هَذَا الرَّزِينُ المُطْمَئِنّْ

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 12-11-2018 م

(رثاء شهيد القلم الأستاذ جمال خاشقجي)

بَرْدٌ خَريفِيٌّ على اسْطَنْبُولْ ...
وحَدِيثُ عُشَّاقٍ يَطُولُ، وكَيْفَ لَيْسَ يَطُولْ !
ولِرَعْشَةِ البوسفورِ في فَصْلِ الخَريف حكايةٌ
يُصْغِي لها العُشَّاقُ في خَلَوَاتِهِمْ ...
يَبْكي لها العُبَّادُ في صَلَوَاتِهِمْ ...
لا شَيْءَ في فَصْلِ الخَريفِ يُخيفُ هَاتيكَ النَّوَارِسَ
كُلُّ شَيْءٍ مُطْمَئِنٌ
والخُطَى مَحْسُوبَةٌ مَكْتُوبَةٌ
والأمْنِيَاتُ على طَرِيقِ وُصُولْ ...
الشَّمْسُ في كَبِدِ السَّمَاءِ
وغَيْمَةٌ تَهَبُ المُشَاةَ ظِلالَهَا
وكَأَنَّهَا وَقْفٌ مِنَ الأَوْقَافِ في اسْطَنْبُولَ مِنْ أَعْيَانِهَا القُدَمَاءْ ...
في كُلِّ زَاوِيَةٍ بهَذي الأَرْضِ تَلْقَى غَيْمَةً مَوْقُوفَةً
أو عَيْنَ مَاءٍ أو ظِلالَ سَمَاءْ ...
بَرْدٌ خَريفِيٌ يُدَاعِبُ ريشَةَ الشُّعَرَاءِ وهْيَ تُصَوّرُ اسْطَنْبُولْ ...
هَلْ يُدْرِكُ الشُّعَرَاءُ ماذا في الظَّلامِ يَجُولْ؟

*      *      *

لا يَسْتَطيعُ الشِّعْرُ حينَ يُوَاجِهُ المَقْتُولُ قَاتِلَهُ يُصَوِّرُ مَا جَرَى ...
لا تَسْتَطِيعُ قَصِيدَةٌ أنْ تَشْرَحَ الأَلَمَ الذي ذَاقَتْهُ كُلُّ خَلِيَّةٍ
في قَلْبِ إنْسَانٍ جَرِيمَتُهُ ارْتِكَابُ العِشْقِ للأوْطَانْ ...
أوْطَانِنَا تِلْكَ التي لُعِنَتْ بِفَضْلِ قيَادَةِ الخِصْيَانْ ...
يا أيُّهَا الحُكْمُ الذي يَبْدُو لنَا كَلْبًا يُلاحِقُنَا ليَعْقِرَنَا
بِسَطْوَتِهِ وحَاجَتِنَا إلَيْهِ ...
يا أيُّهَا العَهْدُ المُحَنَّطُ في زَعيمٍ نَرْجِسِيٍّ
وُرِّثَ النَّقْصَ الحَقيرَ لِوَالِدَيْهِ ...
يا أيُّهَا الوَطَنِ الذي ما زِلْتُ أَعْشَقُهُ فَيُشْقيني ...
أجْرِي لأَحْضِنَهُ فَيَرْمِيني ...
قلبي يُقَرِّبُهُ فَيُقْصيني ...
أُهْدي لَهُ عُمْري فَيَنْفيني ...
يا أيُّهَا الوَطَنُ المُفَدَّى رَغْمَ كُلِّ الرَّابضينَ على العُرُوشِ كِلابَ صَيْدْ ...
كَسَّرْتُ في عِشْقِي إلى عَيْنَيْكَ قَيْدًا بَعْدَ قَيْدٍ بَعْدَ قَيْدْ ...

