قمم المملكة

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 2-6-2019 م

أقامت مملكة السعودية عدة قمم خلال الأيام الماضية، قمة خليجية لما كان يعرف باسم مجلس التعاون الخليجي، وقمة لجامعة الدول العربية، وقمة لما يسمى بمنظمة المؤتمر الإسلامي، وقد عقدت جميعها في مكة المكرمة.

قمة منظمة المؤتمر الإسلامي حملت شعار "يدا بيد نحو المستقبل"، وعقدت في ليلة السابع والعشرين من رمضان (ليلة القدر)، وتصدرت القضية الفلسطينية برنامج أعمال القمة، إلى جانب الأزمات والتطورات الجارية في العالم الإسلامي.

كان هدف هذه القمم – حسب إعلان السعودية – أن ترسل رسالة قوة ووحدة إلى إيران، بعد اعتداءات طائرات الحوثي المسيّرة على منشآت نفطية ومطارات داخل السعودية، وعلى بعض الاعتداءات على سفن تجارية في الخليج العربي، تدّعي السعودية أن المسؤول عنها هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

السؤال الآن: هل تجدي هذه القمم في إرسال رسالة القوة والتضامن لإيران؟

*       *       *

أعتقد أن الرسالة التي أرسلت عبر هذه القمم كانت عكسية، فالفرقة بين مكونات هذه المنظمات أوضح من أن توضح !

القمة الخليجية مجرد استعراض للحضور، وأهم ما فيها هو حضور رئيس وزراء قطر، كأول مسؤول قطري تطأ قدماه أرض المملكة منذ بدء الحصار على قطر في يونيو 2017، والعالم كله يعلم أن هذه المنظمة الدولية منقسمة على نفسها، وأن حرب استئصال شعواء كادت أن تندلع بسبب حماقة وأطماع بعض أعضائها.

إذا كان ملك السعودية يعتقد أن جملة مثل "التأكيد على قوة ومنعة وتماسك مجلس التعاون"، والتي وردت في البيان الختامي ستنسي العالم أن قطر محاصرة، فهذا أمر لا معنى له سوى أن هناك حالة "زهايمر سياسي" تعاني منها المملكة ومؤسساتها !

أما جامعة الدول العربية، فلا يمكن لمنظمة أمينها العام السيد أحمد أبو الغيط أن تتحدث عن القدس والعروبة، فالرجل صهيوني من قمة رأسه إلى أخمص قدميه، ويمكن اختصار مسيرته كلها في صورته الشهيرة وهو يقوم بدور "عكاز" للمجرمة "تسيبي ليفني" قبيل إعلان الحرب على غزة في عام 2008، ذلك الإعلان الذي صدر من القاهرة، وبرعاية مصرية من المخلوع مبارك، وبإشراف مباشر من "أبو الغيط".

*       *       *

لا جديد في هذه القمم !

بإمكانك عزيزي القارئ أن تكتب كلمات غالبية الرؤساء الحاضرين لهذه القمم، وبإمكانك أن تتوقع كل ما ورد في البيان الختامي قبل أن يصدر، وبإمكانك أيضا أن تعرف كيف ينظر العالم لهذه المؤسسات، ولهذه الدول، ولهذه البيانات.

لقد بلغت درجة ازدراء منظمة المؤتمر الإسلامي – على سبيل المثال – أن الرئيس الصيني الذي يحتجز ملايين المسلمين الإيجور كرهائن، ويمنعهم من ممارسة الشعائر، ويجبرهم على الإفطار في رمضان، ويجبر المسلمات على الزواج من رجال شيوعيين غير مسلمين، ويحظر مجرد وجود مصحف في أي بيت مسلم، كل ذلك مع إجراءات تطهير عرقي جهارا نهارا ... هذا الرئيس أرسل برقية "تهنئة" للموظف المسمى بالأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي، في يوم 30 مايو 2019 بمناسبة انعقاد هذه القمة، قال فيها :

"بمناسبة افتتاح أعمال القمة الإسلامية لمنظمة التعاون يطيب لي أن أتقدم نيابة عن حكومة الصين وشعبها بالتهاني الحارة لعقد هذه القمة، وإن منظمة التعاون الإسلامي تمثل رمزاً للتضامن بين الدول الإسلامية، وتقدم مساهمات مهمة في تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية منذ تأسيسها قبل 50 عاماً، وهذا محل تقدير". 
وأشاد الرئيس الصيني بالعلاقات التاريخية بين بلاده والدول الإسلامية، وأضاف:" يولي الجانب الصيني اهتماماً بالغاً لعلاقاته الودية مع الدول الإسلامية، ويعتبر منظمة التعاون الإسلامي جسراً مهماً للتعاون بين الصين والعالم الإسلامي، ويحرص على العمل مع الدول الإسلامية يداً بيد على تعزيز الثقة السياسية المتبادلة ودفع التعاون العملي وتكثيف الحوار الحضاري، بما يفتح آفاقاً أرحب للعلاقات الودية بين الصين والعالم الإسلامي، ويساهم في بناء مجتمع المصير المشترك للبشرية".

هذه البرقية وصلت للموظف المذكور، ونشرها موقع المنظمة المزعومة، ولم يتجرأ أحد من كل هذه الدول "الإسلامية" على مجرد ذكر مأساة مسلمي الصين !

لو كان لهذه القمم أي جدوى، ولو كان لهذه الدول المتفرقة أي وزن، لما تجرأ الرئيس الصيني أو غيره على كل هذه الانتهاكات في نفس الوقت الذي يرسل البرقيات مهنأ أصحاب المعالي بعقد قمتهم الرابعة عشرة !

إذا كانت السعودية ترغب في حشد العالم العربي والإسلامي من خلفها فإنني أقول إن الأوان قد فات، فلا يوجد أي رصيد لدى آل سعود اليوم لكي يكونوا ممثلين للخليج العربي، أو للدول العربية، أو للأمة الإسلامية، فهؤلاء لا هم خليجيون، ولا هم عرب، والإسلام بريء منهم.

إنهم أعداء الأمة بكل مكوناتها، يستنزفون مواردها، ويدعمون أعداءها، وهم صهاينة مهما أقاموا من القمم لنصرة فلسطين.

في هذه الأيام المباركة ... لا يمكن لأي شريف في العالم العربي والإسلامي إلا أن يرفع كفيه بالدعاء لله أن يعين الشعوب على التخلص من هذه الأنظمة الظالمة، وأن يلهمها (أعني الشعوب) على إقامة أنظمة وطنية تنصر الإسلام بإقامة العدل !

اللهم آمين ...

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21