شرعية الشهادة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 23-6-2019 م

صَوَّتُّ في الانتخابات الرئاسية عام 2012 (في جولة الإعادة أعني) للرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي رحمه الله، ولو عاد بي الزمن ألف مرة ووضعت في هذا الموقف لما اخترت إلا أن أصوت له، لن أقاطع، ولن أصوت لخصمه بالطبع.

يقول البعض إن الشهيد محمد مرسي اغتيل في يوم فوزه بالانتخابات، في 17 يونيو 2019، والحقيقة أن ذلك غير دقيق، فقد كان من المفترض أن تعلن اللجنة العليا للانتخابات النتيجة في الحادي والعشرين من عام 2012، ولكنها أعلنت في ليل يوم 20 يونيو تأجيل إعلان النتائج لأجل غير مسمى، بسبب كثرة الطعون التي لم يفصل فيها بعد.

كنت أعُدّ الأيام لكي يأتي شمس يوم (21 يونيو 2012)، والغريب أن هذا الصباح قد جائني بخبر وفاة أمي رحمها الله.

تحركت إلى مطار القاهرة متوجها إلى الدوحة حيث ستوارى أمي رحمها الله الثرى.

في المطار جائتني مكالمتان، الأولى من أخي العزيز الدكتور محمد البلتاجي فك الله أسره يدعوني فيها إلى ما عرف بعد ذلك بمؤتمر (فيرمونت)، فاعتذرت له ووعدته أن أنظر في الأمر فور عودتي.

المكالمة الثانية كانت من المرشح الرئاسي (الذي لم يعلن فوزه حتى تلك اللحظة الدكتور محمد مرسي) اتصل معزيا، وبدوري قلت له إنه الفائز إن شاء الله، وقلت له امض لما فيه خير المصريين، وسنكون من خلفك إن شاء الله.

دفنت أمي بصحبة أبي حفظه الله، وإخوتي رعاهم الله، وتلقينا عزاءها.

*       *       *

قفلت عائدا إلى القاهرة في يوم 24 يونيو 2012، وهو اليوم الذي حددته لجنة الانتخابات لإعلان النتائج التي طال انتظارها.

وصلت القاهرة في اليوم نفسه (24 يونيو) وسمعت إعلان نتيجة الانتخابات في صالة الوصول في مطار القاهرة الدولي، والغريب أن المطار انفجر مزغردا بالنتيجة، رغم أن ذلك المطار يعتبر معقلا من معاقل أنصار الفريق شفيق الخصم الشرس في الانتخابات، الخصم الذي كاد يتحول حليفا بفعل خيانات العصابة التي سرقت الوطن حاليا.
لم أتمكن بعد وصولي القاهرة أن أذهب إلى منزلي، جلال اللحظة قادني إلى ميدان التحرير، وهناك رأيت يوما من أيام الله، وفرحة لم أرها من قبل في هذا البلد الذي أفنيت عمرا في اكتشافه.

لقد كانت فرحة مختلفة، وبهجة فريدة، تختلف عن فرحة خلع مبارك، وعن بطولات كرة القدم، وعن الأفراح الشخصية، كانت فرحة إعلان فوز مرسي بالرئاسة إنجازا شخصيا لكل فرد، ممزوجا بروح جماعية لم يتعود عليها المصريون، لقد بدأ المصريون يشعرون بمعنى أنهم (شعب)، وبقدر ما كان في البلاد من استقطاب سياسي، بقدر ما كانت الغالبية من المصريين مستبشرة بالمسار الديمقراطي، وأن كرسي الحكم يجلس عليه الآن رئيس مدني منتخب لكل المصريين، لأول مرة في التاريخ.

*       *       *

بقدر تصرف الرئيس مرسي كرئيس لكل المصريين بقدر ما كانت نجاحاته، وبقدر اقترابه من جماعته وحزبه – أو إظهار الإعلام له بأنه كذلك – بقدر ما كان الفشل يقترب من تجربته (هي تجربتنا جميعا في الواقع).

لقد كانت عملية إفشال مرسي تعتمد على تلك الفكرة، فكرة أنه ليس رئيسا لكل المصريين، بل هو رئيس الإخوان، يعمل لصالح الإسلاميين فقط، ومصالحه تتناقض مع مصالح الشعب، بل إنها تمثل تهديدا للأمن القومي، صحيح أن (الفشل) كان موجودا، ولكن الإنصاف يقتضي أن نتحدث عن (الإفشال) أيضا.

