ليلة القبض على معارض!

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 18-2-2018

في ليلة القبض على المعارض الشهير شمت الموالون للنظام، وأشاد المأجورون بحكمة القرار، وزايد المنتفعون وطالبوا بأقصى العقوبات، بل بالغ بعض السفلة والانتهازيين ولاموا المستبد على تأخر هذا الإجراء السديد ... كل ذلك ليس بغريب، إنه مشهد طبيعي في أي بلد تحت حكم مستبد، فهناك فئة لا دور لها سوى التصفيق والتطبيل.

الغريب أن تجد ردود الأفعال نفسها من معارضين للنظام، فلا تكاد تفرق بين معارض وموال، كيف تطابقت المواقف بين القاتل والمقتول؟! بين السجين والسجان؟!

لا تفسير سوى الغفلة والغرض وعمى البصيرة !

*       *       *

حين حدث الاستقطاب السياسي في مصر في عام 2011 اتضح لنا أن بيننا من يكره الإخوان أكثر مما يحب مصر، بل إن كره هؤلاء للإخوان هو أضعاف أضعاف حبهم لبلدهم، وأضعاف أضعاف كرههم للاستبداد والظلم، بدأ هذا الكره مع استفتاء التاسع عشر من مارس، واستمر، ينمو كشجرة زقوم، يتغذى بتخطيط أجهزة تخابر لا هم لها سوى إجهاض الثورة المصرية.

رأينا أناسا تنكروا لتاريخهم الممتد لعشرات السنين من النضال ضد الاستبداد، وأصبح كل همهم إسقاط مرسي والإخوان مهما كان الثمن.

اليوم تمر مصر بشيء مشابه، فلا يصعب على أي متابع أن يرى الرغبات الانتقامية عند البعض، وهي رغبات عدمية تطيل طريق التغيير، وتخدم بقاء الاستبداد، وتمنح الفرصة لتنفيذ مزيد من أحكام الإعدام الظالمة، وتمدد بقاء عشرات الآلاف من المعتقلين والمنفيين والمطاردين في حالهم ذاك.

البعض يريد أن يرى كل من أيد الانقلاب العسكري في يوليو 2013 وقد دفع أقسى وأقصى ثمن لذلك التأييد، بل إن البعض يرغب في أن يرى من سكت عن التأييد وسكت عن المعارضة معلقا من عرقوبه، ولا أبالغ إذا قلت إن البعض يرغب ويتمنى أن يرى المجتمع كله يدفع أثمانا من الدم والجراد والضفادع والقمل ... وهو يرغب في ذلك أكثر مما يرغب في زوال الانقلاب نفسه !

البعض يئس من إمكانية انتصار الثورة على العسكر، لذلك تراه يرغب في أن لا يكون المهزوم الوحيد، فيتمنى أن يُهزَمَ الجميع هزيمة معلنة نكراء، حتى لو كان ذلك يمثل مزيدا من انتصارات العسكر، تطيل عمرهم في السلطة، وتُصعِّبُ إزاحتهم من الحكم في الأجل القريب.

*       *       *

البوصلة الضائعة

حين تقرأ تعليقات الكثيرين من هؤلاء تظن أن خصمهم الأول هو "عبدالمنعم ابو الفتوح"، أو "هشام جنينة"، أو "سامي عنان" أو "خالد علي" ... الخ

لا وجود لشخص عبدالفتاح "سيسي" في انتقاداتهم، فخلال مولد انتخابات الرئاسة المزعومة لا تكاد تجد أي نشاط لهؤلاء ضد "سيسي" نفسه، بل هم متفرغون لقصف خصومه، وكأنهم جزء من إعلام المخابرات العسكرية.

لو شاهدت – مثلا – تعليقات البعض على خبر نقل الدكتور أبو الفتوح إلى المستشفى (محبوسا، في الكلابشات) ستشعر أن كثيرا من المعلقين يتمنون موته في السجن أكثر مما يتمنون ذلك لخصمهم الحقيقي الجالس في الاتحادية.

لو شاهدت تعليقاتهم على سجن الفريق عنان، أو محاولة اغتيال المستشار هشام جنينة، أو اعتقاله بعد ذلك ... ستكتتشف أن كل همهم إثبات أمرين :

الأول : لا رجال سوانا !

نحن الصامدون وسوانا مخنثون !

نحن الرجال وسوانا أشباه !

نحن الثوار وسوانا عملاء للعسكر !

نحن قصة حقيقية ... وكل ما سوانا أفلام مخابراتية متفق عليها مع السلطة الانقلابية، لا فرق بين عنان وقنصوة وخالد علي وحازم حسني وهشام جنينة وابو الفتوح !

الثاني : نحن ملائكة ... أخطاؤنا سوء تقدير لا أكثر، أما الآخرون فهم شياطين ... وكل أخطائهم جرائم لا تغتفر، ارتكبوها مع سبق الإصرار والترصد.

*       *       *

طابور الإعدامات

ما زلت أتأمل في المشهد العبثي الذي تبدو عليه المعارضة المصرية، وكلما تأملت أشعر بحسرة وحرقة ... لأنه في اللحظة التي نتفرغ فيها لخصوماتنا مع بعضنا البعض ... يقف مئات الشباب المصري الطاهر في طابور أسرى طويل أمام المقصلة، وساكن الاتحادية ربما يزداد قوة أو غباء (أو كلاهما) بعد تجديد انتخابه المزعوم، أما نحن فيبدو أننا سنجدد تضامننا مع الشهداء، ونجدد استنكارنا لأحكام الإعدام (الجائرة)، ونجدد معارضتنا للمحاكمات العسكرية ... وفي اليوم التالي سنستأنف معاركنا الصغيرة التافهة، ويبقى المنقلب في عليائه، ونبقى نحن نتصاغر ونتصاغر ... بعضنا فرح أن الله قد أذل بعضا أو كثيرا من خصومه، وبعضنا لا هم له سوى بقاء خصومه خارج السلطة.

رابط المقال على موقع عربي 21