إلى أين يذهب العرب؟

المقال منشور على موقع عربي 21 بتاريخ 26-8-2018 م

تداول الكثيرون صورة الكعبة المشرفة وقد انكشفت حوائطها، بعد أن هبّت رياح مفاجئة بعد فكّ أستارها قبل تغيير كسوتها في الموعد المرتقب كل عام.

مع الرسالة أرسل الكثيرون تعليقا تاريخيا ذكيا، فتناقل الناس ما كتبه الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية وفي أحداث سنة ٦٤٤ه‍  ما نصه :

"وفيها – أي في هذه السنة – هبّت رياح عاصفة شديدة بمكة في يوم الثلاثاء من عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَأَلْقَتْ سِتَارَةَ الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ، وَكَانَتْ قَدْ عَتُقَتْ، فَإِنَّهَا مِنْ سَنَةِ أَرْبَعِينَ لَمْ تُجَدَّدْ لِعَدَمِ الْحَجِّ فِي تِلْكَ السِّنِينَ مِنْ نَاحِيَةِ الْخَلِيفَةِ، فَمَا سَكَنَتِ الرِّيحُ إِلَّا والكعبة عريانة قد زَالَ عَنْهَا شِعَارُ السَّوَادِ، وَكَانَ هَذَا فَأْلًا عَلَى زَوَالِ دَوْلَةِ بَنِي العبَّاس، وَمُنْذِرًا بِمَا سَيَقَعُ بَعْدَ هَذَا مِنْ كَائِنَةِ التَّتَارِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى" ! (البداية والنهاية -مكتبة المعارف ببيروت - ط07-  ج13 - ص 170-171).

لا شك أن ملايين العرب والمسلمين يواصلون الدعاء ليل نهار على أسرة آل سعود بأن يزيل الله ملكهم، ويستبشرون بكشف أستار الكعبة، ولكن لا أحد يلاحظ أن التتار قادمون !

*       *       *

العرب ذاهبون إلى مهلكة، أنظمة ستنهار، لقد دقت طبول التغيير، وهو تغيير شامل، ستزول معه دول وممالك، ولا شك أن تغييرا شاملا في منطقة بهذا التعقيد سيستغرق وقتا ليس بالقصير، خصوصا مع وجود أنظمة بهذه الحقارة، فهي على استعداد تام للتعاون مع إسرائيل ومع كل أعداء الأمة ضد شعوبها، كما أنها تعتبر تجربة البراميل المتفجرة في سوريا نموذجا (ملهما) للدولة الوطنية والحكم الرشيد !

لقد تخلف الوطن العربي حين تخلفت مصر، فتقدمت دول كالمملكة العربية السعودية، ودولة المؤامرات العربية المتحدة لمحاولة شغل الفراغ الناتج عن تراجع الدور المصري، وقد فشلت هذه الدول في ذلك فشلا ذريعا، وليس ذلك بغريب، فملء دور مصر أمر في غاية الصعوبة.

*       *       *

وما زال الدور المصري يتراجع، ورغم تراجعه ما زال ملهما (حتى في تراجعه) !

فترى النظام المصري قد سنّ سُنة من أقذر ما يمكن، فتراه يعتقل أقارب الخصوم السياسيين الذين لا تصل إليهم يديه، كما حدث مع عشرات المعتقلين الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أقرباء لبعض الشخصيات السياسية.

كان آخر هؤلاء الناشط السياسي الأستاذ سامح سعودي، حيث توجهت قوات الأمن إلى منزله لاعتقاله، إلا أنه لم يكن متواجدا، فقامت بالقبض على زوجته وأبنائه الاثنين (أحدهما في الخامسة، والثاني في السابعة) !

مصر اليوم تصدّر خبرات ميليشياتها المسلحة التي ترتدي زي الشرطة، لكي تقتدي بها جميع الميليشيات المسلحة في الوطن العربي.

هذا السلوك لا تقوم به أي دولة، ولا يمكن وصف من يقوم باعتقال النساء والأطفال عقابا لأبيهم سوى بأنها ميليشيات مسلحة تعمل خارج نطاق القانون.

في السجون اليوم عشرات وربما مئات من أقرباء السياسيين، أناس لا ذنب لهم، ولا ناقة لهم ولا جمل في الحرب الدائرة اليوم، على رأسهم أخت كاتب هذه السطور السيدة علا القرضاوي وزوجها المهندس حسام خلف، وكذلك أقرباء السيدة غادة نجيب وزوجها الفنان هشام عبدالله، وأقرباء المذيع المحترم معتز مطر، وأقرباء المذيع المحترم محمد ناصر، وغيرهم وغيرهم.

*       *       *

الأنظمة العربية الكبرى اليوم ليست أكثر من خشب مسندة، يسند بعضها بعضا، ويدعم بعضها بعضا، وانهيار أحدها – وهو أمر غير بعيد – سيتبعه انهيار الجميع، وكلما زاد البطش كلما اقتربت ساعة الانهيار.

المملكة السعودية سلّمت أمرها لشاب أرعن، وهو في طريق الهلاك ماض، فأدخل المملكة في مغامرات عسكرية لا يدرك عقله الصغير احتمالات نجاحها، أو أبعاد فشلها، وقد تسببت مغامراته العسكرية مع مغامراته في تغيير الأنظمة التي لا تعجبه في دول أخرى أهمها مصر في استنزاف خزائن الدولة، وسخط الشعب السعودي اليوم بعد أن انقلب حال السعودية من النقيض إلى النقيض في ازدياد، ولا أحد يستطيع أن يدرك على وجه اليقين كم تبقى من عمر هذه الدولة التي خربها الظلم.

ومصر أيضا في حالة مماثلة، فالحكم العسكري أوصل البلاد إلى الدرك الأسفل من الفقر والجهل والمرض، إنها حالة انحطاط لا مثيل لها في التاريخ الحديث.

ولا أحد يدرك عواقب انهيار النظام في ظل الفراغ الحادث بسبب حالة البطش المستمرة منذ الثالث من يوليو، فالانقسام المجتمعي الذي ضرب مصر من قمتها إلى قاعها ينذر بحالة من الفوضى العارمة ستحدث في حالة انهيار هذا النظام (وانهياره بسبب فشله وبطشه يبدو قريبا).

*       *       *

لو أن هذه الأنظمة اتخذت قرار التغيير من نفسها لما قامت ثورات الربيع العربي، ولو أنها استجابت – ولو جزئيا – للربيع لما وصلنا إلى تلك الحالة المزرية التي وصلنا لها.

أسوأ ما في الأمر أن الحالة التي تعانيها الأمة العربية اليوم ليست نهاية المطاف، فما زالت هذه الأنظمة العميلة تخطط لمزيد من الإفقار والإذلال، ولا شك أن الانفجار قادم.

لقد انكشفت أستار الكعبة كما حدث في عام 644 من الهجرة ... ولكن لا أحد يدري متى سيأتي التتار ... ولا أحد يدري إلى أين يذهب العرب !؟

المقال على موقع عربي 21