دورة التصفيق

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 8-4-2018 م

بدأ (أو أوشك أن يبدأ) السيد عبدالفتاح "سيسي" رئيس جمهورية الأمر الواقع في مصر دورة رئاسية جديدة، بعد أن أعلنت اللجنة التي تسمي نفسها بالهيئة العليا للانتخابات فوزه في ما يسمى بانتخابات رئاسة مصر لعام 2018، بنسبة تقدر بحوالي 98% من أصوات الناخبين الذين شاركوا في تلك الانتخابات (حسب زعم الهيئة سالفة الذكر).

قلنا في سنوات مضت إن بقاء أمثال "سيسي" في السلطة لا يمكن أن ينتج عنه سوى مزيد من الاستبداد، فمشروعه هو القتل، وليس لديه ما يقدمه للمصريين سوى الاضطهاد والعنف والفقر وتمزيق المجتمع، وليس لديه ما يقدمه للعالم سوى تنازلات كبرى عن ثروات الوطن واستقلاله.

*       *       *

من هذا المنطلق ستجد غالبية الدول الكبرى ترحب بوجود "سيسي" في موقعه، إنه (فرصة استثمارية) بالنسبة لهم !

يشبه الأمر أن يرث طفل سفيه ثروة كبرى، فترى كل من يريد أن يحصل على جزء من هذه الثروة يستغل وجود هذا السفيه للحصول على جزء منها بأبخس الأثمان، وأحيانا بلا ثمن.

الولايات المتحدة الأمريكية وكثير من الدول الأوروبية ودول الإقليم التي تآمرت على ثورة يناير ... كلها ترحب بفوزه بانتخابات الرئاسة في بيانات رسمية.

ستجد بيانات الولايات المتحدة والدول التي تقدم الديمقراطية لشعوبها وتبخل بها على الآخرين ترحب بفوزه، وتتطلع للعمل معه ... ثم تضع جملة سخيفة تتعلق بنزاهة الانتخابات، ثم تحثه بعد ذلك على (مزيد من الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان ... الخ) !

هذه الدول التي ما زالت تزرع الطغاة في قصور الرئاسة في بلادنا زرعا ... تحضهم بعد ذلك على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

لذلك يخطئ من يعوّل على دعم خارجي لإحداث التغيير في مصر، الدعم الخارجي يكون لأمر واقع يفرضه شعب قوي، ونخب حرة، حينها يتعامل الخارج مع هؤلاء الأقوياء الذين لا يمكن تجاهلهم.

أما المعارضون المتفرقون الذين لا هم لهم سوى الكيد لبعضهم البعض، والتمسك بمعارك الماضي وتجديدها، فهؤلاء عبء على قضاياهم، ولعنة على أوطانهم.

وهذا هو حال غالبية مكونات المعارضة المصرية مع الأسف الشديد.

*       *       *

مع بداية الدورة الرئاسية الجديدة للسيد عبدالفتاح "سيسي" قررت النيابة العامة في مصر حبس الصحفي الكبير الأستاذ عادل صبري، رئيس تحرير موقع "مصر العربية" الإلكتروني 15 يوما، على ذمة اتهامه بـ "نشر أخبار كاذبة"، تتعلق بتغطية انتخابات الرئاسة.

وأقال مجلس إدارة جريدة المصري اليوم (تحت ضغوط كبيرة) رئيس تحرير الصحيفة بعد أيام من قرار رسمي بإحالته للتحقيق بسبب نشر موضوع صحفي يتعلق بوسائل "حشد الدولة" للناخبين.

هذه هي معالم الدورة الرئاسية الجديدة ... إنها دورة التصفيق !

تصفيق مستمر، بصوت عال، ولا يسمح إلا بالتصفيق، ومن لا يصفق مكانه السجن، ولا شفاعة في هذا الأمر، وكل من هو مؤيد اليوم من الممكن أن يصنف كمعارض غدا، لا لشيء سوى لأنه لم يصفق، أو لأن تصفيقه لم يكن بالحماس المطلوب.

نحن أمام حالة من الاستبداد الغشيم الغشوم، وهو انعكاس لعقد نفسية لشخص سيكوباتي مريض بعقد عظيمة لا علاج لها.

*       *       *

إن حالة اعتقال الصحفي الكبير الأستاذ عادل صبري يمكن اعتبارها خطاب الترشح الحقيقي للسيد "سيسي"، إنه شعار المرحلة، لن يبقى شريف في مصر دون أن يطاله الأذى، إنها مسألة وقت.

لقد احتجز للتحقيق معه بتهمة شديدة التفاهة، تتعلق بحصول موقع مصر العربية على ترخيص من الحي، وحين فهم السادة الضباط أن هذا الموقع تم تأسيسه كشركة خاضعة لقانون الاستثمار، وأنها لا تحتاج إلى هذه التراخيص أصلا ... قاموا بمنتهى البساطة بتلفيق تهم أخرى، وأصبح الرجل متهما في عشية وضحاها بتهم سياسية من نوعية (الانتماء إلى جماعة محظورة والدعوة للتظاهر وإسقاط نظام الحكم)، وغيرها من التهم المعلبة التي وجهت وما زالت توجه لمئات الآلاف من الأسرى في سجون النظام.

كما أن اعتقال رئيس تحرير المصري اليوم هو جزء من خطة العمل للدورة الرئاسية القادمة، وهو رسالة لكل مؤيدي النظام، السكوت يؤذي، والتأييد بخجل خطيئة، ولا بد أن ترفع عقيرتك بالتأييد ككلب نابح، وإلا توقع أي عقاب لأي سبب أو بلا سبب.

*       *       *

لقد كانت الدعوة للاصطفاف الثوري مرفوعة كراية نجاة منذ قام هذا الانقلاب في يوليو 2013، وما زال البعض حتى الآن يسخر من هذه الدعوات !

لقد احتوى النظام المصري معارضة الداخل أو كاد (بالسجن والترهيب)، وسوف يستدير إلى معارضي الخارج ومؤسساتهم الحقوقية والإعلامية التي تعمل من أجل فضحه.

وعلى جميع المعارضين الذين رفضوا مواجهة هذا النظام مصطفين متحدين أن يواجهوه اليوم متفرقين، أو أن يعودوا إلى بعض صوابهم وأن يخضعوا لأحكام المنطق، وأن يقوموا بمسؤوليتهم الوطنية التي تقتضي التعالي على خلافات الماضي البعيد والقريب ... من أجل إنقاذ مصر والأمة العربية من هؤلاء الخونة.

أما رسالتنا لـ"سيسي" ... فهي باختصار (هنيئا لك بمعارضيك المتفرقين الأغبياء ... اهنأ بهم فهم أغبى منك ... ولكن تأكد أن النار تحت الرماد، وأن الإعصار قادم قريبا، وأن هذا الشعب سيجعل منك عبرة لمن يعتبر ... وافرح بتصفيق المصفقين في دورتك الجديدة التي لا يعلم أحد إن كنت ستكملها أم لا ... والأيام بيننا) !

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

رابط المقال على موقع عربي 21