*      *      *

لا يَسْتَطيعُ الشِّعْرُ حَتْمًا أَنْ يُصَوِّرُ مَا جَرَى ...
دَخَلَ الرَّزِينُ المُطْمَئِنُّ إلى مَكَانٍ يَرْفَعُ العَلَمَ المُفَدَّى ...
في غُرْفَةٍ جُدْرَانُهَا قَدْ حُمِّلَتْ وَجْهَ الغُلامِ المُسْتَبِدِّ
ومِنْ ذَويهِ أَبًا وجَدّا ...
دَخَلَ الرَّزينُ المُطْمَئِنُّ لِغُرْفَةِ الإِعْدَامِ دُونَ تَرَدُّدٍ
ولَعَلَّهُ صَرَفَ الهَوَاجِسَ قائِلا : (أَأَشُكُّ في وَطَنِي؟)
ومَا عَلِمَ الذي لَيْلًا أُعِدَّا ...!
لو كَانَ يَعْلَمُ هَلْ تُرى كَانَ اسْتَعَدّا !؟
صُوَرُ الطُّغَاةِ على الجِدَارِ كَأنَّهَا صَنَمٌ تَزَيَّنَ لِلْعَبيدِ لِيَعْبُدُوهْ ...
لَوْ تَنْطِقُ الجُدْرَانُ لانْهَدَمَتْ تُطَهِّرُ ذَاتَهَا مِنْ ذِي الوُجُوهْ ...
لَوْ تَنْطِقُ الجُدْرَانُ لانْتَفَضَتْ تَئِنّْ ...
أو رُبَّمَا صَرَخَتْ صُرَاخًا يُفْزِعُ الثَّقَلَيْنِ مِنْ إِنْسٍ وجِنّْ ...
اخْرُجْ مِنَ الفَخِّ المُدَبَّرِ أيُّهَا الرَّجُلُ الرَّزِينِ المُطْمَئِنّْ ...!
هَتَفَ الرَّزينُ المُطْمَئِنُّ وقَدْ رَأى سِرْبَ الضِّبَاعِ أمَامَهُ :
(يا مَوْطِنِي ...
يا وَرْدَةً عَلَّقْتُهَا في سُتْرَتي
وسَقَيْتُهَا كالحُلْمِ مِنْ سِجْنٍ إلى سِجْنٍ
ومِنْ مَنْفًى إلى مَنْفًى
ومِنْ ذَبْحٍ إلى ذَبْحٍ على الآلامْ ...
هُمْ يَقْتُلُونَ الحَالِمِينَ وقَبْلَ ذلكَ يَقْتُلُونَ النَّوْمَ والأَحْلامْ ...
هُمْ يَشْنُقُونَ بِلادَنَا وحِبَالُهُم نُسِجَتْ مِنَ الأَعْلامْ ...
الحَاكِمُ المَسْعُورُ يَرْفَعُ عَاليًا أَعْلامَهُ فَوْقَ المَبَاني
كُلُّ مَبْنًى فَوْقَهُ عَلَمُ الطُّغَاةِ مُلَطَّخٌ بالزُّورِ والأَوْهَامْ ...
في كُلِّ غُرْفَةِ قُنْصُلٍ جُدْرَانُهَا حَمَلَتْ وُجُوهًا للخِيانَةِ
أَلْفُ قِصَّةِ مخلص مثلي بِغَدْرٍ سِيقَ باسْمِ قَدَاسَةِ الأوْطَانِ للإعْدَامْ ...!)

