بحر الظلمات العربي

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 17-11-2019 م

 

في غالبية الدول العربية سترى جيلا من الشباب يحاول أن يدافع عن وطنه ضد كل ما هو قبيح، وسترى أنظمة تحاول أن تفرض القبح والبذاءة بقوة السلاح.

شباب يدافعون عن الوطن.. ورؤساء يدافعون عن أرصدتهم في بنوك العالم.

الغريب أن العالم كله – تقريبا – يدعم هؤلاء الخونة المستبدين، ويتآمر آناء الليل وأطراف النهار على هذه الشعوب، وعلى جيل الشباب منها.

في ليبيا تدخلت غالبية القوى العظمى لفرض مجرم الحرب حفتر ضد رغبة الشعب الليبي، وهي محاولة لاستنساخ قذافي آخر يقوم بدوره المطلوب، وهو الاستيلاء على ثروات ليبيا، ولضمان استمرار ليبيا كفاصل جغرافي وسياسي بين مشرق الوطن العربي ومغربه.

في سوريا.. يتآمر العالم أيضا لكي يظل الأسد في موضعه، وتظل سوريا مخلب قط يعمل لصالح إسرائيل، تماما كما كانت منذ اعتلى عرشها حافظ أسد ووريثه.

أبيد اكثر من مليون إنسان.. وشرد ملايين الأبرياء.. والعالم يدعم الأسد بشكل أو بآخر.. ومن يحاول أن ينصر الشعب السوري، أو أن يقاوم الأسد.. يتهم فورا بالدعشنة.. وبدعم الإرهاب.. وغير ذلك من التهم المعلبة.

في لبنان تتآمر جميع القوى الدولية لكي يستمر لبنان ساحة لتصفية الحسابات السياسية بين الشرق والغرب، وذلك بالحفاظ على النظام الطائفي البغيض، الذي يتيح لكل راغب في الفتنة في إشعال البلد بعود ثقاب.

في الجزائر مؤامرة واضحة لدعم بقاء الجيش في السلطة بشكل من الأشكال، بحيث تظل ثروات الجزائر خارج نطاق التنمية، وبحيث تظل الجزائر كلها خارج إطار أي مشروع وطني قومي.

في العراق محاولات مستميتة لقتل الانتفاضة الباسلة التي تمردت على كل أشكال الطائفية، حتى أن تظاهرات ضد المراجع الشيعية خرجت في شوارع كربلاء !

ولكن ما زال العالم كله أو جله يسعى لاستمرار الوضع على ما هو عليه.

في اليمن.. باعت غالبية الدول الكبرى سلاحها للتحالف العربي الذي ارتكب جرائم حرب قتل فيها مئات الآلاف، وتسبب في مجاعة تعذب فيها ملايين، ودمرت بنية تحتية لمدن بالكامل.. كل ذلك لكي لا يتحرر بلد مهم كاليمن.

في مصر.. يدعم العالم كله دكتاتورا سفاحا.. يعلم العالم كله كيف وصل للسلطة، وكيف يستمر فيها، وما هو حجم انتهاكاته اليومية.. يعلم العالم كله أن شعبا كاملا يشتاق للحرية.. ولكن هذا العالم (أنظمته الكبرى أعني) تدعم الدكتاتور دعما كاملا.

هذه هي ظلمات الوطن العربي المتراكمة.. ستزول.. كلها.. قريبا بإذن الله

*       *       *

وبعد شهور طوال من التطاول والتسافل خضع الغلمان، وها هي الأزمة على وشك الانفراج، بلا شروط !

قائمة الشروط.. والتعويضات.. كل ذلك اختفى من جدول أعمال الأزمة.. ولم يتبق سوى التفاصيل المنطقية لحل الأزمة الممتدة.. تلك الأزمة التي أظهرت معادن الشعوب والأنظمة، وأظهرت حقيقة ما في القلوب، وفضحت حقائق لم تكن تخطر على بال أكثر الناس إساءة للظن.

اتضح خلال الأزمة الفارق الكبير بين دول يقودها غلمان (وإن كانوا في الثمانين)، وبين دول يقودها رجال دولة (وإن كانوا شبابا في الثلاثين)، المسألة ليست بالسن كما يعتقد كثيرون.

وليست بالحجم أيضا.. فقد اتضح خلال الأزمة أن وهم الدول (الكبيرة)، وأكذوبة الدول (الصغيرة)، وما شابه ذلك من الأساطير قد انتهى.

الدول تكبر بالعمل، والتخطيط، والقانون، وبالرجال المخلصين، وبالانحياز للشعوب والحق.. الدول تكبر بالعدل.

وتصغر بالاعتماد على الجنود المرتزقة المجلوبين من بلاك ووتر، وببناء السجون، وبتمويل الانقلابات العسكرية، وبالتدخل في شؤون الغير.. الدول تصغر بالظلم.

في النهاية.. من الواضح الانتصار لمن.. وواضح أن عواقب حكم الغلمان لن تقف عند هذا الحد، بل ستستمر، وستتغير أمور كثيرة في المنطقة خلال الشهور والسنوات القليلة القادمة.

هذه الأزمة.. جزء صغير من بحر ظلمات الوطن العربي.. ونهايتها قد تكون بشارة تؤشر وتؤكد على قرب انتهاء هذا الظلام..

*       *       *

وتظل غزة الاستثناء المنير في بحر الظلمات العربي، لا يستطيع العدو هزيمتها، ولكنها لا تنتصر أبدا، بفضل "أشقائها" !

يقصفها العدو بأطنان البارود، بصواريخ وطائرات، فلا تتأثر، ولكنها تتأثر بما يفعله الأخ وابن العم، فهي مخنوقة بخيانات العرب، بحصار النظام المصري، وتآمر دولة المؤامرات العربية المتحدة، وخسة النظام السعودي، ونذالة الجامعة العربية وأمينها العام المتصهين.

تدافع غزة عن نفسها وكرامتها وأمتها، تدافع غزة عن الإنسانية كلها في وجه العنصرية، لتكتب بهذا الدفاع سطرا مشرقا في صفحة مشينة من صفحات تاريخنا العربي، ذلك التاريخ الذي سيكتب فيه أن غالبية الدول العربية كانت مختطفة، ترزح تحت حكم مجموعة من العملاء الصغار، وحين قامت شعوبهم تطالب بالحرية والاستقلال الوطني.. لم يترددوا في قتل وتشريد الملايين.

بعض الأنظمة تقوم بأقل القليل لمساعدة غزة وأهلها، مساعدات لا تفي بالحد الأدنى من احتياجات الناس، هؤلاء المحبوسين بلا كهرباء، ولا محروقات، ولا مواد أولية، ولا فرصة للعلاج، أو قدرة على جلب الأدوية.. بعض الأنظمة تحاول اختراق هذا الحصار.

وتدفع هذه الأنظمة الثمن غاليا لكي يستمر هذا الدعم.

الشعوب العربية مع غزة.. ومع القضية الفلسطينية العادلة.. ولكن كيف لهذه الشعوب أن تفرض إرادتها وما زال على رأسها هؤلاء العملاء؟

غزة بشارة التغيير القادم.. غزة بداية النور الذي سيبدد بحر ظلمات العرب الدامس !

 

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21