جِنَازَتُه (2-2)

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 27-5-2018 م

(أنصح القارئ الكريم بإعادة قراءة الجزء الأول من القصة)

كيف ستكون الجنازة؟

ستبدأ جنازته العسكرية من أمام جامع الرئيس، ميدان يتسع لمئات الآلاف، ثم تنطلق إلى ميدان القائد، عبر شارع الزعيم !

مسافة عشرة كيلومترات، في شوارع واسعة جدا، لا بنايات لكي يعتليها القناصة، واتساع الشوارع والميادين يقلل فرصة أي حوادث دهس.

لقد اطمأن الناس ... ومرت الأيام حتى جاء اليوم الموعود ... إنه يوم جنازته !

كان الجو صحوا، وبرغم أن الطقس في مثل هذه الأيام من العام حار إلا أن ذلك اليوم كان ذا جو لطيف، تتخلله سحب، ونسمات هواء خففت على الناس وقوفهم الطويل قبل انطلاق الركب.

حالات الإغماء لم تكن كثيرة، وسيارات الإسعاف قامت بدورها، ربما للمرة الأولى منذ زمن بعيد تقوم بدورها في إسعاف الناس، لا في نقل الذخائر لقوات مكافحة الشغب، أو في إسعاف أصحاب السلطة فقط.

اصطفت الجماهير على امتداد الطريق !

مئات الملايين في العالم كله يتابعون جنازته !

لقد تحقق المشهد المهيب، وتم تصوير اللافتات التي تعبر عن حزن كل فئات المجتمع !

العالم كله منبهر بجنازته ... لو كان حيا لكان في قمة السعادة ... لعله الآن يحاول إخراج يده من الكفن ثم من النعش ليرفعها محييا الجماهير العريضة !

لو كان حيا لربما عبّر عن ذلك المشهد بتعبير مميز من تعبيراته التي قل من يفهمها، أظنه كان سيقف ثم يبتسم ... ثم قبل أن يتكلم سيسكت هنيهة ... لكي يبدأ التصفيق ... ثم يضحك ضحكته التي طالما بدأ بها خطاباته ... ثم يقول (لا تحزنوا ... لأن الحزن يجلب الأحزان، والأحزان أكثر من حزن في قلب حزين واحد !

والحزن يجلب الموت ... والموت لا يقبل الحياة ... ونحن لا بد أن نقاوم ... لأن الموت مقاومة، ولأن ... كما تعلمون جميعا ... أنتم وطنيون ... ولا وطن في الموت ... ولكننا قد نتخذ من الموت وطنا في سبيل وطننا ... أليس كذلك أم ... هل أنا في ذلك محق؟)

ثم يستقبل تصفيق الجماهير ... بالضحكة نفسها !

لقد أظهر جميع الحاضرين حزنهم، ولم يبق إلا فئة واحدة لم تظهر في المشهد ... إنهم قتلاه !

سنرى لأول مرة في التاريخ القتيل يسير في جنازة القاتل، يبكيه، ويدعو له بالرحمة والمغفرة !

لقد كانت اللقطة الأخيرة قبيل انطلاق جنازته.

يبدو أن المخرج أراد أن يخطف مشهد قتلاه سريعا !

كانت المنافسة قوية بين المشهدين ... المشهد الأول ... النعش الملفوف في العلم، تتقدمه مئات النياشين التي حصل عليها كلها في أواخر حياته وبعد أن تبوأ الصدارة، كان الناس يعلقون مع كل نيشان (نعم المانح والممنوح)، سخرية؟ أم مديح؟ لا أحد يدري بالضبط، وأمام النياشين مئات الخيول المطهمة، وحراسات لا عد لها ولا حصر.

في تلك اللحظة التي ظهر فيها النعش كان هناك مشهد آخر ... خجول ... لقد ظهرت عربات السجن، ونزل منها السجناء، مقيدين في سلاسلهم الحديدية، وحين بدا الاستنكار على وجوه المراسلين الأجانب ... فُكَّتِ الكلابشات فورا ... فكان مشهد فك القيود هو اللقطة التي كشفت الغمامة عن عيون الحاضرين والمتابعين ... لقد مات ... وهذه جنازته !

