وثائق الرئيس

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 22-7-2018 م

السيدة مارينا غروس ... تعمل مترجمة في الخارجية الأمريكية، ولها تاريخ طويل في عملها مع كثير من الشخصيات الهامة في إدارات متعددة حكمت الولايات المتحدة.

هي اليوم في موقف صعب، فهي الشخص الأمريكي الوحيد الذي حضر لقاء بوتين وترامب الأسبوع الماضي، هذا اللقاء الذي أمضى فيه الرئيسان أكثر من ساعتين وحدهما، حيث لم يحضر الاجتماع سوى مترجم لكل رئيس.

عضوان في الكونجرس يطالبان بمثول السيدة غروس شخصيا للإدلاء بشهادتها أمام المشرعين لمعرفة حقيقة ما جرى في هذا الاجتماع.

دفتر ملاحظات السيدة غروس أصبح مرجعا للأمة الأمريكية، وأصبح مطلوبا لمعرفة الحقيقة.

*       *       *

حين قرأت هذه الأخبار قارنت بين ما يجري هناك ... وما يجري هنا !

في أوطاننا لا أحد يعلم ما يحدث في اجتماعات الرئيس، لا أتحدث عن رئيس جمهورية الأمر الواقع عبدالفتاح "سيسي"، بل أتحدث عن أي رئيس، عن كل رئيس !

لا يوجد أرشيف للرئاسة تستطيع الأمة من خلاله أن تعرف ماذا جرى؟ أو ماذا يجري؟ لكي تتوقع أو تستشرف بعد ذلك ما سيجري.

لا يملك أحد أو جهة واجب أو حق مراجعة أرشيف الرئاسة، ولا يجرؤ أحد أن يطالب بالنظر في أرشيف الدولة وخاصة مؤسسة الرئاسة.

*       *       *

أرشيف الرئاسة سر مكنون، يظهر منه ثلاثة أنواع من الوثائق :

النوع الأول : ما يشاؤه الرئيس الحالي ... وفي العادة يظهر منه أوراق بروتوكولية لا طائل من ورائها، ولا معنى لعدم ظهورها، فهي قرارات روتينية تنشر في الصحف وفي الجريدة الرسمية أيضا.

النوع الثاني : ما يشاؤه الرئيس التالي للرئيس الحالي !

وفي العادة تكون نوعا من تشويه السمعة، أو محاولة هدم الصنم لتفريغ الساحة لبناء صنم جديد.

وهذه المستندات تكون في العادة محدودة، من ناحية الكم ... والجدوى.

النوع الثالث : ما ينشره أعداؤنا !

وهذا هو المعوَّلُ عليه، فأرشيف أعدائنا هو الحافظة الحقيقية لتاريخ الدولة المصرية، وبالذات مؤسسة الرئاسة.

*       *       *

الغريب في الأمر أن تجد جميع الأنظمة في جميع الدول العربية – بلا استثناء يذكر – تتواطأ في مسألة إخفاء حقيقة ما يجري في القصور من مفاوضات ومساومات على استقلال الأمة، وعلى ثروات الوطن.

فتجد الأنظمة الجمهورية تخفي حقيقة الأنظمة الملكية وفضائحها، ومهما ظهر من الفضائح في لحظات الخلاف فإن ما يظهر لا يمثل عشر معشار الحقيقة، كما أنه لا يمسّ رؤوس النظام الكبرى.

وستجد كذلك الأنظمة الملكية مهما بلغ خلافها مع الأنظمة التي تزعم أنها جمهورية لا تظهر فضائح الرؤساء، ولا فسادهم، ولا الهدايا والرشاوى التي يحصلون عليها هم وأبناؤهم وحاشيتهم من أموال البترودولار.

هناك اتفاق (جنتل مان) بين تلك الدول على أن تظل الشعوب عمياء، وهؤلاء قوم لا عهد لهم ... إلا حين يتعلق الأمر بمعكوس مصلحة الشعب ... حينها ستجد منهم كل الوفاء !

