طموح التغيير

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 20-10-2019 م

 

في مرحلة من مراحل عمر الوطن لم تكن هناك معارضة تملك (طموح التغيير)، بمعنى أن أحدا لم يكن يمارس المعارضة من أجل أن يصل إلى الحكم فعليا، بل كان الجميع يتحرك في الهامش الذي يتيحه الحاكم، وفق قواعد اللعبة التي يسمح بها الحاكم، ولا أحد يملك (خطة) قصيرة الأجل، أو متوسطة المدى، أو حتى طويلة الأجل، لتغيير الوضع القائم.

لقد كانت هناك حالة استسلام غير عادية للسلطات الحاكمة، مهما حدث من أحداث جسام في العالم.

هذا ما يفسر لنا لماذا لم تتحرك المعارضة المصرية حين انهار سور برلين تحت معاول المتظاهرين وانهار معه الاتحاد السوفييتي كله.

لقد اجتاحت دعوات الحرية العالم كله في ذلك الوقت، واستفاد من هذا الأمر دول مثل جنوب إفريقيا، وغيرها.. لماذا لم تستفد مصر والوطن العربي؟

إن الإجابة – في رأيي – هو أن أحدا من المعارضين في ذلك الوقت (أفرادا وجماعات) لم يكن يملك أي طموح للتغيير، لم يكن هناك أي طرف في المعارضة يتخيّل أن التغيير أمر ممكن أصلا !

*       *       *

النخبة الجديدة التي كانت سببا من أسباب قيام ثورة يناير، كانت تملك هذا الطموح، مدعومة بهذا (الخيال)، وهذا هو الفارق الأهم بين الجيلين.

ومن أسوأ ما حدث بعد قيام ثورة يناير أن من تولى مهمة إدارة المرحلة الانتقالية كان مجلسا عسكريا ينحاز للاستبداد، وتعاون معه غالبية من المعارضة القديمة التي لا تملك طموح التغيير، معارضة ما قبل انهيار سور برلين، ولم تكن تلك المعارضة تدرك حجم الإنجاز الذي تم في يناير، ولم تكن تعرف كيف أنه قد استغرق سنوات طوال من العمل الدؤوب، لقد كانت معارضة عمياء بسبب أفكارها وتركيبة قادتها النفسية، فلم تتمكن من فهم ما يجري، ولم تتمكن من استثماره في طرح حلول تغيير جذرية.. بل ظلت تؤدي دورها (الوظيفي) كمعارضة، ولم تتمكن من التصرف على أساس أنها الطرف الأقوى في أي موقف من المواقف، حتى بعد وصولها للحكم، لم تتمكن من استخدام الأدوات المتاحة للحاكم بحكم موقعه وشرعيته.

لذلك كانت النتيجة انقلابا عسكريا له جماهيرية شعبية !

صحيح أن الغطاء الشعبي زال بعد عدة أسابيع، ولكن لحظة الانقلاب كانت بغطاء شعبي.

بعد الانقلاب لم تتمكن المعارضة من قيادة الحراك الضخم الذي حدث على أساس أنه حراك يؤدي إلى تغيير شامل، بل ظلت قيادة الحراك تتصرف وفقا لحالة اللاطموح، ووفقا لمرض انعدام الخيال الذي تعاني منه كداء مزمن.

*       *       *

من أسوأ ما يحدث هذه الأيام أن نرى النخبة الجديدة التي امتلكت طموح التغيير الجذري ذات يوم وقد تحولت إلى نخبة لا تملك طموح الخروج من الزنازين، أو العودة من المنفى !

صحيح أن ما مرّت به البلاد كان صعبا، وصحيح أن الضحايا والتضحيات كانت أكبر مما تخيلته تلك النخبة في أسوأ كوابيسها، وصحيح أن هذا الجيل قد ذاق مرارات لم يذقها جيل قبله (ونتمنى أن لا يذوق مثلها من يأتي بعده)، ولكن ذلك ليس مبررا لتغييب الطموح الذي بدأ به هذا الجيل، خصوصا أن هذا الطموح قد ثبت أنه ممكن التحقيق.

هذا الجيل الذي ألهم شعب سوريا، وليبيا، واليمن، والعراق، والسودان، ولبنان، الجزائر.. هذا الجيل الذي قدّم تجربة في النجاح، وتجربة في التعثر.. تجربة في الفداء، والطموح، والصمود، والصبر.. هذا الجيل لا يمكن أن يكون تنازله عن طموح التغيير حقيقيا.. بل هو أمر عارض.. سيزول قريبا.. ولن نرى من هذا الجيل إلا توحدا على حلم التغيير.. بل أزعم أن هذا الجيل سيخطط لتغيير إقليمي واسع، بعد أن ثبت أن بذرة الأمل قد أينعت في الوطن العربي كله.

*       *       *

كلمة إلى لبنان الحبيب:

حين يردد اللبنانيون هتاف (الشعب يريد إسقاط النظام) فهم يعنون أن الشعب يريد إسقاط النظام "الطائفي" الذي يحكم البلاد.

والحقيقة المُرّة التي لا جدال فيها أن أساس النظام السياسي الطائفي هو الناس أنفسهم، فغالبية الشعوب التي ترتضي نظاما طائفيا كأساس سياسي للحكم يرى فيها الفرد نفسه مسيحيا أو مسلما أو درزيا الخ.. قبل أن يرى نفسه مواطنا ينتمي للدولة، بل ربما قبل أن يرى نفسه إنسانا مُكرّما.

إن ما يحدث اليوم في شوارع لبنان من صلوات جماعية للمسلمين والمسيحيين، ومن اصطفاف لجميع المواطنين بشتى طوائفهم هو محاولة حقيقية لإسقاط النظام.. أي إسقاط الطائفية من القلوب والعقول.. فهذه الطائفية محمية بالناس، وموجودة بالناس، ولو سقطت.. سيسقط النظام فورا !

من أكبر اختبارات (إسقاط النظام) إقامة البديل.. كلي ثقة أن لبنان الحبيب سيتمكن من إقامة نظام ديمقراطي.. إنساني.. يتسع للجميع.. وينهي الطائفية السياسية إلى الأبد.

دعاؤنا للبنان الحبيب.. ولهذا الشعب العظيم الذي يملك أيضا طموح التغيير !

 

عبدالرحمن يوسف

رابط المقال على موقع عربي 21