كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد !

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 15-7-2018 م

في البداية لا بد أن أنبه القارئ الكريم أنني سأستخدم كلمة (كُلُّنَا)، ولكن ليس بمعناها الحرفي الدقيق، فما أقصده حين أقول (كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) هو (غالبيتنا) أو (كثير منا)، وهو أمر لن يفوت القارئ الذكي، ولكن لا ضرر من التنويه.

*       *       *

شاء الله أن تتعرض أسرة خالد سعيد إلى كثير من المحن، وأن تتحول هذه الأسرة إلى نموذج مصغر من المصريين في هذا العصر الأسود.

دائما أرى في هذه الأسرة نموذجا ينطبق على غالبية الشعب المصري، فقد تعرضت هذه الأسرة لاختبارات تعرض لها عشرات الملايين من هذا الشعب، من عصر مبارك إلى اليوم.

لقد رفع شباب الثورة شعار (كُلُّنَا خالد سعيد) حين قتل هذا الشاب المصري ظلما، وقامت من أجله سلسلة من الفعاليات الاحتجاجية التي كانت خطوة مهمة قبل أن يتجمع ملايين الشباب في ميادين التحرير في مصر، ثم الوطن العربي كله.

ولكن ... كيف أصبحنا اليوم (كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد)؟

*       *       *

(كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) في عصر المخلوع مبارك !

لا يفوت القارئ الكريم أن جميع المصريين (وأقصد غالبيتهم أيضا) في عصر مبارك كانوا في موقع المفعول به، لا ثمن لدمائهم، ولا كرامة لهم ... وهذا ما حرك ملايين الشباب مع مقتل الشاب (خالد سعيد)، فهو يشبههم جدا.

إنه شاب مصري (غير مسيّس)، لم يعرف له أي نشاط في العمل العام، وأسرته كذلك ليس لها أي اشتغال بالسياسة، وغالبية الأسرة ليست مرتبطة عضويا بمصر، كثير منهم يعيش خارج البلاد أصلا، وحاصلون على جنسيات أخرى.

إن هذه الأسرة حالة نموذجية للمصري المسالم الذي يمشي (جنب الحيط)، ورغم ذلك قتل هذا الشاب ظلما، ودون أي جريمة، بدم بارد، لأنه مصري ... لا أكثر.

(كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) ... لا ثمن لأبنائنا، وشعرنا بهذا الإحساس في عصر مبارك بشكل أم بآخر.

*       *       *

بعد اندلاع ثورة يناير أكّدت الأحداث أن (كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) !

لقد فرحنا بالثورة، واستبشرنا خيرا، وغَرَّنا خلع مبارك، وبدأنا بمتابعة الشأن العام باهتمام، وبدأت تزرع فينا بعض الأفكار (كلٌّ حسب توجهاته)، ومع الوقت وبسبب أخطاء النخب السياسية، وبسبب خطة الثورة المضادة ... أصبحنا نعيش حالة الاستقطاب السياسي دون فهم المعنى الحقيقي للمعركة، ودون معرفة أهداف من يؤثرون في الجماهير، ودون إدراك عواقب الأمور.

لقد وقعت السيدة (أُمُّ خالد سعيد) في فخ الاستقطاب ... مثلنا جميعا !

*       *       *

(كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) حين وصل الإخوان للحكم، فقد ابتلعنا الاستقطاب السياسي !

ازدادت حرارة الخلافات السياسية، وذقنا جميعا مرارات كثيرة، فرفاق الميدان وصلت بهم الخلافات إلى حد تبادل إطلاق النيران (كما حدث في أحداث الاتحادية، (والتي ثبت لاحقا أن طرفا ثالثا هو من أطلق النيران فيها، وهو من قتل الشهيد الحسيني أبو ضيف ورفاقه من الطرف الآخر).

لقد غرقنا في الاستقطاب مثل السيدة (أُمُّ خالد سعيد)، وهي اعتبرت أن وعد الرئيس المنتخب محمد مرسي لها (في قصر الاتحادية) بالقصاص لابنها مجرد كلام، ومع مرور الوقت بلا أي بادرة للقصاص، ومع استمرار إعلام الثورة المضادة في العمل، ومع إصرار بعض السياسيين (من أعداء الإخوان) في توصيل صورة غير حقيقية لها ... اتخذت موقفا علنيا ضد مرسي وجماعته، وهي تظن أن ذلك عمل وطني، وأن ذلك من أجل شهداء ثورة يناير (وعلى رأسهم ابنها خالد).

*       *       *

(كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) بعد الانقلاب اللعين في الثالث من يوليو 2013، فقد أصبح الجميع مع أحد الفريقين ... مع (سيسي) أو (مرسي)، ولا يكاد يوجد بيت مصري واحد دون ناج من هذا الاستقطاب الاجتماعي السياسي الذي لم تعرف له البلاد مثيلا في عصرها الحديث.

لقد خدعت السيدة (أُمُّ خالد سعيد)، تماما مثل غالبية المصريين !

