بين الداخل والخارج أين الحل؟

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 10-3-2019 م

قال لي عبر الهاتف بتأثر : أوقفوا عائلتي اليوم في مطار القاهرة، منعوهم من السفر، وصادروا جوازات سفرهم، وأخبروهم بضرورة الذهاب لاستلامها من مقر أمن الدولة.

قلت له : وماذا حدث بعد ذلك؟

أجاب : ذهبوا لأمن الدولة، هددوهم، وأخبروهم بضرورة أن "أعدّل" مواقفي السياسية، وأنني أخطأت كثيرا في "انحيازاتي" الفترة الماضية !

حين سألته عن سبب تأخر خروجهم من مصر طوال هذه الفترة برغم نشاطه السياسي الحافل، أجاب إجابة طويلة، خلاصتها استحالة أن يتمكن من التكفل بحياة كريمة لأسرة بهذا الحجم في البلد الذي يقيم فيه، كما أن ارتباطات مدارس وجامعات أبنائه صعبت الأمر وعقدته.

قلت له : أعتقد أنه من الضروري أن تؤخر أي ظهور إعلامي لك في الفترة القادمة، لديك رهائن بين أيديهم، والرسالة التي أرسلوها لك فيها تهديد صريح !

فأجاب بثبات : والله لا أفعل ذلك أبدا، شأنهم شأن كل الأبطال في مصر، في السجون أو خارجها، ما الفرق بين أبنائي وبناتي وبين بقية أبناء الشعب المصري؟ سنستمر في نضالنا والله يحفظ الجميع

*       *       *

هذا نموذج لمئات الحالات لمعارضين مصريين خارج البلاد !

تحدثت في الأسبوع الماضي عن معارضة الداخل، ومعارضة الخارج، وجائتني الكثير من الرسائل والاستفسارات، كما أن النجاح الباهر الذي لاقته حملة (اطمن انت مش لوحدك)، يفرض على الكاتب أن يوضح وجهة نظره بتفصيل أكبر، خصوصا أن الحملة أطلقها إعلامي يقيم في الخارج، وما زالت تدار من الخارج، ويتفاعل معها ملايين المصريين في الداخل.

ما الذي يمكن أن تقدمه معارضة الخارج؟

هل يمكن أن تقود معارضة الخارج حراك الداخل؟

هل يجوز أخلاقيا أن يقود أشخاص آمنون في الخارج مظاهرات ثمنها الموت في الداخل؟

حقيقة الأمر أن هنالك أجابات مختلفة لهذه الأسئلة، وسنجد في تجارب الثورات قيادات كانت على رأس المتظاهرين في الداخل، وسنجد العكس، فهناك قيادات كانت في خارج البلاد، آمنة تماما، بينما الناس في الشوارع يسقط منهم الآلاف يوميا، وعاد هؤلاء القادة من الخارج وأصبحوا قادة في تلك الدول بعد أن دفعت الناس أثمانا باهظة من دماء أحبائهم.

في البداية لا بد أن نعرف ما هي مهمة معارضة الخارج (في الحالة المصرية لا في غيرها)، وفي رأيي إن لها – حاليا – مهمتان : المهمة الأولى : سدُّ فوّهة البندقية التي تطلق الرصاص على أي حراك ... المهمة الثانية : تمثيل الثورة المصرية، وقد ذكرت ذلك بشيء من التفصيل في مقالتي السابقة بعنوان (المعارضة.. بين الداخل والخارج).

*       *       *

السؤال الذي أثارته حملة (اطمن انت مش لوحدك) حول قيادة الخارج للداخل، سؤال له أهمية، وأعتقد أن معارضة الخارج يحق لها أن تقترح على جماهير شعبنا العظيم فعاليات آمنة، مثل هذه الحملة.

من حقنا – أعني من واجبنا – أن نقترح على شعبنا كذلك النزول للتصويت بلا في التعديلات الدستورية القادمة !

جميع الاقتراحات التي تؤدي إلى كسب نقاط في وجه هذا النظام دون تعريض الناس للرصاص، أو لخطر الاعتقال مقبولة، وليس فيها أي مشكل أخلاقي.

ومن التكلف أن يطالبنا بعض زملائنا في الداخل بأن نسكت تماما لمجرد أننا (في الخارج)، ففي النهاية نحن مواطنون مصريون، مضارون مثلهم، ونحن في منفى إجباري لا اختياري !

