ثورة؟ أم صفقة؟

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 6-1-2019 م

يتعرّق "سيسي" أمام المذيع المتألق (سكوت بيلي)، لقد أمسكتْهُ الكاميرا بالجرم المشهود، حالة "تلبس" بمفهوم الطابق الثالث عشر في مجمع التحرير بالقاهرة، لقد دخل اللقاء التلفزيوني ببدلته وأبهته، وخرج بملاءة بيضاء.

يعترف بالخيانة العظمى ... حيث إنه فتح الأجواء المصرية لعمليات عسكرية مشتركة مع إسرائيل دون أن يشغل باله بشكليات الحصول على إذن البرلمان.

لم يُخطر الرأي العام المصري بأي شكل من الأشكال، ولكنه حين مثل – باحثا عن الشهرة في المكان الخطأ – أمام إعلامي أمريكي ... اعترف كجرذ في مصيدة.

يحاول مداراة إجرامه، فيقلل عدد قتلاه من المصريين في رابعة وأخواتها، ثم يحاول أن يبرر القتل فيصمهم بالتطرف والإرهاب، وينكر وجود معتقلين من الأساس ... ولكن هيهات، فالجالس أمامه هذه المرة لا يمكن ترهيبه بسيف، ولا يمكن ترغيبه بذهب.

الحلقة لم تذع حتى الآن، ومن يدري ما تحتوي عليه من كوارث قد لا تكون في الحسبان، فالجنرال الجاهل لا يعلم ما هو برنامج (ستون دقيقة)، ولا يعلم بالتأكيد من هو (سكوت بيلي) !

لو علم طبيعة البرنامج لما قبل الحوار، ولو وافق على اللقاء وبذل أي مجهود لمعرفة هذا المذيع بالذات لطلب مذيعا آخر، ولكنه جاهل، ومن حوله جهلة مثله.

إنه يكره العلماء، فهم يشعرونه بضآلته، حتى إذا نافقوه، وهذا ما قاله الكواكبي " العلم قبس من نور الله، وقد خلق الله النور كشافاً مبصراً ولّاداً للحرارة والقوة، وجعل العلم مثله وضاحاً للخير فضاحاً للشر يولد في النفوس حرارة وفي الرؤوس شهامة" !

*       *       *

هذا الجاهل السيكوباتي يحكم مصر بقوة السلاح، ويظن البعض أن السلاح أقوى من العقل، ويُنظِّرُ آخرون أن السلاح أقوى من الناس إذا اجتمعوا على رأي ودافعوا عنه، ويظن المحبَطون المحبِطون أن الأمر قد قضي، وأن الاستبداد لا رادّ له، وإذا سألتهم عن حجتهم قالوا إن هذا الرأي هو ما وجدنا عليه آباءنا، وإنا على خيباتهم وذلهم مقتدون، الإحباط أسهل من السباحة ضد التيار.

ورغم صلف الجنرال الجاهل صدر بيان يرفض تعديل الدستور من مئات الشخصيات المصرية من كل الاتجاهات، وهو أمر يؤكد أن جريمة تعديل الدستور لن تمر دون صخب، وهذا ما يكرهه الجنرال الساذج في ملاءته البيضاء، فهو ليس بسياسي، ولا يحب صخب السياسة.

"سيسي" يحاول تمرير التعديلات الدستورية وهو في موقف ضعف، فهذه التغييرات الدستورية المزمعة تعد انقلابا جديدا بعد انقلاب 2013، إنها أشبه ما تكون بحقنة هواء في قلب الدولة، هي قتل لما تبقى من معاني الدولة للأبد، وهو هذه المرة مطالب بأن يمر بانقلابه الجديد دون الضجيج الذي تحدثه جنازير الدبابات، وهو أمر لا يجيده.

تتسرب أخبار عن صفقة "سيسية" سياسية مقابل تعديل الدستور، فتمنح بعض المقاعد البرلمانية لأحزاب أو شخصيات مقابل الموافقة على التعديلات التي سيتمدد بها حكم "سيسي" إلى الأبد.

التعديلات ستمر، سواء تمت الصفقة أم لم تتم !

ولكن ليس معنى ذلك أن النظام سيستمر، بل هو ساقط ساقط، وسيسقط كل من برر أو سكت، وهو أمر بات يخشاه كثيرون، لأن سعي المستبد لحتفه أصبح شديد الوضوح.

والصخب الذي لا يريده "سيسي" سيحدث، فالسادة أعضاء لجنة الخمسين في موقف لا يحسدون عليه، وجميعهم ما زالوا على قيد الحياة (لم يرحل من لجنة الخمسين سوى الشاعر سيد حجاب، ومحمد عبدالقادر نقيب الفلاحين، وحسين عبدالرازق نائب رئيس حزب التجمع رحمهم الله)، هل نرى بيانا من بعض أعضاء لجنة الخمسين في لحظة ما؟

كل شيء وارد، ولا أستبعد شيئا في هذه المرحلة !

*       *       *

يظن "سيسي" أنه يستطيع أن يمرر التعديلات بصفقات مع التيار المدني من جهة (ببعض الكراسي في البرلمان وما شابه ذلك)، وربما بصفقة مع التيار الإسلامي من جهة أخرى (ستكون في الغالب بالإفراج عن المعتقلين السياسيين).

والحقيقة أن حديث الصفقات كله من آخره إلى أوله وهم كبير، فهذا الجنرال غير قابل للتصالح أو التفاوض، وهو لم يصدق في كلمة خير واحدة، وما صدق إلا في تهديداته ووعيده، ومن يؤمل في صفقة سياسية معه فهو شخص ينبغي أن يراجع أحداث التاريخ القريب في هذا البلد.

وإلى كل من يظن أن بإمكانه أن يتنازل قليلا للجنرال لكي تتحسن الأوضاع أقول (من الأفضل أن يتنازل الثوار لبعضهم، فلنتفق على الثورة بدلا من الاتفاق على صفقة) !

*       *       *

لا خلاص لهذا البلد إلا بتوحد قوى العدل والحرية ضد قوى الظلم والاستبداد، وهو أمر له صعوباته ولكنه ليس بمستحيل.

الخلاص الفردي لن يتحقق لأحد، لن ينجو فصيل بنفسه، ولن يبقى أحد على الساحة بمفرده، فإما أن ينجو الجميع، وإما أن يستمر "سيسي" رغم حماقته في السلطة، فهو لا يعتمد على ذكائه بقدر استمراره بسوء أدائنا وفرقتنا.

في هذا الشهر ... في يناير ... فلنتذكر ما جمعنا في الميادين رغم اختلافاتنا، ولنتذكر أن الجراح يمكن أن تلتئم بالإرادة، وأن الصفوف يمكن أن تتوحد بالحكمة.

في هذا الشهر ... في يناير ... فلنتذكر أننا نفقد الوطن بكل مقوماته، وأننا لا نملك رفاهية التراجع ... أو الصفقات !

رابط المقال على موقع عربي 21