في مديح المصريين

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 7-7-2019 م

من أسهل الخطايا التي يرتكبها المصريون شتيمة المصريين !

أعني استسهال سب الشعب المصري، الانتقاص من الأمة المصرية، وصم الشعب كله بشكل عنصري بصفات سلبية يشعر المرء معها بالعار !

يشترك في ذلك معارضو النظام ومؤيدوه، الأغنياء والفقراء، الرجال والنساء، إن غالبية الشعب المصري – للأسف الشديد – لا ترى بأسا في إهانة الشعب المصري (الشعب الحالي، والشعب الذي عاش في هذه البقعة على مدار العصور الممتدة).

والغريب أن هؤلاء الذين يسبّون هذا الشعب يغضبون كل الغضب إذا قيل الكلام نفسه على لسان شخص غير مصري، بل يغضبون لمجرد انتقاد أي طاغية من طغاة مصر من قبل أي شخص غير مصري (حتى لو كان متضررا من تلك التصرفات) !

*       *       *

هذا "الهجاء" المجاني السطحي يعتمد في أساسه على فكرة القابلية للذل والاستعباد، تلك الفكرة التي روّج لها البعض بلا دليل علمي حقيقي.

البعض يعتبر أن المصريين قبلوا أن يكونوا عبيد الحاكم منذ آلاف السنين، لقد خضعوا للفراعنة وإذلالهم منذ عصور ما قبل التاريخ، أي أن دليل القابلية للذل هو وجود دولة حاكمة في هذه البقعة من الأرض، وبالتالي وصلت درجة السطحية في الاستدلال حدّ أن وجود الدولة مرادف للاستعباد، بينما العكس هو الصحيح، فوجود الدولة في مصر منذ آلاف السنين يدل على تقدم الإنسان في تلك البقعة من الكوكب – شريطة أن تكون المقارنة بمن يعيش في ذلك العصر –، ولكن البعض يحاول مقارنة الأوضاع السياسية في دولة ما قبل التاريخ بالأوضاع السياسية الموجودة في أواخر القرن العشرين، أو أوائل القرن الواحد والعشرين، فتصل درجة السذاجة في الاستدلال حدّ أن المتفذلكين يرون أن الدولة المصرية في عصور ما قبل التاريخ لم يكن فيها برلمانات، إذن ... فالشعب مجرد قطعان عبيد !

كان أولى بهؤلاء أن يقارنوا حالة الإنسان في مصر بحالة الإنسان في بقاع أخرى في العالم في الفترة نفسها، ولكن الغرض مرض.

*       *       *

في العصر الحديث ترى المقارنات السخيفة، والقياسات الفاسدة، فالبعض يقول إن الشعب المصري يستحق "سيسي" وحكم العسكر، ولو كان شعبا أبيا لفعل كما فعل الشعب التركي في مقاومته لانقلاب الخامس عشر من يوليو 2016.

لا شك أن الشعب التركي ضرب مثلا عظيما في مقاومة الاستبداد في تلك الليلة وما يليها، وما زال يضرب أمثلة حتى اليوم، ولكن الإنصاف يقتضي أن نُذكِّرَ الجميع أن الشعب المصري قدّم تضحيات كبيرة عظيمة لا تقل عن تضحيات الشعب التركي، تضحيات بلغت آلاف الشهداء، ومئات الآلاف من المعتقلين والمطاردين والمنفيين !

إن الفارق الأساسي كان في وجود القيادة السياسية الحكيمة التي استعدت لهذا الانقلاب وتوقعت هذا السيناريو الأسود منذ سنوات، وبين الذين ظنوا أن التحالف مع العسكر سيحميهم من الانقلابات، أو بين من ظنوا أن السكوت أمام انتهاكات حقوق الإنسان ضد الإسلاميين لن يطالهم.

قد يقول قائل (ولكن الشعب التركي وجميع نخبه السياسية والفنية رفضت انقلاب 2016، بعكس ملايين المصريين الذين أيدوا انقلاب 2013).

