كيف ننتصر ؟

المقال منشور بصحيفة الاستقلال  بتاريخ 8-3-2019 م

أذاعت قناة الجزيرة الأسبوع الماضي فيلما وثائقيا بعنوان "الساعات الأخيرة"، حاول صانعوه أن يحكوا قصة الساعات الأخيرة في عهد الرئيس المصري محمد مرسي، الذي عزله الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو/ تموز 2013.

الفيلم في رأيي ضعيف من جميع النواحي الفنية والتوثيقية، ولكن لا يمكن أن نتغافل عن نقطتين برزتا فيه بوضوح:

    الأولى: طريقة إدارة الفريق المصاحب للسيد الدكتور محمد مرسي للأزمة.
    والثانية: أسلوب الخداع الذي انتهجه الطرف الآخر للرئيس مرسي ومساعديه.

أما طريقة إدارة الفريق المصاحب لمرسي للأزمة، فالحقيقة أنني قد التقيت واحدا من هؤلاء المساعدين منذ عام أو أكثر - وهو اللقاء الوحيد الذي جمعني به - وتعجبت كل العجب من اختياره لهذا الموقع أساسا.

لقد التقيت برجل لا علاقة له بالسياسة من قريب أو بعيد، ولا يملك أي موهبة، أو خبرة سياسية، ولم تتربَّ لديه "غريزة" السياسة، اختاروه لموقع في غاية الحساسية، موقع كان يمكن أن ينقذ مصر كلها لو كان فيه شخص يشعر بمعنى تصرفات الآخرين، ويلمح الإشارات التي تصدر من خصومه وحلفائه، وبعد انتهاء اللقاء كنت أتساءل كيف اختير هذا الشخص متواضع الإمكانات لشغل مثل هذا الموقع المهم في رئاسة الجمهورية في فترة من أصعب الفترات التاريخية في التاريخ؟

كنت أسأل نفسي هذا السؤال في مرات كثيرة خلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، أشخاص أعرفهم معرفة جيدة أصبحوا على رأس وزارات في غاية الخطورة، وهم لا يملكون أية خبرة أو حنكة لإدارة صراعات بتلك الشراسة المتوقعة.

كانت إجابة تلك الأسئلة – بالنسبة لي – واضحة، لقد اختير هؤلاء لأنهم محل ثقة قيادة جماعة الإخوان المسلمين، وليس لاختيارهم أي علاقة بـ(كفاءتهم) لتولي هذه المهمة.

الشخص الذي التقيته وأتحدث عنه رجل محترم - على المستوى الإنساني والشخصي - ولا أقصد بأي حال من الأحوال أن أسيء له شخصيا - اللهم إلا إذا كان قد وافق على تولي هذه المهمة وهو يعلم أنه غير أهل لها - إنه رجل لن تجد في تاريخه أي مذمة أو منقصة، ولن تجد فيها أيضا أي عمل سياسي يذكر!

بهذه الطريقة أدارت جماعة الإخوان مصر، باختيار أهل الثقة، وغالبيتهم العظمى كانوا من غير أصحاب الكفاءات، والأمثلة على ذلك كثيرة كثيرة.

غالبية الوزراء، وغالبية المحافظين، وغالبية البرلمانيين، لم يكونوا من أصحاب الكفاءات أبدا - حتى الذين اختيروا من خارج الجماعة كانوا كذلك - ويعلم كثيرون أن شخصا مثل السيد الوزير "باسم عودة" دخل بالخطأ إلى موقع المسؤولية، وكان استثناء، برغم وجود عشرات الكفاءات ممن هم مثله في صفوف الجماعة، ويبدو أن أصحاب الكفاءات دائما غير مرضي عنهم.

×××

أما مسألة أسلوب خداع الطرف الآخر للرئيس مرسي ومساعديه، فهي أمر يدعو إلى ضحك ممزوج بالبكاء، وهو يعيدنا إلى الملاحظة الأولى، فلو أن الاختيار وقع على أصحاب الكفاءات لما تمكن شخص محدود الذكاء مثل "سيسي" من خداع رئيس الدولة بتلك الطريقة المضحكة.

لقد غضب رئيس الدولة المنقلب عليه بعد أن أذاع الجيش بيانا يمنح الجميع ثمانية وأربعين ساعة - وإلا ستتدخل القوات المسلحة - ولكنه رغم ذلك استمر في تكليف وزير الدفاع - الذي أصدر البيان - بالتفاوض مع المعارضة!

وفي ظني أن هناك أمورا ما زالت مدفونة تحت أنقاض التاريخ، وستظهر يوما ما، لكي تفسر لنا هذه التصرفات التي لا يمكن تفسيرها حتى إذا افترضنا الغباء المطلق في بعض الأطراف، وهذه الثقة التي منحت لهذا الشخص ما زال وراءها شيء ما لم يظهر.

