يتلاومون !

المقال منشور بموقع عربي 21 بتارخ 19-8-2018 م

المصريون يتلاومون !

هذا يلوم هذا لأنه ليس نسخة طبق الأصل من أفكاره، والعكس بالعكس !

لا أحد يلوم "سيسي" على بيع الوطن، بالمثابرة التي يتلاومون بها، التركيز الآن على الطرف الأضعف، اللوم "من تحت".

يلوم المقتول المقتول، والقاتل مرتاح، يلوم المسجون المسجون، والسجان يفرض إتاواته على المساجين وعلى من يزورهم، ويمنع الزيارة إذا شاء، ويحبس انفراديا من يشاء إلى ما شاء.

*       *       *

المستبد وصل في انتقامه لدرجة أنه قد اعتقل أخوي الناشطة غادة نجيب، ولفق لهما تهما لا تخطر على البال، وهما أخواها من أبيها، وعلاقتها بهما شبه مقطوعة، ولكنه الانتقام لا أكثر.

لقد أصبح النظام ينتقم من الأقرباء، وأقرباء الأقرباء، ينتقم بطرق لا تخطر على بال، ولا يهتم بأي عواقب لأنه يعلم جيدا أن خصومه متفرقين، ولا وزن لهم، وهم مشغولون بالشماتة في بعضهم، أو بالشماتة في حلفاء بعضهم، فترى الليبراليين العرب يشمتون في هبوط الليرة التركية وكأن ذلك انتصار لهم، وكأن تغير قيمة الليرة التركية معناه انهيار الدولة، ويتناسى هؤلاء أنهم يتحدثون عن اقتصاد ينتج ما قيمته أكثر من ثمانمائة مليار دولار سنويا !

*       *       *

"سيسي" يوقع تعديلا خطيرا على قانون الجنسية، فيمنحها لمن يودع وديعة مالية بالجنيه المصري، هذا الجنيه الذي سينهار قريبا للأسف بفضل سرقته وسياساته، وستصبح هذه الوديعة مجرد مبلغ رمزي لا قيمة له.

"سيسي" يوقع ذلك التعديل بمنح الجنسية، وهو تمهيد لتعديل آخر يتعلق بإسقاط الجنسية المصرية !

نعم ... سيتم تقنين إسقاط الجنسية المصرية عن المعارضين الذين تصدر ضدهم أحكام قضائية (من القضاء الشامخ المستقل)، وبذلك سيصبح المصريون مجبرين على قبول مصرية أي إسرائيلي (بفلوسه)، وسيفقد الشرفاء من أبناء هذا الوطن جنسيتهم حتى إشعار آخر.

كل ذلك ... وهم يتلاومون ... كل يلوم صاحبه ... أنتم جعلتم منه رئيسا للجمهورية، فيرد الآخر ... بل أنتم من جعلتموه وزيرا للدفاع !

جدل سقيم عقيم مستمر لسنوات ... والجميع مهدد بإسقاط جنسيته أصلا !

*       *       *

التطرف في الناحيتين ... ولا أحد يريد أن يعترف !

لذلك ما زالوا يتلاومون ... من أقذر ممن؟ أحمد المغير؟ أم أحمد دومة؟ (مع احترامي وتقديري للجميع).

ما زال كل طرف يريد كل شيء ... هذا يريد أن يعود رئيسه ودستوره ووزراؤه الخ ...!

والآخر يريد أن يختفي خصومه من الحياة السياسية وكأنه في صبيحة الثالث من يوليو !

وكلاهما لا يدرك أن الدولة التي يتصارعون عليها بعد قليل ستصبح شيئا تافها صغيرا، فما قيمة مصر بلا نيل، وبلا ممرات مائية، وبلا قناة السويس، وبلا تعددية، وبلا شعب متعلم سليم الجسم !

ورغم ذلك تراهم يتلاومون ... فلا بد من إثبات أن الرواية التاريخية التي أرويها (أنا) هي الحق الذي لا شك فيه، وأن الرواية التاريخية للآخر هي الباطل اللجلج !

*       *       *

كل طرف حريص على إثبات وجهة نظره (وفيها حق وصواب كثير) !

وكل طرف حريص على إلصاق الباطل المطلق بالطرف الآخر (والحقيقة أن كلاهما لديه بعض الباطل) !

إن الخير المطلق في اجتماع هذين المختلفين على المشترك الوطني، والشر المطلق في (الطرف الثالث) الذي يشعل هذه الحرب بين شركاء الميدان بشكل مقصود، ويلقي البنزين على نار الخلافات باستمرار، لكي يظل الطرفان على حالتهم تلك ... يتلاومون !

*       *       *

لقد ابتلى الله مصر بنظام خسيس، لا ينظر للبلاد على أنها ملك له بأي شكل من الأشكال، بل يتصرف بمنطق السارق الذي تمكّن من كنز بشكل مؤقت، ويعلم أن صاحب الكنز سيأتي ليحاسبه قريبا، لذلك تراه يعُبُّ منه عبا، غير حريص على إبقاء أي شيء لمن بعده، وغير مكترث لإتلاف أي شيء مهما بلغت قيمته.

وعلى رأس هذا النظام مجموعة لا يمكن تفسير غالبية تصرفاتهم السياسية إلا بمنطق العمالة الكاملة المنظمة، فما يحدث في مصر الآن ليس استبدادا، وليس فسادا، وليس حكم فرد ... إنه خطة منظمة لإسقاط هذا البلد، وإسقاط هذه الدولة، بحيث تظل راكعة لعشرات السنين وربما مئات السنين !

كل ذلك يحدث ... ومن ينبغي عليهم أن يُواجِهوا ويُوَجِّهوا ... يتلامون !

*       *       *

لا أحب أن ألوم النظام ... فمن الغباء أن تلوم الحية لأنها تلدغ ... ولكن أجد نفسي ألوم النخبة السياسية المصرية (ولا أستثني نفسي) لأنها قد احترفت أن تقف على جحر الحية، فلدغت من الجحر نفسه ألف مرة دون اتعاظ ... وإذا قلنا ذلك ... وجدناهم يتلاومون !

*       *       *

التغيير قادم قريبا ... سيزيح في طريقه أنظمة مستبدة شرسة، وسيكون الثمن باهظا، ولا شك أنه سيزيح نخبا سياسية لا تستحق البقاء.

رابط المقال بموقع عربي 21