كان آخر النازلين من عربة السجن السوداء شاب يعرفه الجميع، إنه (قاتل الوزير)، يلبس حُلَّتَهُ الحمراء، وجهه شاحب كسائر المحكومين بالإعدام، وسيم وسامة تجمع بين جيفارا قبل اغتياله ومارادونا قبل اعتزاله.

سمته أجهزة الإعلام طوال عامين هما عمر المحاكمة العسكرية التي حوكم أمامها (قاتل الوزير)، كان يقول إنه لا يعرف من المقتول أصلا، ولم يره في حياته، وأنه مجرد بائع قصص رومانسية، وذنبه الوحيد أنه باع كتابا ممنوعا يتحدث عن هذا الوزير، دون أن يعرف ذلك، لقد كانت رواية فانتازية لا أكثر.

لم يصدقه أحد ... وحين قتل الوزير برصاصة في رأسه بمسدس كاتم للصوت ... اتهموه، ومنذ تلك اللحظة أصبح ذلك لقبه ... ومع الوقت أصبح اسمه (قاتل الوزير).

عمره الآن أربع وعشرون عاما، فكوا سلاسله، وقف يحمل لافتة مكتوب عليها (خطفك الموت قبلي ... ليتني كنت فداك) !

حين بدأت جنازته بالتحرك سُمِعَ صُراخٌ، والصراخ في مثل هذا الجمع يشبه رفسة جنين، لا يشعر بها إلا الأم ... لقد كان قاتل الوزير ... يبشر بشيء يولد من جديد.

لقد ألقى اللافتة التي حملها، وصرخ في الناس (لا تذهبوا للقبر ... بل إلى القصر) ... بدأت الجماهير تقول (القصر أقرب من القبر) !

لا أحد يعلم بالضبط ما الذي حدث، كيف ارتقى (قاتل الوزير) أكتاف الجماهير؟ وكيف بدأ لابسو البدلات الحمراء بتغيير وجهة مسيرهم من الغرب (باتجاه القبر) إلى الشرق (باتجاه القصر)؟ ولا أحد يعلم بالضبط كيف تغيرت وجهة هذه الملايين من السير خلف النعش إلى السير حول من بدأ المسيرة للقصر؟

برغم انتشار مئات الكاميرات في المكان ... لا أحد يعلم بالضبط كيف حدث ما حدث !؟

في تلك اللحظة اكتشف من حضر الجنازة سر اهتمامهم بجنازته، إنها الفرصة الأخيرة لاستمرارهم، لكي لا ينقطع سند السلطة بلحظة فراغ، لذلك لا بد من استمرار الأسطورة وكأنها على قيد الحياة، لا بد من مباركة الراحل، لكي لا يُحاسَبُ أحد، ولكي يتورط الجميع في تقديس أفعاله، ولكي يبرأ الجميع من الحساب ... جنازته تثبت أن أحدا لم يخطئ.

لقد كان خيارا صعبا ... إما أن تكون الجنازة بداية عهد جديد هو استمرار للقديم، وإما أن ينهار كل شيء الآن ... في التو واللحظة !

في النهاية ... كانت جنازته جنازة تاريخية ... لم يبق أحد مع النعش سوى الخيل، وقليل من الحرس.

تدفُّقُ الجماهير، واقتحامُ القصر، وتكسيرُ تماثيل الراحل، وتمزيقُ لافتات جنازته ... كانت مشاهد عظمى، نسي الناس أمامها أن يوثقوا مصير المسؤولين الذين حضروا هذا اليوم ثم اختفوا، ومصير آلاف المفقودين من الشرطة، والجيش، وأجهزة المراسم، ونجوم الإعلام.

كل ذلك غريب ... ولكن أغرب ما حدث في جنازته ... هو أنه لا يوجد دليل حيٌّ حتى اليوم على دفن الجثمان من عدمه !

هل اكتفى بالجنازة التاريخية؟ أم ووري التراب؟

قال البعض قبل جنازته إنه لم يمت ... ولكن الكل يجمع أنه قد مات بعد جنازته !

عبدالرحمن يوسف

اسطنبول

مارس 2018

رابط المقال