ملحوظة: كل ما ذكرته آنفا لا يعفي أي طرف من الأطراف الأخرى من مسؤوليته في المصير الذي وصلت إليه مصر، وليس المقصود مما ذكرته تحميل طرف واحد مسؤولية كل الأحداث، لقد أخطأ الجميع، وكل ما حدث مع الإخوان المسلمين حدث مع التيارات الأخرى بشكل أو بآخر.

×××

من هذا الفيلم أستطيع أن أنطلق إلى السؤال الذي يؤرقنا جميعا: كيف ننتصر؟

لن يتحقق نصر للشعب المصري إلا بتوحيد قوى الثورة أمام دولة الاستبداد، فالهزيمة حدثت بسبب أساسي هو الاستقطاب، لقد فرقَنا العساكر، ثم استفردوا بكل طرف على حدة، وتوحيد قوى الثورة سيكون بثلاثة شروط:

    الأول: أن نسجل التاريخ كما هو، لا كما نريده أن يكون.

لقد أخطأ الإخوان المسلمون في تسجيل فترة الانقلاب الأول عام 1954، فسجلوها بالطريقة التي تبرئ ساحتهم، وتجعلهم ضحايا، ولم يدوّنوا أخطاءهم، وكيف تحالفوا مع العسكر ضد الجماعة الوطنية.

سجلوا بطولاتهم في الصمود حين انقض عليهم العسكر – وهو صمود حقيقي لا يشكك فيه أحد – ولكنهم لم يسجلوا كيف أخطأوا، ولماذا خُدِعوا، وكيف أكلهم العسكر كثور أسود بعد أن أكل الأحزاب كثور أبيض.

وكانت النتيجة أن السيناريو نفسه تقريبا تكرر في عام 2011 وما بعدها.

×××

    الشرط الثاني: أن نغلّب المصلحة الوطنية على المصلحة السياسية أو الحزبية، وبالطبع الشخصية.

إن مصلحة الوطن اليوم تقتضي أن نخلق تحالفا واسعا لمجموعة غير متجانسة من المكونات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وهو أمر صعب، ولكنه ليس مستحيلا.

والطريقة الوحيدة التي يمكن أن يُخلق بها هذا التحالف؛ ستكون بارتقاء النخب السياسية إلى مستوى الكارثة التي تعيشها مصر اليوم، تلك الكارثة التي أثّرت في حياة عشرات الملايين داخل مصر وخارجها.

×××

    الشرط الثالث: تغليب أخلاق المسؤولية على أخلاق القناعة.

وهذا أمر مطلوب من جميع التيارات، فهذا ليس وقتا ينفّذ فيه أحدٌ برنامجه السياسي، أو أفكاره الأيدلوجية.

لا بد أن يتفق الجميع أننا أمام خطر داهم، ولا مجال هنا لحديث الإسلاميين عن تطبيق الشريعة، أو حديث الليبراليين عن السوق المفتوح، أو اليساريين عن تفتيت الملكيات، كل هذه القضايا كبيرة عند أصحابها، ولكنها تافهة أمام إنقاذ وطن من قبضة عصابة من الخونة تحكمه بالحديد والنار.

لا بد أن يقبل الجميع بالدخول في تحالف ليس من ضمن أجندته أي أفكار من تلك التي ذكرتها، فهو تحالف إنقاذ لا أكثر، وسيستمر هذا التحالف لأعوام طوال، ولن يكون هناك مجال للحديث في جميع هذه الأفكار طوال تلك الفترة.

×××

إذا تمكنت النخب السياسية من تدوين تاريخها القديم والحديث بصدق، سنتعلم، وسنتمكن من معرفة كيف يتعامل عدونا معنا، وكيف يخدعنا بهذه البساطة التي ظهرت في فيلم الساعات الأخيرة، وإذا تعلمنا ذلك سننتصر في الجولة القادمة.

وإذا تمكنت تلك النخب من تغليب المصلحة الوطنية على أي مصلحة حزبية أو شخصية، وإذا اتفقت الجماعة الوطنية على تغليب أخلاق المسؤولية على أخلاق القناعة، سنخلق تحالفا وطنيا واسعا، لن تصمد السلطة في مواجهته، وسنتمكن من بدء مرحلة جديدة، تلتف فيها الجماهير حول جماعة وطنية لا همّ لها سوى أن تعبر بالبلاد من مرحلة الاستبداد إلى مرحلة تكون الآليات الديمقراطية هي الحكم العدل.

أولى مراحل صنع هذه الجماعة الوطنية الجديدة هي مرحلة الاشتباك مع التعديلات الدستورية المزعومة، وحبذا لو كان ذلك من خلال التصويت برفض التعديلات، وليس بمقاطعة أصبحت محدودة التأثير.

الاشتباك مع معركة التعديلات الدستورية يشبه كأس سم، ولكن التصرف السليم أن نتجرعه، وأن نمارس ذلك الاشتباك كتدريب على العمل الجماعي، ولخلق الجبهة العريضة التي تقاوم النظام؛ لكي نصل في نهاية الأمر إلى جولة انتصار بعد عام أو أكثر.

 

رابط المقال على موقع صحيفة الاستقلال