سفينة الوطن الغارقة !

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 30-12-2018 م

عملية إرهابية في الهرم في ليل يوم الجمعة الموافق 28 ديسمبر 2018، سقط فيها أربعة من السياح الفيتناميين الأبرياء، وكأن العام الميلادي يأبى أن يرحل دون أن يترك بصمة دم جديدة في سجله.

لا تبرير لهذا الإجرام عند أي إنسان يحمل ذرة ضمير.

وبعدها بسويعات ... يعلن الإرهابيون الذين يحكمون مصر أنهم قتلوا أربعين إرهابيا، موجهين رسالة شديدة الوضوح (الواحد بعشرة)، إنهم يقولون بوضوح نحن لسنا دولة، وما نحن إلا ميليشيات مسلحة لا قانون يردعنا !

نشرت الصور (الإرهابيين) بعد مقتلهم كالعادة، ومن الواضح أن من ينشرها غير مهتم بحبك القصة، فهو لا يبذل أي مجهود، بل هو يتعمد أن يظهر استهتاره بحبك تلك المسرحية، فهي رسالة أخرى ... نحن فوق الحساب، نحن لا نحمل هم أن يحاسبنا أحد ... وهو ما يؤكد أن الحساب سيكون عسيرا !

لا علاقة لمن يحكم مصر اليوم بالقانون أو حتى بالمروءة أو الإنسانية ... إنهم مجموعة من الوحوش التي تدافع عن مصالح خاصة، ليس فيها ذرة اعتبار لأمن قومي، أو مصلحة وطنية.

*       *       *

من الغريب أن تسمح محكمة مصرية للرئيس المخلوع حسني مبارك بالشهادة في أي موضوع من المواضيع، فهو شخص مدان بحكم نهائي بات في قضية مخلة بالشرف، ولا أظن شهادته – من الناحية القانونية – لها اعتبار.

ولكن شهادته السياسية كانت تاريخية ... وكانت مزيجا من المساخر الممزوجة بالآلام !

كانت تاريخية لأنها ستستدعي حسابا ما في وقت ما، أظنه قريبا، فكلامه يوضح بلا شك إهمال المسؤولين عن أمن البلاد في أداء مهامهم !

كما أنها تثبت تهمة الخيانة العظمى لكل أعضاء المجلس العسكري، وقيادات القوات المسلحة، الذين توفرت لديهم كل تلك المعلومات عن جماعة الإخوان المسلمين وسعيهم لإسقاط الدولة بالاستعانة بميليشيات أجنبية (قبل ثورة يناير)، ولكنهم رغم ذلك سمحوا لتلك الجماعة بالوصول إلى أغلبية برلمانية، وبدخول قصر الرئاسة، وبالجلوس على كرسي القائد الأعلى للقوات المسلحة.

لقد كانت تلك الشهادة فرصة لمبارك لتصفية حسابه مع ثورة يناير، والمضحك أنه حين حاول أن يقضي عليها قضت عليه، فقد ظل يردد الكلام نفسه الذي قاله السيد (تامر بتاع غمرة) ... ورغم ذلك لم يتمكن من صياغة رواية متماسكة، وعجز عن الرد على سؤال الدكتور محمد البلتاجي فك الله أسره من قفص الاتهام حين سأله عن عجز القوات المسلحة في مواجهة هؤلاء المسحلين الثمانمائة، بل إن كلام مبارك لا يتطابق مع الرواية التي قالها من قبله أعضاء نظامه وعلى رأسهم وزير داخليته السفاح حبيب العادلي.

إنها ثورة مكتملة، لا تحتاج شهادة من أحد ... خصوصا من لص ساقط المروءة، مهدر الشرف، ولكني أقول ذلك لمن تحكم فيهم اليأس حتى أصبحوا يرددون كلام أعدائهم، ويقللون من حجم الإنجاز الذي شاركوا فيه ... صحيح أن المخلوع جلس وأدلى بشهادته ... ولكن هذا الإله نزل من عليائه، وأصبح مجرد شاهد تستدعيه المحاكم، ويعتذر عن أسئلة لأنه يحتاج إلى إذن بالحديث من ولي أمره.

*       *       *

ما زالت المعارضة المصرية تراوح مكانها، تتردد، وتختلف، في الشؤون المصرية الداخلية، وفي المتابعات الإقليمية، وفي الأحداث الدولية.

تختلف في اتخاذ قرار مشاركة أو مقاطعة في شأن داخلي، وتختلف في أمر حدث إقليمي مثل ما يحدث في سوريا أو السودان، وتختلف في رفع الواقع الدولي في العالم، وهي خلال ذلك كله لا تقوم بواجب التنسيق اللازم في مثل هذا الوضع الحرج.

إن آفة المعارضة المصرية أنها تقاد بأناس أصيبت أرواحهم بالشيخوخة قبل أجسادهم، وتضخمت ذواتهم (في أعينهم) حتى أصبحت أكبر من الوطن، وسبقهم الزمن حتى أصبحوا عالة عليه.

غالبيتهم مشروعه ذاته، أو جماعته، أو حزبه ... وقليل من يلتفتون إلى حقيقة أن اللحظة التي نعيشها أكبر بكثير من ذواتنا، وأضخم من جماعاتنا، وأعظم من أحزابنا.

إن كثيرا منهم على استعداد لإحراق الدنيا من أجل ضغينة شخصية بينه وبين فلان أو علان، ومعظمهم لا يعرف فضيلة السكوت، فضلا عن أن يعرف أن يتكلم بالحكمة، ناهيك عن أن يقود الآخرين إلى الصواب.

لقد ابتليت مصر بنخب لا مثيل لها في تجارب التحول الديمقراطي، فهي تقتات على الصراع، وتتفاخر بالصغائر، وكأنها مخبول يتجرع السم وهو يظنه ترياقا !

نخبنا الجديدة جاهزة في السجون والمنافي ... وستطوى هذه الصفحة السوداء قريبا، وسنرى أجمل ما في مصر، زعامات شابة، وقيادات حكيمة، علمتها التجربة أن الحرية قبل الأيديولوجيا، وأن الأمة قبل الحزب، وأن الحق أقوى من الزعامات.

*       *       *

في مصر المحروسة اليوم ملايين المواطنين الذين لا يعرفون ماذا يجري في البلاد !

لقد أغلقوا التلفاز منذ عام 2013 أو بعد ذلك، وأصبحوا لا يتابعون أي حدث، خوفا، قلقا، جهلا بحقيقة الأوضاع وتعقيداتها التي تزداد يوما بعد يوم.

ولكن الحقيقة المرة هي أن المركب تغرق، وحين تغرق المراكب فإنها تغرق بما ومن عليها، ولا مجاملة في الغرق.

كل مواطن مصري لا يملك طائرة خاصة على أهبة الاستعداد في مطار قريب من بيته عليه أن يقلق، لأن لحظة الانفجار لا ضابط لها.

نسأل الله أن يحفظ هذا البلد الطيب أهله، وأن يبعد عنه اللصوص والمجرمين، وأن يعين أهل الخير على كف أيادي الخونة المأجورين ... وما ذلك على الله بعزيز.

رابط المقال على موقع عربي 21