولة الكويت (التي طالما تعودنا منها الخير والعطاء) على اعتقال مواطنين مصريين (أيا كان عددهم) بتهم يعلم الجميع أنها تهم سياسية لا أساس لها، وبأحكام غيابية من محاكم مصرية استثنائية لا حجية لها.

إن منطوق بيان وزارة الداخلية الكويتية ورد فيه أن المتهمين اختبأوا، وتواروا في الكويت.. والحقيقة أنهم قد دخلوها بشكل شرعي، وأقاموا فيها لسنوات بشكل شرعي، وبعلم مؤسسات الدولة كلها !

هل القبض على هؤلاء الأبرياء سيكون تمهيدا لترحيلهم إلى القاهرة، لكي يتعرضوا لأقسى أنواع التعذيب، ولأقصى المحاكمات هزلية في التاريخ الحديث؟

نربأ بالكويت أن تشارك في ذلك، وننصح كل الدول العربية وكل دول العالم أن تبتعد عن حقل الألغام ذاك، الكل يعلم حقيقة الصراع في مصر، والحياد أفضل للجميع !

إن حيثيات تسليم هؤلاء الأبرياء تدل على مشكلة كبيرة في مفهوم منح الأمان للإنسان، ذلك المفهوم العربي الأصيل، ذلك الخُلُقُ الذي التزمت به الكويت عقودا طويلة، ولم نعهد منها إلا أن تلتزم به (حكومة وشعبا).

لقد صدّقت دولة الكويت على معاهدة مناهضة التعذيب سنة 1996م، وهي تحظر طرد أي شخص أو إعادته أو تسليمه إلى دولة أخرى، اذا توافرت أسباب حقيقة تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب.

إن أقصى ما يمكن أن تفعله أي دولة لا تستطيع تحمل تكلفة بقاء أشخاص كهؤلاء على أرضها، هو أن تطلب منهم مغادرة البلاد إلى المكان الذي يختارونه، بعد منحهم الوقت الكافي للمغادرة.

إنه عمل مستغرب من دولة كريمة، تاريخها يفيض بالخير والعطاء، وكلي ثقة أن شرفاء الكويت – وهم كثر – سيتدخلون لمنع هذا العمل، ولوقف هذا الأمر الذي قد يلطخ يد الكويت الكريمة التي طالما آوت، وأعطت، وأغدقت على المظلومين والمحتاجين في كل مكان في العالم.

والله من وراء القصد..

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21