في انتظار المستحيل!

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 1-7-2018 م

وحلّت ذكرى الثلاثين من يونيو مرة أخرى، يقول البعض (ثورة الثلاثين من يونيو)، ويقول آخرون (سهرة تلاتين سونيا)، ويقول فريق ثالث (تظاهرات سلمية أدت في النهاية إلى انقلاب عسكري بسبب فشل جميع النخب السياسية في توحيد طريقة التعامل مع الدولة العميقة بالطريقة التي أسقطت مبارك).

بعض أنصار الدكتور مرسي الرئيس الذي عزله الانقلاب ... يرون أن الزمن بدأ عند الثلاثين من يونيو، فيذكرون خطايا خصومهم منذ ذلك التاريخ، وينسون أخطائهم وخطاياهم قبله.

وبعض معارضي الدكتور مرسي وجماعته يرون التاريخ قد انتهى عند الثلاثين من يونيو، فيذكرون أخطاء مرسي والإخوان قبل الثلاثين من يونيو، وينسون كيف وقعوا في الأخطاء نفسها بعد ذلك التاريخ.

وعند التدقيق ... ستجد كل فريق وقع فيما وقع فيه صاحبه، كل في فترة زمنية مختلفة، الفروق شكلية، كمية، ليس أكثر.

*       *       *

يقولون: لا بد للإخوان أن يعتذروا، فهم السبب فيما وصلت إليه الأمور، ولولا أنهم فعلوا كذا لما حدث كذا ...!

ويقول الطرف الآخر ... لا بد لكل من شارك في سهرة تلاتين سونيا من الاعتذار، فلولا أن هؤلاء كانوا غطاء للعسكر لما تمكنوا من الانقلاب على أول تجربة ديمقراطية، ولما عزل أول رئيس منتخب في تاريخ مصر القديم والحديث ...!

إذن ... كلا الطرفين يتوقع من الطرف الآخر أن يجلس على كرسي الاعتراف (وأن يشبك يديه كطفل عوقب بحرمانه من ساعة الفسحة)، ثم يتلو بيان اعتذار يرضي الطرف الآخر.

ويطالب البعض أيضا بضرورة أن يعتزل بعض الأشخاص أو الجماعات العمل السياسي، تكفيرا عن خطايا هذه المرحلة، أو اتقاء انقلاب عسكري آخر.

وأنا بدوري أسأل الطرفين وكل المهتمين والمتابعين: هل حدث مثل هذا الاعتذار من قبل في تاريخ تجارب التحول الديمقراطي في العالم كله؟

أتحدث عن اعتذار علني من طرف كان شريكا في الحكم، أو طرف كان جزء من المعارضة.

وهل حدث أن اشترط طرف على طرف ضرورة اعتزال العمل السياسي؟

*       *       *

من خلال متابعة تجارب التحول الديمقراطي في العالم أستطيع أن أقول إنني لا أذكر أي تجربة فيها اعتذار مماثل (أو شبه مماثل)!

أتحدث عن التجارب الناجحة، أتحدث عن التجارب التي أدت إلى دول ديمقراطية بعد عهود من الاستبداد والحكم العسكري.

التاريخ يقول إن مثل هذه الاعتذارات لا يمكن أن تحدث، وأن مطالبة طرف لآخر بها هو نوع من عرقلة الحلول الواقعية الممكنة.

هناك اعتذارات سياسية كثيرة، بعضها من حكام مهزومين، وبعضها من زعماء سياسيين فاشلين، ولكن لم يحدث في تجارب التحول أن اعتذر فصيل لفصيل، أو حزب لحزب، ولم يحدث كذلك أن اعتذر تيار ما لشعب ما عن أي شيء من هذا القبيل الذي نتحدث عنه (أعني عن انقلاب عسكري أو ما شابه)!

*       *       *

في تشيلي على سبيل المثال ... تحالفت أطياف المعارضة بعد سنوات من الشقاق دون أن يعتذر أحد لأحد!

بعد انقلاب سبتمبر 1973 تحالفت أحزاب اليسار (وهي الأحزاب التي كانت تناصر الرئيس الماركسي "إييندي" الذي تم الانقلاب عليه) مع أحزاب اليمين، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي المسيحي (وكان ذلك الحزب مسؤولا عن استدعاء العسكر ضد الرئيس المنتخب).

لقد جمعتهم المصلحة الكبرى للوطن، وبعد سنوات من التراشق، وبعد أن حمّل كل طرف صاحبه مسؤولية الانقلاب العسكري ... توصلا لاتفاق سياسي، وحين حدث ذلك سقط الطاغية المستبد المنقلب (بينوشيت) بالتدريج، وبدأت تجربة تحول ديمقراطي نتج عنها دولة قوية، وشعب يعيش في رفاه وعزة.

ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم ... لم يعتذر أحد لأحد!

*       *       *

ومن خلال تجارب التحول الديمقراطي الناجحة نستطيع أن نقول إنه لم يحدث اعتزال للعمل السياسي من فصيل أو حزب أو قيادات سياسية ... إنه أمر يصعب التعهد به، فهو يحدث تدريجيا وطبقا لطبائع الأمور، ولا يمكن أن يشترطه طرف على طرف.

في تركيا على سبيل المثال حلّت المحكمة الدستورية – في عهود الاستبداد – العديد من الأحزاب السياسية، وكذلك حظرت الانقلابات العسكرية العديد من الأحزاب، ومنعت كثيرا من السياسيين من ممارسة العمل العام لسنوات، وتمر الأيام وتعود هذه الأحزاب بأسماء جديدة، ويعود المحظورون إلى العمل مرة أخرى، وقد ينتخبهم الناس، أو لا ينتخبهم أحد.

ولم يطالب أحد باستمرار حلّ أحزاب بعينها، أو باستمرار منع أشخاص بأعينهم، ووصل هؤلاء (الممنوعون) إلى الحكم فيما بعد!

*       *       *

إن مشكلة مصر اليوم ليست في اعتذار يقدمه أحد لأحد، ولا في ضروة أن يتعهد باعتزال طرف للعبة السياسية (بعد أن تتغير الظروف)، بل المشكلة أن نخبتنا السياسية قد فقدت أخلاق المسؤولية الوطنية، وأصبحت غير قادرة على تقديم البدائل، لذلك تكتفي جميع الأطراف بإدانة جميع الأطراف، ويكتفي الجميع بمطالبة الجميع ... بالمستحيل!

إن الحل سهل، ولكن المشكلة في أن من نطالبهم بالحل ... أصبحوا هم المشكلة!

رابط المقال على موقع عربي 21