لقد أشادت بالسفاح، وكذب عليها الإعلام في شأن جرائم النظام، وصدّقت ذلك بطيب نية، فهي امرأة لا علاقة لها بالسياسة وألاعيب شياطين المخابرات العسكرية، ولا تتخيل أن هناك بشرا بهذه الخسة، وكانت – حتى بعد الانقلاب بشهور طويلة – تظن أن دم ابنها لن يضيع هدرا، وأن القيادة "الحكيمة" ستشفي صدور أهالي الشهداء جميعا.

*       *       *

(كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) حين اكتشفنا الخدعة !

إنها الحقيقة ... لقد خدعنا جميعا !

بعضنا ظن أن "سيسي" وزير دفاع بنكهة الثورة، وبعضنا ظن أنه لن يترشح للرئاسة، وأنه زاهد في السلطة، وبعضنا ظن أن في الجيش رجالا كالذهب، وبعضنا ظن أن إسقاط الإخوان (أعداء الدولة المدنية والحداثة) سيفتح أبواب الحرية والديمقراطية، وبعضنا ظن أن رابعة اعتصام مسلح، وأن فض اعتصام رابعة تم دون خسائر، وأن الإخوان قد فبركوا أكاذيب ... الخ الخ

لقد خدعنا جميعا ... بطريقة أم بأخرى ... لم ينج أحد من الخديعة ... ونحن في هذا الموقف بالذات نشبه تلك السيدة، وينطبق علينا شعار (كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) !

*       *       *

بعد اكتشافنا للخديعة بدأت تنهال علينا السهام من المعسكر الآخر في كل مناسبة !

أذا كنت من أنصار مرسي، سيزايد عليك الفريق الآخر في ذكرى ثورة يناير لأن مرسي قال (الشرطة في القلب من ثورة يناير)، حتى إذا كنت ترى أن تلك الجملة لا تعبر عنك، وأن قائلها كان مخطئا !

وإذا كنت ممن نزلوا في الثلاثين من (سونيا) سترى الفريق الآخر يشمت ويشتم مع كل كارثة تحل بعوام الناس، سواء من رفع أسعار، أو من انهيار خدمات، أو حتى من كوارث طبيعية.

كلا الفريقين جاهز للشتيمة والشماتة في الطرف الآخر ... بلا أدنى رحمة !

في هذا الموقف أيضا (كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) ... فها هي السيدة المسكينة تتعرض إلى شماتة لا مثيل لها، بعد أن ظهرت حقيقة النظام، فهي متهمة اليوم بأنها (باعت دم ابنها) !

والحقيقة أنني لا أفهم كيف يتهم إنسان عاقل سيدة كهذه بأنها (باعت دم ابنها) ... فإذا كانت قد باعت ... فأين هو الثمن؟ ما الذي كسبته هذه السيدة أصلا؟

إن السيدة (أُمُّ خالد سعيد) اضطرت للسفر خارج مصر، بعد أن أصبحت ثورة يناير تهمة، وبعد أن استغلها (أو حاول استغلالها) غالبية من عرفوها، ولا أستثني من ذلك سوى فئة قليلة من شباب طاهر من شباب ثورة يناير الأوائل.

لقد غادرت مصر مع عائلتها، لا أقول دون أن ترى قصاصا لابنها ... بل دون أن ترى شهادة وفاة ابنها أصلا، فخالد سعيد لم تصدر له شهادة وفاة حتى اليوم !

ومع الإهانات التي توجه لكل المحسوبين على ثورة يناير، ومع عدم الشعور بالأمان في بلد تحكمه الثورة المضادة ... تعبت تلك السيدة، وعانت من الأمراض، ولأنها مصرية مثل جميع المصريين، كانت ضحية علاج خاطئ، ثم ظهر ورم سرطاني في مرحلة متأخرة، كل ذلك أدى إلى قرار ترك البلاد.

غالبية من شاركوا في هذه الثورة يشبهون السيدة (أُمُّ خالد سعيد) !

لقد كانوا يعيشون حياتهم دون اهتمام بالسياسة، وشاركوا في الثورة بمشاعر وطنية بريئة طاهرة، وخسائرهم الناجمة عن المشاركة فادحة، وخسائرهم بسبب فشل الثورة أفدح.

غالبية من شارك في هذه الثورة تعرض لخديعة كبرى ... في عدة مراحل ...!

وغالبية من عاش مرحلة انتصار الثورة المضادة يتعرض للشتم والشماتة من أنصار النظام قليلا، ومن زملاء الثورة أكثر !

هذه الأسرة المنكوبة ... وهذه السيدة المخلصة المخدوعة ... تمثل المصريين !

لم تبع دم ابنها، ولم تحصل على قصاصه، ويشمت فيها من يظنها قد باعت، واضطرت لترك بلدها الذي تحبه !

أعرف أن كثيرين ستعميهم غشاوات الاستقطاب والتحيز عن فهم هذه المقالة ... ولكني أقول مؤمنا ... (كُلُّنَا أُمُّ خالد سعيد) !

رابط المقال على موقع عربي 21