مصر التي كانت!

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 5-5-2018 م

لا نبالغ أبدا حين نقول إن مصر بلد عظيم، لقد "كانت" كذلك بالفعل !

ربما يغضب البعض حين نواجههم بحقيقة أن ذلك أمر "كان"، وانتهى، وأن الواقع الحالي أسود من السواد.

مصر "كانت" مالكة لأسباب قوة كثيرة، سأذكر بعضها، وسأقارنها بحالها اليوم.

*       *       *

كانت مصر تتحكم في كثير من أسباب القوة ... ومنها :

1 – خليج السويس وخليج العقبة

كانت مصر تتحكم في الخليجين كليهما، فهما مياه إقليمية مصرية، لها الحق الكامل في إغلاق حركة السفن فيهما حسب دواعي أمنها القومي.

ثم مر الزمان، وفرط الخونة في جزيرتي تيران وصنافير، وفقدنا خليج العقبة، وأصبح مياه دولية، لا يحق للدولة المصرية أن تعترض على ما يجري فيه، مما يهدد سيناء، ويهدد مصر وأمنها القومي.

*       *       *

2 – قناة السويس

كانت مصر تتحكم بقناة السويس تحكما كاملا، وبعد ذلك – وبسبب عدم تطوير القناة – تراجعت أهمية القناة كممر دولي، وتراجع دخلها برغم تخفيض الرسوم المتوالي، فالدولة المصرية لا تملك أي إغراءات لجذب السفن سوى تخفيض الرسوم.

*       *       *

3 – باب المندب

كانت مصر حتى سبعينيات القرن العشرين تتحكم في مضيق باب المندب، وفي حرب أكتوبر 1973 أغلقت مصر المضيق أمام حركة الملاحة الدولية، وكان ذلك عن طريق جزر حنيش اليمنية.

وقد حاولت إسرائيل إخراج هذه الجزر من الخريطة اليمنية عن طريق دعم استيلاء إرتيريا على الجزر، ولكن تمكنت اليمن من استعادتها عبر التحكيم الدولي، وفي جميع الأحوال تراجع دور مصر في منطقة القرن الإفريقي منذ عشرات السنين، فبعد أن كانت لها الكلمة في المنطقة، أصبحت هناك قواعد عسكرية لجيوش دول كثيرة، والجيش المصري مشغول في بيع منتجاته للمواطنين، والاستيلاء على إنشاءات الدولة بالإسناد المباشر.

*       *       *

4 – محصول القطن

كانت مصر تتحكم في محصول القطن في أوروبا !

القطن المصري كان عماد تشغيل المصانع الكبرى في أوروبا، وخاصة انجلترا، وهي صناعات تشكل رافدا أساسيا لاقتصاد بريطانيا (العظمى) حينها.

غني عن الذكر أن القطن المصري (طويل التيلة)، يكاد ينقرض، فسلالاته الأصلية لم تعد موجودة اليوم، وتم التضييق على كل من يزرع القطن منذ عشرات السنين، ولست أدري هل يمكن استعادة القطن المصري أم لا.

*       *       *

5 – محاصيل أخرى

هناك محاصيل أخرى كانت مصر تتحكم فيها رغم أنها لا تزرع في الأراضي المصرية، فمحصول مثل البن على سبيل المثال، كانت مصر تتحكم في تجارة جزء كبير منه، فالبن اليمني ظل مئات السنين يصل إلى (الآستانة) عبر ميناء الإسكندرية، وكانت تصل شحناته لتباع في السوق المصري هناك.

*       *       *

6 – القوة الناعمة

قوة مصر الناعمة كانت بالدين والثقافة.

فالأزهر كانت يدا حانية تنشر الإسلام الوسطي في غابات إفريقيا، وفي أطراف آسيا !

والثقافة المصرية والمثقفون المصريون كانوا روّادا في كثير من المجالات، مع إخوانهم من بلاد الشام والعراق.

كل ذلك بالإضافة إلى السينيما المصرية التي "كانت" رائدة لعشرات السنين.

*       *       *

7 – حركات التحرر

كانت مصر داعما لحق الشعوب في تحديد المصير، وكسبت قاعدة شعبية عظيمة في دول كثيرة في إفريقيا وآسيا بدعمها لحركات التحرر الوطني، وهو عكس ما تقوم به الآن.