*      *      *

لا يَسْتَطيعُ الشِّعُرُ رَغْمَ فَدَاحَةِ البَلْوى يُصَوِّرُ مَا جَرَى ...
لا ضَرْبَ، لا تَحْقيقَ، لا تَدْقيقَ، لا تَلْفيقَ، لا أَسْرَارْ ...
قَتْلٌ صَفيقٌ وَاضِحٌ مِثْلَ الخِيانَةِ في وُجُوهِ الحَاكِمينَ لأَرْضِنَا باسْمِ السَّمَاءْ !
هذي العُيُونُ المَعْدِنِيَّةُ لا تُفَاوِضُ
لا تُحَرِّكُهَا الدُّمُوعُ ولا الدِّمَاءْ ...
هذي العُيُونُ المَعْدِنِيَّةُ جَهَّزَتْ في لَيْلِهَا مَا صَارْ ...
يَسْتَغْرِبُ الجُبَنَاءُ مِنْ عُمْقِ ابْتِسَامَتِهِ
وعُمْقِ الزًّهْدِ والإصْرَارْ ...
بَدَأَتْ مَرَاسِمُ حَفْلَةِ الشَّيْطَانِ صَاخِبَةً
ومُوسِيقى تُصَاحِبُ حِفْنَةَ الأَشْرَارْ ...
كَانَتْ مُفَاجَأَةً
فَلَيْسَ السَّيِّدُ المَذْبُوحُ يَبْدُو مِثْلَ مَنْ ذَبَحُوهُ قَبْلُ بِسَائِرِ الأمْصَارْ ...
دَمُهُ غَريبٌ
لا يَسيلُ كَمَا الدِّمَاءِ وإنَّمَا تَتَفَجَّرُ القَطَرَاتُ
ثُمَّ تَصيرُ نَقْشًا قُرْمُزِيًّا فَوْقَ كُلِّ جِدَارْ ...
غَطَّتْ وُجُوهَ الشَّرِّ في بِرْوَازِهَا الذَّهَبيِّ باسْتِكْبَارْ ...
قَطَعُوا يَدًا
فَتَفَجَّرَتْ مِنْهَا دِمَاءٌ سَطَّرَتْ فَوْقَ الجِدَارِ
(المَجْدُ للأَحْرَارْ) !
يَا حَفْلَةَ الشَّيْطَانِ لا تُجْدي وَسَائِلُكُمْ
فَهَيَّا لَمْلِمُوا أَغْرَاضَكُمْ هَرَبًا
ولا تَنْسَوْا إِزَالَةَ سَائِرِ الآثارْ ...
كيسٌ بِهِ رَأْسٌ بأَمْرِ الحَاكِمِ المِغْوَارْ ...
كيسٌ يَضُمُّ يَدًا ورِجْلًا
والأَصابِعُ سَوْفَ تُرْسَلُ للرِّيَاضِ
ونَظِّفُوا هَذَا الجَدَارَ
وجَهِّزُوا الحِمْضَ المُرَكَّزَ واشْرَبُوا الأَنْخَابَ باسْتِهْتَارْ ...
سَيَظَلُّ إنْسَانٌ رَزينٌ مُطْمَئِنٌّ مَالَهُ جَسَدٌ ولا قَبْرٌ
يُهَدِّدُ كُلَّ عَرْشٍ فَاسِدٍ بأَصَابِعَ انْحَازَتْ إلى الأَخْيَارْ ...
مَهْمَا فَعَلْتُمْ سَوْفَ يَبْقَى كُلُّ صَوْتٍ في حَنَاجِرِنَا
يُرَدِّدُ أَنًّهُ في ذَاتِ يَوْمٍ
أُرْسِلَتْ بَعْضُ الأَصَابِعِ للرِّياضِ لكَيْ تَقَرًّ بها عُيُونُ المُسْتَبِدُّ
ولَمْ يَكُنْ يَدْري بأَنَّ أَصَابِعَ الأَحْرَارِ تَخْنُقُ كُلَّ طَاغِيَةٍ
يَخَافُ يُوَاجِهُ الأَفْكَارْ ...
فَلْيَكْتُبِ التَّاريخُ مُنْذُ اليَوْمِ
أَنَّ أَصَابِعَ الكُتَّابِ تَهْزِمُ سَطْوَةَ المِنْشَارْ !
 

شعر : عبدالرحمن يوسف

رابط القصيدة على موقع عربي 21