*       *       *

إذا أردت أن تعرف حقيقة ما جرى في مفاوضات كامب ديفيد فاقرأ سجلات الأمريكان، وإذا أردت أن تعرف المعاهدة نفسها فاتجه إلى سجلات إسرائيل، وإذا أردت أن تعرف حقيقة النكسة فاقرأ مذكرات قادة دولة الاحتلال، وإذا أردت تفهم ما حدث في أوطاننا في كثير من الأحداث الكبرى فتأكد أنك لن تجد وثائق ومستندات إلا في خزائن الأعداء، أما خزائن دولنا وأرشيف قصورنا الرئاسية والملكية ... فهي مؤسسات لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يوجد فيها إلا المجد، والعزة، وكل هزائمنا وخيباتنا لا أثر لها في أرشيف هؤلاء، اللهم إلا بعبارات تلقي اللوم على المؤامرة الداخلية والخارجية، وتعفي الرئيس الصنم من تهمة الخيانة، أو على الأقل من المسؤولية كالرجال.

*       *       *

قد يسأل سائل ... وما فائدة أرشيف الدولة وعلى رأسها الأرشيف الرئاسي؟

الحقيقة إن هذا الأرشيف هو أحد ضمانات أن لا نقع في الأخطاء نفسها التي وقعنا فيها من قبل، وكلفتنا آلاف القتلى والجرحي، وعشرات السنين من التخلف والمعاناة.

كما أن هذا الأرشيف هو حق الأمة في أن تعرف تاريخها ... حق المعرفة للأمة مقدس، ولا يراوغ في هذا إلا عدو للشعب، لذلك بإمكانك أن تعرف مدى وطنية من أمامك من أفراد أو جماعات أو مؤسسات من موقفهم من (قوانين حرية تداول المعلومات)، ويبدو أن الغالبية قد رسب في هذا الامتحان في مراحل كثيرة.

*       *       *

الغريب أن ما تراه لدى الأنظمة والدول تراه أيضا لدى المعارضة بأنواعها المختلفة، ففكرة أرشفة "ما حدث"، وكتابة التاريخ بدقة ... فكرة منبوذة لدى غالبية الجماعات المعارضة في الوطن العربي كله (من غالبية الاتجاهات الفكرية).

لذلك تجد هذه الجماعات تقع في الأخطاء ذاتها، جيلا بعد جيل، وكأنهم ذباب لا يتعلم أبدا أن هناك اختراعا اسمه (الزجاج)، وهؤلاء أيضا لا يتعلمون أيضا أن هناك أشياء اسمها (انقلاب عسكري)، (أمريكا)، (إسرائيل) ... فيظلون يرتطمون في مشاكل الواقع كما يرتطم الذباب في الزجاج ... الخ

تحرص الجماعات المعارضة على كتابة تاريخ نقي، لا يدين أيا من قياداتها، وليس فيه أي مراجعة لما حدث، فتختفي أحداث، وتخترع أحداث، وتصغر أحداث، وتكبر أخرى ... كل ذلك لكي لا يدان أحد، وتكون النتيجة أن تتكرر المآسي والكوارث لأن أحدا لم يتعلم مما جرى.

*       *       *

في وقت قريب ... سنلجأ إلى أعدائنا لنعرف بعضا مما الذي جرى في مصر منذ الخامس والعشرين من يناير 2011 إلى الحادي عشر من فبراير من العام نفسه.

وفي وقت قريب ... سنلجأ لأرشيف الآخرين لمعرفة بعض مما حدث في مصر في الثالث من يوليو 2013 وما بعده.

سنلجا لأرشيف إسرائيل لمعرفة ما حدث في سيناء، ولليونان وقبرص لمعرفة ما حدث في حدودنا في شرق المتوسط، ولإثيوبيا لمعرفة حقيقة ما تم في مفاوضات سد النهضة، ولإسرائيل لمعرفة ما جرى في شأن تيران وصنافير ... وهكذا حتى نصل إلى لحظة التغيير الحقيقية (وهي قريبة).

وفي النهاية ... أرشيفنا محفوظ ما دام الأرشيف الإسرائيلي محفوظا (بغض النظر عن قدرتنا على الوصول إليه) !

*       *       *

إن أرشيف الدولة والأرشيف الرئاسي بالذات ملك للأمة ... ومرور كل هؤلاء الخونة أو الفشلة أو السُّذَّج بهذا المنصب يجعل من كل شريف يستطيع أن يدوِّن أو يصوِّر ورقة واحدة من هذا الأرشيف بطلا قوميا له كل الاحترام.

رابط المقال على موقع عربي 21