قراصنة!

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 16-9-2018 م

مصر سفينة مختطفة ... قفز على متنها عصابة من القراصنة، بعضهم اليوم يرتدي زي الجيش، وبعضهم يرتدي زي الشرطة، وبعضهم يظهر برداء القضاء، وآخرون يتزينون بعمامات رجال الدين، أو يبتسمون أمام الكاميرات كمذيعين وضيوف على البرامج التلفزيونية والإذاعية.

هذا ما شعرت به حين قرأت أن السلطات المصرية قد أعلنت يوم الثلاثاء 11 سبتمبر/أيلول 2018، مصادرة أموال 1589 شخصاً زعمت أنهم من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، من بينهم كاتب هذه السطور وأسرته، ومئات من المتهمين الذين ينتمي بعضهم للإخوان، وبعضهم لا علاقة له بدنيا السياسة أصلا !

بهذا القرار استولت الحكومة على مئات المليارات من أموال حرام، يقدرها البعض بأكثر من ثلاثمائة مليار جنيه !

القرار شمل أفرادا، وجمعيات، وشركات، ومؤسسات، ومستشفيات، ومواقع إلكترونية وغير ذلك.

نص القرار على ضم هذه الممتلكات إلى خزينة الدولة، وهو الأمر الذي لا يعلم أحد على وجه الدقة معناه، أو كيف سيتم تفسيره وتنفيذه من قبل الميليشيات المسلحة التي تحتل مصر باسم الوطنية.

*       *       *

لن أتحدث عن حقارة القرار، وأنه سرقة في وضح النهار لأموال مواطنين أبرياء لم يثبت في حقهم أي تجاوز أو مخالفات قانونية من قبل أي سلطة قضائية شبه محترمة، وأنه ليس سوى حلقة في مسلسل هدفه تصفية حسابات سياسية من قبل مجموعة القراصنة المدججين بالغباء العسكري العربي، والسلاح الأمريكي والأوروبي والروسي.

سأتحدث عن كيفية مقاومة هذا القرار، فهو تطور خطير لم يحدث من قبل في تاريخنا الحديث، ولا بد من مواجهته، فهذه معركة (ينبغي أن تخاض)، والمجرم الذي تجرأ على هذا الأمر لا بد أن يتراجع، أو على الأقل أن يدفع الثمن.

*       *       *

إن التصرف السليم في مواجهة عملية السطو المسلح التي تتم الآن يكون من خلال حملة دولية لها جوانب ثلاثة، الأول : يتعلق بالجانب الإنساني، من خلال رسائل قصيرة ومركزة للرأي العام المصري بالدرجة الأولى، ثم الرأي العام العربي، وصولا إلى الرأي العام الدولي.

رسائل توضح حقيقة الظلم الواقع (إنسانيا)، وكيف أن أناسا أبرياء سيفقدون بيوتهم التي بنوها وعاشوا فيها لعشرات السنين، ومؤسساتهم التي أسسوها وعملوا لإنجاحها، وكيف أن آلاف العمال والموظفين سيتم تسريحهم.

لا بد من قصص إنسانية تظهر كيف سيعاني مئات الآلاف من القرار، وعن مدى الظلم الذي حدث ويحدث وسيحدث إذا استمر هؤلاء القراصنة متحكمين في دفة السفينة التي اختطفوها.

إن هذا النوع من الرسائل (بشرط أن يقوم به مختصون يوصلون الرسائل بفاعلية) يصل إلى قلوب الناس بشكل أكثر فاعلية، وتأثيره أكبر بكثير من القضايا السياسية والحقوقية.

*       *       *

الجانب الثاني : الجانب الاستثماري

وهي باختصار رسالة إلى عالم المال والأعمال في كل مكان في العالم توضح حقيقة المخاطر الاستثمارية في مصر !

بلا أي مبالغات أو تهويل، يتم شرح القرارات التي اتخذتها سلطة القراصنة ضد المواطنين ورجال الأعمال الشرفاء، وكيف أن هذه القرارات كانت بلا دليل، وبلا إجراءات قضائية، وبلا أي شكل من أشكال النزاهة أو الاحترام.

ليس صعبا أن نظهر للعالم كله كيف أنه بجرة قلم فقد عشرات رجال الأعمال مئات المليارات التي جمعوها بكدهم وعرقهم منذ سنوات طوال، وكيف أن مؤسسات ناجحة لم يعرف عن أصحابها أي توجهات سياسية، ناهيك عن أي انتماء للإخوان، فضلا عن دعم الإرهاب، ورغم ذلك تمت مصادرة أموالهم وبعضهم أصبح سجينا في ظروف لا يحتملها إنسان.

كل رجال الأعمال في العالم كله ينبغي أن تصل لهم حقيقة (مخاطر الاستثمار في مصر)، وأن الاستثمار في مصر حاليا ليس مجرد دراسة جدوى اقتصادية تتعلق بالربح والخسارة، بل هو عملية شديدة التعقيد تتعلق بحسابات سياسية لا يعلم أحد على وجه الدقة أولها من آخرها.

*       *       *

أما الجانب الثالث : هو كشف حقيقة المؤسسة القضائية المصرية

إن القاضي يحكم باسم الشعب، وبالتالي ينبغي أن يكون (منتخبا) بشكل أو بآخر (كما هو الحال في العالم كله) !

ومن أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي أمة أن يصبح القضاء مجرد عملية توظيف روتينية يتدرج فيه من يدخل فيه بشكل طبيعي.

أما أسوأ ما يمكن أن يحدث لأي أمة أو شعب ... أن يتم اختيار القضاء من قبل أجهزة أمنية يرأسها مجموعة من القراصنة، فهم يختارون قراصنة مثلهم، قتلة لتبرير أحكام الإعدام، ولصوصا لتفعيل قرارات المصادرة والتأميم، وبلطجية لتنفيذ قرارات السجن، وسفلة لإصدار قرارات تصم الشرفاء في ذمتهم المالية والسياسية.

إن كشف المؤسسة القضائية المصرية ينبغي أن يتم بلا أي شكل من أشكال الكذب أو التشهير، بل بعرض الحقائق فقط على العالم كله، والملف متخم بآلاف القضايا والأحكام التي تثبت أن المؤسسة لا تصلح لأداء دورها، وأن غالبية القائمين عليها ليسوا أكثر من أعضاء في عصابة القراصنة التي اختطفت سفينة مصر.

لو قامت هذه الحملة بشكل مدروس، سيتراجع القراصنة عن قراراتهم، وإذا لم يتراجعوا فسوف يدفعون أثمانا فادحة، أقلها إغلاق باب الاستثمار الأجنبي في مصر، أما أفدحها فهو إهدار الأحكام القضائية المصرية أمام العالم كله، وهو أمر لو تعلمون عظيم.

*       *       *

ملحوظة : الأمر بالقبض على علاء وجمال مبارك – ومعهما حسن هيكل – ليس أكثر من دليل جديد على أن السيكوباتي الجالس في قصر الحكم في حالة رعب كامل.

الخلاص منه ضرورة المرحلة، والتوحد ضده يجمع كل الشرفاء، ومؤخرا ... أصبح مصلحة لكثير من اللصوص والخونة !

عبدالرحمن يوسف

رابط  المقال على موقع عربي 21