قلة من الناشطين السياسيين تطالبنا بذلك في الوقت الذي لم يبق فيه أحد في الداخل، الكل في السجن تقريبا، وبالتالي مطالبة معارضة الخارج بالسكوت (حرجا) هو في الحقيقة مساعدة لسيسي على الانتصار على الأمة، لا نبالغ إذا قلنا إن معارضة الخارج هي الموجودة فقط، ولا يوجد معارضة في الداخل أصلا !

أما من يظن أن معارضي الخارج يتحدثون ويعارضون دون ثمن، فليقرأ القصة التي ذكرتها في بداية المقالة ... نحن جميعا أسرى – بشكل أو بآخر – لدى هذا النظام المستبد، ونحن جميعا ندفع الثمن من حياتنا الشخصية، ومن مستقبل الوطن.

*       *       *

الكيانات التي تأسست خلال السنوات الماضية لم يثمر شيء منها عن تغيير يذكر، وما زالت المحاولات تضيع في دوامة الاستقطاب السياسي، ولم يتمكن أحد أن يمثل المصريين.

والحقيقة إن هذه الكيانات تذكرني بتجربة التحول الديمقراطي في تشيلي، حيث مرت المعارضة بعدة مراحل قبل أن تصل إلى التحالف الذي أسقط "بينوشيت" في الاستفتاء الشهير عام 1988، وقبل أن تتحد لتصل بمرشحها إلى الرئاسة عدة مرات.

تم في 15 أغسطس 1983 إعلان تحالف اسمه (التحالف الديمقراطي)، ضم طيفا كبيرا من معارضي الدكتاتور التشيلي "بينوشيت"، وكان مثار خلاف كبير بين معارضة الداخل والخارج، خصوصا أن البعض زعم أن هذا التحالف سوف يتفاوض مع "بينوشيت" !

وبرغم ذلك لقي هذا الكيان إقبالا، بل لقي بعض الدعم الدولي من بعض الحكومات الأوروبية ذات التوجه اليساري (ميتران كان قد فاز في فرنسا عام 1981م).

لماذا فشل هذا التحالف؟

لأنه كان يحمل برنامجا غير قابل للتطبيق !

كان تصور هذا التحالف للحل كالآتي : (حكومة مؤقتة، خروج "بنوشيت" من السلطة، جمعية تأسيسية لدستور جديد، ثم انتخابات) !

كان تعليق رئيس الوزراء الإسباني (فيليبي جونزاليس) على تصورات هذا التحالف لإنهاء مشكلة تشيلي : (يبدو أنكم ستظلون فترة طويلة في تصوراتكم الأكاديمية) أي أن هذا التصور ليس واقعيا، وقد سألهم أسئلة واضحة ومباشرة (كيف تكون الحكومة المؤقتة؟ هل سيرحل "بينوشيت"؟ كيف يمكنكم تعيين حكومة مؤقتة؟ قبل أن تستطيعوا فعل أي شيء من هذا عليكم أن تخرجوا أنفسكم من البئر) !

هذا الكيان يشبه كيانات مصرية كثيرة كانت تضع سقفا عاليا للحركة، كيانات ما زالت إلى اليوم تريد العودة بالوضع في مصر إلى يوم 2 يوليو 2013، دون أن تملك أي رصيد من القوة لفعل ذلك، ودون أن تملك أدنى توافق شعبي على هذه المطالب.

في تشيلي ... تعلمت المعارضة، وأدركت أن خطة الطريق تلك لا يمكن تحقيقها، وأن المطلوب أولا هو الخروج من البئر.

*       *       *

إن المطلوب حاليا من المعارضة المصرية في الخارج أن تتجاوز النخب الحالية، وأن يتقدم الشباب الصفوف، وذلك من خلال عمل وطني جامع، لا أيدولوجية له، ولا هدف له سوى إسقاط الدكتاتور، فهذا هو المشترك بين الغالبية العظمى من المصريين، هذا هو الشيء الذي لا خلاف عليه، ولو اجتمعنا عليه فسيسقط هذا المسخ في زمن قياسي.

أما الأشخاص والكيانات التي انكشفت وأصبح دورها الوحيد هو مهاجمة كل من يحاول أن يحرك أي ساكن ... فهؤلاء أعداء الثورة – علموا أو جهلوا ذلك – ويجب أن تحاسب كل الجماعات والكيانات التي تدعمهم.

رابط المقال على موقع عربي21