زمن مرتضى !

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 30-9-2018 م

كنت زملكاويا ... آه والله !

كنت إذا أقبلت مباراة الزمالك والأهلي يتحاشاني مشجعو الأهلي، يتجنبون المقهى الذي سأشاهد فيه المباراة، ويتحلق من حولي مشجعو الزمالك، يحتمون بلساني من نتائج الفريق المخزية.

المواطن المصري (زملكاوي بالفطرة)، فهو دائم الخسارة رغم إمكاناته العظيمة، وهو يتفنن في إلقاء المسؤولية على الظروف ولؤم الحكم، وخسة الخصوم، ويتعامى عن أخطائه القاتلة ورعونته المستمرة.

المواطن المصري بطبيعته (زملكاوي)، يبالغ في الفرحة إذا انتصر، ويبالغ في تصوير مظلوميته التاريخية إذا هزم، يتخيل مؤامرة كونية عليه، ولا يرى حقيقة تواطؤه ضد نفسه مع هذه المؤامرة.

كان رئيس نادي الزمالك في ذاك الزمن السيد (كمال درويش)، وكان نائبه شخص يعرف باسم (مرتضى منصور)، وكان اسمه مرادفا للبذاءة، فلم يكن أحد يعرف عنه شيئا سوى أنه محام بذيء، ولم يكن أحد يتخيل أن هذا الشيء من الممكن أن يصبح في يوم ما رئيسا لنادي الزمالك.

حين أعلن (هذا الشيء) أنه سيترشح لرئاسة نادي الزمالك قلت لجميع أصدقائي (أشهدوا يا قوم ... لو أصبح هذا الشيء رئيسا لنادي الزمالك فلن أشجع هذا النادي إلى الأبد) !

سألني البعض (وما ذنب النادي؟) فقلت : (إن المؤسسة التي تنتخب هذا الشيء على رأسها لا تستحق أن يشجعها شخص محترم ... وإذا كنت على استعداد لتشحيع ناد رياضي على رأسه مرتضى ... فلماذا لا أشجع ناديا سياسيا على رأسه مبارك (الأب أو الابن) !؟

*       *       *

مع مرور الوقت اتضحت الصورة أكثر، واتضح أن جميع مجالات الحياة ليست سوى وجها من وجوه السياسة، الرياضة، والغناء، والرسم، والتمثيل، والتجارة، والصناعة ... كل هؤلاء مربوطون بحبل سري بأجهزة المخابرات، وغالبية من يتفوق في هذه المجالات مرضي عنه بشكل من الأشكال.

إنها دولة الأمن ...!

لا يمكن أن تتفوق في أي مجال من المجالات إلا إذا أصبحت مخبرا، والاستثناءات قليلة.

في عصر مبارك كان هناك رموز كثيرة، رموز تجمع بين الحقارة والانتهازية والسطحية والمال الحرام وانعدام الشرف، ولكن كان في رأيي أن أهم الشخصيات التي تلخص عصر مبارك (كمال الشاذلي، مرتضى منصور، فيفي عبده) !

هذا الشخص صنيعة عصر مبارك، شأنه شأن عبدالفتاح "سيسي" رئيس جمهورية الأمر الواقع في مصر، هؤلاء جميعا ليسوا منتجا جديدا، بل هي منتجات تم تصنيعها وتخزينها وتعبئتها في عصر المخلوع مبارك، وهي الآن تأخذ حظها، وتقوم بدورها المرسوم.

*       *       *

مصر اليوم في قبضة هؤلاء، وهم يخوضون معركتهم الأخيرة، والثورة المصرية أيضا تخوض معركتها الأخيرة، لقد سقطت كل خطوط الدفاع، ونحن الآن في صراع مع العدو الحقيقي وجها لوجه، انكشف العالم كله أمامنا، لا أحد معنا سوى الشعوب، ولا دول معنا إلا قليل، وكل من هم معنا سيكونون معنا إلى حدود، وبعد ذلك سينسحبون، ولا شيء سيتغير إلا بأيدينا، وما بأيدينا ليس بالقليل إذا جمعناه، ما بأيدينا قليل إذا تفرق، وكثير إذا تجمع.

الثورة المضادة تخوض معركتها الأخيرة في كل الجبهات، من المنامة إلى نواكشوط !

الإجراءات نفسها، كبت لكل أشكال الحريات، والحجج والذرائع نفسها ... مكافحة التطرف، ومحاربة الإرهاب !

كل ذلك يتم مع حملات ممنهجة من الطعن في أعراض الشرفاء، واعتقالهم، وقتلهم في السجون.

إنه سجن واحد ... لا فرق فيه بين عربي وعربي !

الشيخ سفر الحوالي سجين – أو شهيد – في معتقلات "سيسي"، وأسماء البلتاجي استشهدت في مظاهرة راقصة في ريف دمشق، وباسم عودة معتقل في سجن الرزين في مقاطعة أبوظبي، ونبيل رجب (الحقوقي البحريني) يقضي عقوبة ظالمة في معتقلات حفتر، ومعتقلو قضية كرداسة الذين ينتظرون تنفيذ حكم الإعدام في أي لحظة ... حكم عليهم قاض حوثي، وسيطبق عليهم الإعدام في تل أبيب، والشيخ رائد صلاح يعاني من سلطة آل سعود !

برغم انعدام أخلاق أعدائنا وبذائتهم نراهم صفا واحدا في مواجهتنا، ونراهم برغم سطحيتهم يتناسون كل أحقادهم وخلافاتهم حين يتحتم عليهم خوض أي مواجهة معنا.

أما نحن ... فما زلنا في الدوامة نفسها، ويمر الوقت، وتضيع الفرصة تلو الفرصة.

*       *       *

لا لوم على هؤلاء أن استغلوا هذا الزمن لصالحهم، بل اللوم على من ترك لهم زمنا كاملا كان ينبغي أن يختبؤوا فيه كالجرذان، فإذا بهم قد ملكوا الدول، وسكنوا القصور، وفرضوا قيم البذاءة والانحطاط على أمة كاملة.

من الطبيعي أن نصل إلى الدرك الأسفل قبل أن نبدأ في التحليق في السماء، وكل ما يحدث الآن دليل على أن زمنا آخر يوشك أن يطل.

المواطن المصري (زملكاوي بطبعه)، ولكنه يستطيع أن يتعلم معنى الانتصار، وأن يعود إلى ماضيه الذي كان.

هذا الزمن البذيء سيمر، إنه زمن مرتضى ... وبإمكاننا أن نجعل هذا الزمن نهاية عصر البذاءة ... إذا اتحد الشرفاء !

 

عبدالرحمن يوسف

رابط  المقال على موقع عربي 21