الرابحون والخاسرون في الانتخابات

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 1-4-2018 م

بدأت مسرحية الانتخابات الرئاسية في مصر منذ عدة شهور، وها هي تنتهي بنفس ما انتهت إليه سائر الانتخابات التي جرت في بر مصر، نتيجة مؤكدة معروفة محسومة ... فاز رئيس جمهورية الأمر الواقع بغض النظر عن اسمه، (لست محتاجا لاستثناء كل الانتخابات التي جرت في عهد ثورة يناير، تلك كانت انتخابات بحق، وكانت فريدة وحيدة طوال تاريخ الجمهورية).

الرابح الوحيد في هذه الانتخابات هو الشعب المصري العظيم، الذي قاطع هذا الهزل بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ.

أثبت هذا الشعب أنه على وعي فطري، وأنه يفهم كل ما يجري حوله.

لقد كانت مقاطعة مقصودة مع سبق الإصرار والترصد، تعمد فيها الناس أن يصفعوا قفا السلطة بشكل مهين، على مدار عدة أيام متوالية.

بدأت تلك المقاطعة بمقاطعة المصريين في الخارج، فلم تسجل صورة واحدة لطابور واحد في العالم كله، وكل الصور التي لفقت كانت واضحة الزيف، بل صورت فيديوهات في بعض السفارات المصرية أثناء تنظيم عملية التلفيق، فيديوهات تثبت أن المقاطعة كانت هي الكلمة العليا، وأن جميع تلك الصور ليست أكثر من موظفين مع بعض الصحفيين مع بعض المستأجرين والمنتفعين، وسجل ذلك كله بالصوت والصورة.

*       *       *

أما الخاسرون في تلك المهزلة فما أكثرهم ... أولهم رئيس جمهورية الأمر الواقع، ذلك السفاح الذي يعلم تمام العلم أنه موجود في موقعه بقوة السلاح.

هو حاكم مغتصب، يغتصب الجيش بجيشه الخاص الذي شكله ليحميه من مؤسسات القوة في الدولة، ويغتصب مؤسسات الدولة بقوة السلاح، ويغتصب إرادة الناس بتهديدهم بمزيد من الإفقار والإذلال.

نحن أمام نموذج للحاكم الذي لا يملك أي هامش من الشرعية مهما كان محدودا.

واستمراره في الحكم خسارة يومية له، مهما بدا قويا، ومهما تصنع الغلبة، ومهما وقف معه حثالة القوم في الداخل والخارج ... سيظهر خسرانه في اللحظة المناسبة حين يدفع ثمن ما جنته يداه.

*       *       *

الخاسر الثاني هو المعارضة المصرية في الداخل والخارج !

لم تتمكن المعارضة المصرية من تقديم أي خطاب سياسي يجمع الناس على مقاومة هذا النظام المغتصب، ولم تتمكن من تقديم بديل، كما أنها لم تتمكن من التواصل الفعال بين مكوناتها من أجل الحشد لمعركة الانتخابات، أو الحشد لمعركة أخرى بعد الانتخابات، وقبل أن ينقض المغتصب على الدستور لتعديله من أجل البقاء للأبد.

لقد كان بإمكان المعارضين أن يتوحدوا بعدة أشكال، وأن يوحدوا صوتهم في خطاب عاقل يصل للناس ... ولكن للأسف ... رسبت المعارضة المصرية في ذلك، برغم اتحاد هدفها، ووضوح عدوها.

*       *       *

الخاسر الثالث هو دولة القانون !

لقد تحولت الدولة إلى خرقة بالية، يتحكم فيها مستبد تافه كما يشاء، وتحولت مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية كلها إلى ما يشبه سكرتارية لشخص سيكوباتي أرعن، وتتواطأ معه تلك المؤسسات الإعلامية والقضائية والسياسية ... يسجن ذاك، ويحاكم ذاك عسكريا، ويجبر ذاك على التنازل عن ترشحه، دون أي مراعاة لشكليات دولة القانون.

هذا الخسران سيدفع ثمنه الجميع بعد انتهاء هذا العهد، لأن الثقة في الدولة حين تهدم، تحتاج إلى سنوات وسنوات لتبنى من جديد ... ونحن أمام هدم منظم لمعنى الدولة، بحيث ينتفي في العقل الباطن الجمعي المبرر لوجود الدولة، ويصبح هدم الدولة مصلحة للغالبية العظمى من الناس.

*       *       *

الخاسر الرابع رجال الدين !

نستطيع أن نتفهم تحفيز شيوخ النظام للناس لكي يدلوا بأصواتهم، ولكن المبالغة في هذا الأمر تهين الدين، وتهين المتدينين، وتهين الأمة المصرية كلها.

ولكن ... هل يجدي أن نتكلم عن الإهانة مع أناس يعتبر مجرد ارتداؤهم لعمائمهم أكبر إهانة، هؤلاء الشيوخ – وما هم بشيوخ – إهانة في حق الإسلام، وفي حق المسلمين، وهم سبة في وجه مصر، سنرفعها قريبا حين نغير هذا النظام.

*       *       *

الخاسرون بالجملة ... كل من شارك في هذه المهزلة وكان يملك أن لا يشارك !

لذلك لا ينبغي أن نسلط ألسنتنا على كثير من البسطاء الذين ربما أجبرتهم ظروف الحياة على القبول بأدوار لا يقبلها الإنسان الحر.

لقد شارك الناس بعشرات الملايين حين كانت الصناديق نزيهة، وقاطعوا في عهود التزوير، وها هم قد عادوا للمقاطعة بشكل أكبر حين عاد التزوير.

أما من شاركوا من البسطاء (أقول البسطاء لا المنتفعين) فلعلهم مضطرون معذورون، ومن واجبنا أن نأخذهم في صفنا ... ولكن كيف ذاك وصفنا متفرق أصلا.

*       *       *

في النهاية ... لا بد أن نعلم أن هذا المشهد لم يكن ليحدث لولا عدة أشخاص ... على رأسهم المناضل الأستاذ خالد علي، الذي انسحب وعرى هذا النظام العفن.

وكذلك الفريق أحمد شفيق، الذي حاول أن يتقدم للمواجهة، ولكن حدث معه ما حدث.

وكذلك العقيد أحمد قنصوه، ذلك الشاب الذي حاول أن يتقدم، وهو يدفع ثمن محاولته الآن في السجن الحربي.

وأخيرا الفريق سامي عنان، ذلك الرجل الذي تقدم، ولم يجد معه ترهيب ولا ترهيب، وما زالت معركته حتى الآن مستمرة.

*       *       *

كلمة أخيرة : تحية لمسيرات العودة، وتحية للشعب الفلسطيني البطل.

ما زال هذا الشعب يثبت لنا كل يوم أن سبب هزيمتنا هم هؤلاء العملاء الذين يحكمون غالبية دولنا العربية !

رابط المقال على موقع عربي 21