الغريب.. أن أحدا لم ينتبه لجوهر فكرة الإفشال والاستقطاب رغم وضوحها الشديد، وظلت الرسائل تخرج من الدولة العميقة بهذا المعنى بالحق والباطل، والطرف الآخر غير مدرك لخطورة تلك الرسالة، فلا يرد، ولا يراعي في تصرفاته أن يقطع الطريق وأن يسقط الذرائع، بل ظلت ماكينة إعلام الثورة المضادة تجد على الدوام أحداثا يمكن تفسيرها على النحو المراد، وكانت إذا لم تجد... تخترع... ولا تجد من يكشف الأكاذيب.

*       *       *

الثورة المضادة ما زالت تعتمد الأسلوب ذاته حتى اليوم، حتى بعد أن قتلوه جهارا نهارا، يرسلون الرسالة ذاتها، لذلك أمروا بدفنه في مقبرة تخص (جماعته)، إنها محاولة لإلغاء جميع انتماءاته للشعب، وجميع ارتباطاته الإنسانية والاجتماعية، محاولة لقولبة الرجل في قالب واحد... إنه رئيس (الإخوان) !

الغريب أن كثيرا من المنتمين للثورة، ومن أنصار الرئيس الشهيد يتصرفون بطريقة تساعد جهود الثورة المضادة، فيؤكدون على معنى انتمائه للإخوان، بدلا من أن يظهروا الجانب الإنساني العالمي لهذا الرجل.

إن صورة مرسي يمكن أن توضع بين صور "مانديلا"، و"جيفارا"، و"وغاندي"، وجميع رموز الحرية في العالم، فمشهد النهاية وضعه في ذلك الموضع، وحلف الثورة المضادة حريص على تشويه صورته، قبل دفنها.

*       *       *

إذا كنا قد اختلفنا مع الدكتور مرسي في رئاسته، واختلفنا حول إمكانية عودته بعد الانقلاب عليه، فلنتفق عليه شهيدا !

إنها "شرعية الشهادة"... فهل يشكك في تلك الشرعية أحد؟

ليكن أول ما نتفق عليه هو ضرورة تدويل قضية اغتيال الرئيس مرسي !

لم نر في التاريخ شخصا يذبح بالبطيء لمدة ست سنوات، رئيس دولة، يرفع صوته جلسة بعد جلسة قائلا "هناك من يقتلني"، ولا أحد يتحرك، وبعد أن يسقط مغشيا عليه يترك في قفصه دون إسعاف، وكأن من دبر هذا المشهد المسرحي يخشى أن يفسده القدوم المبكر لعربة إسعاف.

إن قتل مرسي قضية مجمع عليها، وهي يمكن أن تشكل كابوسا للعصابة التي تقتلنا جميعا، صداعا أكبر من صداع "خاشقجي"، فلا شك أن اغتيال رئيس دولة، على الهواء مباشرة، لا يقل عن قتل صحفي خلف الجدران.

إن تقاعسنا في هذه القضية سيشجع سياسة قتل السجناء، فلا حصانة لأحد، وسيصبح كل المعتقلين على قائمة انتظار سوداء، وتحركنا سيمنع عنهم بلاء كبير، ويمكن إن تَحَرَّكْنا معا أن نحرز انتصارات – ولو محدودة – ينتفع بها أسرانا في سجون النظام.

*       *       *

إن رسالة استشهاد الدكتور مرسي هي رسالة اصطفاف الشعب من أجل الحرية !

فوالله ما قتلوه إلا لأنه منتخب من الشعب، ووالله ما قتلوه إلا بعد أن ظنوا أنهم قد قتلوا إرادة هذا الشعب (النخب، والجماعات، والأفراد) !

فلنثبت لهم أننا ما زلنا أحياء، ولنتحرك من أجل تدويل قضية (دم الرئيس الشهيد مرسي)، ولعل عملنا سويا في هذه القضية يكون بداية مسار وطني يؤدي إلى تجمعنا مرة أخرى في وجه الظلم والظالمين.

رحم الله الرئيس الشهيد محمد مرسي، وتقبله في الصالحين، لقد رحل عن هذه الدنيا في خير مشهد يرحل فيه مناضل، رحل صامدا، صابرا، لم يتماوت ويتمارض كما فعل المخلوع صاحب الضربة الجوية المزعومة، ولم يقبل أن ينال السلامة بالتنازل عما يراه حقا.

رحم الله الرئيس مرسي... لقد نال شرعية جديدة لا يختلف عليها أحد... شرعية الشهادة !

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21