*       *       *

هذه مصر التي كانت ... تتحكم في حركة الملاحة الدولية، وتؤثر في أفكار شعوب كثيرة، كل ذلك دون أن تحرك جنديا واحدا، ودون أن تطلق رصاصة واحدة.

فكيف أصبحت مصر اليوم؟

لقد بُترت أصابع اليد المصرية !

مصر اليوم ... بعد أكثر من ستة عقود على الحكم العسكري الاستبدادي، أصبحت بلا نفوذ، وسلطتها تمارسها على أبنائها فقط !

مصر تقتل أبناءها بالرصاص الحي، وبالحبس الانفرادي، وبالمحاصيل المسرطنة، وقريبا سوف تقتلهم بالعطش والجوع بعد أن فرطت في شريان الحياة ... النيل !

تطاردك مصر إذا كنت معارضا للنظام بتلفيق أي قضية باطلة، وبعد ذلك يصدر ضدك حكم قضائي من قضاة هم أسفل خلق الله، ثم بعد ذلك تجتهد تلك الدولة في وضع اسمك ضمن النشرة الحمراء للإنتربول الدولي، لتطالب جميع دول العالم بتسليمك بصفتك مجرما خطيرا على البشرية كلها.

تتفنن الدولة المصرية في إثبات سطوتها عليك أيها المواطن إذا كنت معارضا للنظام – من وجهة نظر النظام لا من وجهة نظرك – فتضعك الدولة على قوائم الإرهاب، لكي تحجز أموالك، وتمنعك من التصرف فيها.

وهذه الدولة تمهد بهذه القوائم لأمرين ... الأول (مصاردة الأموال)، بمعنى أن تستولي الدولة على ممتلكات وبيوت المعارضين بالفعل، وعلى كل ما يملكون من أموال سائلة أو منقولة.

والثاني إسقاط الجنسية عن المعارضين !

فنحن أمام نظام بلغت حقارته أنه يعبث بقانون الجنسية، بحيث يصبح من حق هذه العصابة أن تصدر حكما قضائيا على من تشاء بأنه إرهابي، أو له انتماء لأي جماعة إرهابية (من وجهة نظر الدولة)، وعلى هذا الأساس يصبح من حق الدولة إسقاط الجنسية عن هذا المواطن الذي يعادي الوطن !

تستطيع مصر أن تطارد مواطنيها برسوم وضرائب حتى لو كانوا في بطن الأرض، وحتى لو سافروا إلى آخر الدنيا، ولو أن من يطارد المواطنين بهذه الأعباء بذل الجهد نفسه في مفاوضات سد النهضة لربما كنا أخذنا جزء من إثيوبيا بدلا من استيلائها على النيل.

تستطيع مصر أن تمنعك من حقك في استخراج أو تجديد جواز سفرك سواء كنت في مصر أو خارجها، وأن تطالبك بتصاريح أمنية لا أساس لها في القانون لكي تغادر البلاد برغم كفالة الدستور لحق الإنسان في الانتقال والحركة.

وتنتهك الدولة حقك في الخصوصية كل ثانية، فهي تتجسس عليك آناء الليل وأطراف النهار، بكل الوسائل البدائية (مثل زميلك في العمل)، والحديثة (مثل هاتفك المحمول).

مصر لا تمارس نفوذا إلا على المصريين، وعلى المستضعفين من أهل غزة وفلسطين، وعلى الطلبة (الإيغور)، وعلى أبناء إفريقيا اللاجئين، وعلى إخواننا السودانيين، وعلى أبناء عمومتنا السوريين !

النظام المصري اليوم عدو للمصريين، ومتربص بكل المستضعفين، وظهير للمجرمين !

*       *       *

هل يمكن أن تعود مصر كما كانت؟

بكل تأكيد ...!

حين تتخلص مصر من هذه العصابة التي تحكمها، وحين تتخلص من نخبها الفاسدة التي تدعي تمثيلها للمعارضة ... حينها ستتغير مصر بالتدريج.

متى سيحدث ذلك؟

لقد بدأ التغيير بالفعل، صحيح أننا في مرحلة تراجع وتعثر، ولكن المسيرة قد بدأت، وستستمر، وتكتمل بإذن الله.

رابط المقال بموقع عربي 21