مخاطر في مراحل الانتقال

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 5-5-2019 م

تمر الثورات بعد فصل النجاح الأول بمرحلة انتقالية، هذه المرحلة تكون مرحلة تراجع للأنظمة (تراجع تكتيكي في أغلب الأحايين)، ويمكن للشعوب أن تستثمر هذه المرحلة الانتقالية لتحقيق تحول ديمقراطي يضمن عدم عودة النظام القديم، وعدم تحول الثورة إلى حرب أهلية، وعدم وصول الدولة إلى حضيض الفشل الذي يؤدي إلى انهيار المؤسسات، أو إلى انقسام الدولة نفسها.

المراحل الانتقالية لها مخاطر عامة في العالم كله، ولكنها في الوطن العربي تتركز في عدة نقاط أساسية، تحاول هذه المقالة شرحها باختصار أرجو أن يكون غير مخل.

*       *       *

الخطر الأول : خطر الاستقطاب الأيدلوجي

لا يوجد أخطر من هذا الاستقطاب على الثورات العربية !

لقد سقط الحاكم حين وقف الناس صفا واحدا أمامه، ثم انقضّت الأنظمة على من أسقطوا الحكام بعد أن قسمتهم إلى إسلامي وعلماني.

لذلك ... لا يمكن القبول باستئصال تيار سياسي مجتمعي كامل (أي تيار)، بحجة أن جزء من هذا التيار دعم النظام الساقط في وقت ما بشكل ما، ولا يمكن لثورة شعبية أن تنجح وهي تزعم أنها قامت على شكل واحد من الأفكار الأيديولوجية، أو الأقاليم الجغرافية، أو الطبقات الاجتماعية، أو المكونات القبلية، أو المذاهب الطائفية ... الخ، بل لا بد من استيعاب الغالبية العظمى من هذه المكونات السياسية والاجتماعية والدينية، وإذا لم يحدث ذلك، فسوف تنقضّ الثورة المضادة بعد وقت ليس بطويل على الثورة بكل مكوناتها، وستنتصر بسهولة، وستنكل بالجميع بالتدريج، ستبدأ بتيار معين، وبعد ذلك ستذوق المقصلة رقاب الجميع.

لذلك .. طبّق ذلك على ما يحدث في الجزائر والسودان أو أي بلد شئت، وانظر حجم الخطر في كل تجربة بنفسك.

*       *       *

الخطر الثاني : خطر المواجهة الشاملة

وأعني هنا المواجهة الشاملة مع النظام القديم !

النظام القديم – في جميع التجارب العربية – أقلية عددية، ولكنها تملك وسائل التأثير السياسي، ومؤسسات الإنتاج الاقتصادي، ومنابر الإعلام، وعلاقات خارجية متشعبة ... والخ !

هذه الحقائق لا بد من التعامل معها بحكمة، ولا بد من خلق حالة توازن بين محاسبة من أداروا المراحل الماضية، وبين أناس آخرين لا بد أن يفتح لهم أفق لمستقبل جديد (بشروط واضحة لا تتعارض مع دولة القانون).

وإذا لم يحدث هذا التوازن الدقيق، سنكون أمام نتيجة من اثنتين، الأولى : أن نبالغ في التسامح بما يعطي الفرصة للنظام القديم لكي يجدد جلده ويستولي على الحكم وينتقم من الثورة والأمة.

الثانية : أن نبالغ في العقاب والإقصاء بما يوحد أعداءنا في مواجهتنا، ويطيل طريق التحول، أو يجر الأمة لمعركة لا يعرف أحد ما نتيجتها.

ملحوظة : اذا توحد الثوار ولم ينقسموا أيديولوجيا، سيكون من الممكن مواجهة النظام القديم بكفاءة، لأن الشعب سيمنح الفكر الجديد فرصة، وإذا اغتُنمت هذه الفرصة سيتحقق انتصار مرحلي كبير.

بإمكانك أيضا تطبيق هذه الفكرة على الدول العربية التي مرّت أو تمر أو ستمر بثورات شعبية، وانظر النتائج بنفسك !

*       *       *

الخطر الثالث : التدخل الخارجي

وهو أمر لا تكاد تخلو منه دولة عربية، ولا بد من التوازن بين إغلاق باب التدخلات الخارجية، وبين إهدار المصالح المشتركة مع الدول الأخرى، مع ملاحظة أن مواجهة جميع أعدائك في الداخل والخارج مرة واحدة هي وصفة رائعة للهزيمة الساحقة !

إذا لم يتحقق هذا التوازن فلا شك أن التدخلات الخارجية جلها ستكون دعما للأنظمة القديمة، وتمويلا لكل سفاح يمكن أن ينهي حالة الثورة مهما كان الثمن.

وسيظل توحّد الجماهير دون تفتت أيدولوجي هو مفتاح القوة الأول لمن يقودون مرحلة التحول في مواجهة التدخلات الخارجية.

*       *       *

الخطر الرابع : الصراع مع الجيش

وهذا هو الخطر الأكبر !

فالجيوش العربية غارقة في السياسة والحكم، وتكاد تغص بما تلتهمه من ثروات الأمة بالفساد محميّة بقوة السلاح، مدعومة برضا غربي إمبريالي علني.

لذلك لا بد من التدرج في عملية إخراج الجيش من السياسة، ومن تحجيم دوره في الاقتصاد.

ملف العلاقات المدنية العسكرية هو الأكثر تعقيدا في كل تجارب التحول الديمقراطي في العالم، والاستثناءات تكاد تكون معدومة، ولا شك أن هذا الملف سيكون أكثر تعقيدا في الدول العربية منه في بقية العالم.

كل من يتوهم أنه يمكن أن يواجه جيشا غارقا في السياسة منذ عشرات السنين دون أن تكون مكونات المجتمع داعمة له، تقف حوله، وتؤيد رؤاه، فهو واهم !

لذلك سيظل الاستقطاب الأيديولوجي أكبر خطر يهدد مسيرة أي ثورة، وأعظم هدية تقدم للثورة المضادة !

من حق القارئ الكريم أن يراجع هذه القاعدة وتطبيقاتها على التجارب كلها كما أسلفنا.

*       *       *

بين يدي رمضان : إلى كل معتقل في سجون الظالمين في العالم كله، وفي أوطاننا العربية خاصة ... كل عام وأنتم تاج رؤوس الأحرار، وقرة عين الطامحين لعالم أجمل !

ملايين البشر من المسلمين وغير المسلمين يدعون لكم بالثبات، وبفجر حرية مشرق في غد قريب ... اصبروا ... واعلموا أن النصر قريب.

إلى كل أهالي المعتقلين ... لا حرمكم الله فرحة اللقاء بأحبابكم في يوم نصر قريب، ولا حرمكم الله أجر صبركم وبذلكم ... قلوب الملايين من الشرفاء تدعو لكم ليل نهار.

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21