والحقيقة إن الأمر لا يخلو من مغالطة، فصحيح أن الشعب التركي قد رفض هذا الانقلاب، ولكن لا بد أن نتذكر أن الشعب التركي قد أعطى حاضنة شعبية لعدة انقلابات دموية قبل ذلك... منذ الانقلاب الأول في 1960 ضد الشهيد "عدنان مندريس"، وصولا إلى الانقلاب الأبيض في 1997 ضد الزعيم "أربكان"، أي أن الشعب تعلم، ونتيجة ذلك جاء هذا الموقف التاريخي بعد عدة انقلابات، وبعد عشرات السنين من ممارسة الديمقراطية.

وبالتالي... لا يمكن لوم الشعب المصري جملة على تأييد ما حدث في الثالث من يوليو 2013، خصوصا أن هذا التأييد كان ظرفا تاريخيا محدودا، ولم يستمر، بل إن هذا التأييد قد انقلب رفضا ومقاومة شرسة، نتج عنها عشرات المجازر، ومئات الآلاف من المساجين، واضطر النظام إلى بناء عشرات السجون، وشراء معدات وأسلحة بعشرات المليارات... إذا كان الشعب خانعا خنوع العبيد كما يزعم هؤلاء... فلماذا نرى النظام يرتعش من كل جملة تكتب على الفيس بوك؟ ويطارد كل من يفكر في المقاومة؟ ويضرب كأنه في معركته الأخيرة؟

(يقول البعض إن المقاومة كانت من فصيل معين، والحقيقة أن هذا الأمر أولا كذب، وثانيا حتى إذا سلمنا جدلا بذلك.. فهذا الفصيل جزء أصيل من الشعب المصري).

*       *       *

يقارن البعض كذلك بين ما فعله الشعب المصري في عام 1977 بعد أن رفع السادات أسعار الخبز وبعض المواد الأساسية بشكل طفيف، وبين الشعب المصري الذي لا يقاوم برغم تضاعف أسعار كل شيء بشكل مستمر وعلى مدار ست سنوات مذ كشّر حكم العسكر عن أنيابه.

والحقيقة أن الشعب لا يمكن لومه... لقد ثار هذا الشعب في يناير 2011م، ودفع أثمانا باهظة للتغيير، ودعم هذا الشعبُ المنادين بالتغيير عن طريق نزول الميادين في عشرات المليونيات (قبل وبعد الانقلاب)، وانتخب السياسيين الثوريين في جميع الاستحقاقات الانتخابية، وأسقط الفلول برغم عدم وجود قانون للعزل، لقد عزلهم الناس عزلا يكاد يكون كاملا.

اليوم... وبعد أن تفرقت المعارضة، وبعد أن قبلت النخب بالتعايش مع حالة الاستقطاب الساذجة التي تحكم العلاقات اليوم، نجد بعض الأذكياء يلومون الشعب !

لو وجد الشعب قيادة سياسية شبه موحدة، تقدم حلا شبه واضح، وطريقا للمستقبل شبه مُعَبّد، لسار خفلها... تماما كما حدث في عام 2011 !

أنلوم الشعب لأنه لا يجد من يسير خلفه؟ ولا يعرف أين الطريق وسط هذا الضباب؟

فلنلق حبلا للشعب الواقع في البئر... بدلا من سبه ووصمه بأنه لا يريد الخروج من ظلماته، وأنه استعذب العيش في العطن !

*       *       *

سيحاول البعض أن يفند هذا الكلام... وستبقى الحقيقة واضحة جلية، هذا الشعب يتوق للحرية، ودفع ثمنا باهظا من أجل الحصول عليها، ولكنه لم يجد من يضع طاقاته في الطريق الصحيح الذي يؤدي إلى النتائج المرجوة، لقد خَذَلْنا هذا الشعب، وبدلا من تحمل مسؤولية هذا الخذلان، وجدنا الحل الأسهل هو أن نسُبّهُ، والإنصاف يقتضي أن نلوم أنفسنا، أو أن نسبّ أنفسنا !

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21