سلميتنا.. والرصاص! (2-2)

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 16-12-2018 م

تحدثنا في مقالة الأسبوع الماضي عن التغيير بالعنف، ونواصل اليوم مناقشة اعتراضات بعض أصحاب الرأي الآخر الذين يرون في التغيير المسلح خلاصا لأوطاننا من نظمها العسكرية المستبدة.

 

الاعتراض الأول : هل تحررت الجزائر سلميا؟ هل تنصح أهل غزة بأن يتركوا أسلحتهم ويتظاهروا أمام الدبابات الإسرائيلية؟

والحقيقة إن هذا الاعتراض يعتبر خروجا عن الموضوع الأصلي !

فنحن حين نتحدث عن التغيير السلمي فإننا نتحدث عن مواجهة نظام مستبد (محلي) يرفع العلم الوطني، ولا نتحدث عن مواجهة جيش محتل يرفع علما أجنبيا !

إن مواجهة جيش الاحتلال سيقف فيه الغالبية العظمى من الشعب معك، وسوف ينضم لك غالبية أهل بلدك، أما مواجهة جيشك المحلي فهو أمر مختلف تماما، لن ينضم فيه سوى أقلية محدودة جدا، ولن يكون لك فيه ظهير شعبي يذكر.

*       *       *

الاعتراض الثاني : (وهل تعتبر هذا الجيش وطنيا؟ إنه جيش عميل خائن، فرط في الأرض وانتهك كل المحرمات).

والحقيقة إن المسألة ليست بهذه البساطة، فرأيي ورأيك في هذا الموضوع لا يهم، بل المهم هو رأي غالبية الشعب ... فالسؤال الحقيقي : هل تستطيع أن تقنع كلّ أو جلّ الشعب بأن هذا الجيش الذي يرفع العلم الوطني، ويقف إجلالا للسلام الجمهوري أو الملكي، وغالبية جنوده من أبناء الشعب ... أنه جيش احتلال؟

لا أظن أن أحدا يزعم بأنه يستطيع أن يقنع غالبية الشعب بأن هذا الجيش الذي يجند فيه أبناؤهم جيش احتلال، ستظل هذه الفكرة فكرة ضعيفة لا يقتنع بها إلا أقلية !

لذلك ... سنظل نقول إن من حق بل من واجب من يقاوم جيشا محتلا أن يقاومه بكل شكل – بما في ذلك حمل السلاح –، وإذا حمل السلاح سيصل لحريته لأن الشعب سيدعمه.

أما من يقاوم نظاما محليا فإنه لن يصل لأي نتيجة بحمل السلاح، والإنجازات التي تحققت على مدار ستة عقود من مقاومة الاستبداد ... لم تتحقق إلا على يد الذين آمنوا بالتغيير السلمي واتخذوه سبيلا.

*       *       *

الاعتراض الثالث : ولماذا لا نبني تنظيما مسلحا من الصفر كما فعلت حركة حماس؟ أو الخمير الحمر؟ أو أيا كان ! (لا أتحدث هنا عن مدى أخلاقية هذا الأمر، بل أناقش أصحاب الفكرة بمنطقهم هم ... أناقش ما هو كائن لا ما ينبغي أن يكون).

والحقيقة أنه من المستحيل أن يبدأ بناء تنظيم مسلح داخل الدولة الحديثة بأجهزتها المعروفة ويكتمل بناؤه دون أن يكتشف أمره !

(وهناك دراسات كثيرة في ذلك الموضوع، قارنت بين المعدلات الزمنية اللازمة لبناء التنظيمات ومعدلات الأجهزة الأمنية في اكتشافها) !

كما أن الانتصار على الاستبداد من خلال (تنظيم) يجعل المعركة بين هذا التنظيم، وبين المستبد، وهو أمر يُسَهِّلُ على أي قوى خارجية اقتلاع هذا التنظيم من الحكم بعد وصوله، وذلك بعكس الانتصار من خلال حراك جماهيري واسع، حيث تصبح معركة الأمة كلها.

كما أن الثورة الشعبية والحراك الجماهيري ضرورة لتخليص المجتمع ذاته من إرث الاستبداد، وأمراض الهزيمة النفسية، ومن حاجز الخوف، وذلك من خلال مجابهته للطغيان بنفسه، وليس من خلال تنظيم، وهو أمر ضروري لبناء مستقبل يشارك فيه المجتمع بكل أطيافه، لأنهم شركاء فيه، بل إنهم أصحابه وصانعوه.

*       *       *

الاعتراض الرابع : اعترضت كذلك بعض الأقلام على فكرة التغيير السلمي مستدلين بما حدث في باريس مؤخرا من تظاهرات حركة السترات الصفراء على أن الحل في العنف !

والحقيقة إن في هذا الطرح يعتبر خلطا يدل على عدم إدراك دقيق لمصطلح التغيير السلمي، وعدم إدراك أيضا للمصقود بالعنف.

إن أي تظاهرات واسعة النطاق لا بد أن يحدث فيها مثل هذه الأعمال التخريبية، ولا يعني ذلك أنها قد أصبحت شكلا من أشكال التغيير بالعنف، ولا يمكن الاستدلال ببعض التخريب الذي حدث على أن ذلك تغيير بالعنف.

إن التغيير بالعنف يعني (حمل السلاح) !

وحمل السلاح يعني أن يكون هناك منظومة عسكرية كاملة، وهذه المنظومة لها قواعدها التي تختلف تماما عن نزول الجماهير للشارع.

إن انتصار السترات الصفراء يعتبر انتصارا لثورة يناير، وللربيع العربي، حيث انتصرت فكرة (التغيير بلا قيادة، وبلا تنظيم)، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا التحرك في باريس قد استلهم ما قام به شباب مصر وتونس من استعانة بوسائل التواصل الاجتماعي، ومن طرح للأفكار والوسائل في فضاء واسع، بحيث يتم الحشد في هذا الفضاء ...!

إن هؤلاء الذين يشككون في سلمية حركة السترات الصفراء لم يفهموا معنى السلمية، كما أن كثيرا منهم لم يشتركوا في الربيع العربي في أيامه الحاسمة الأولى، ولم يتعلموا كيف تكونت تلك الاحتجاجات حتى ملأت الجماهير الشوارع وحاصرت القصور.

إن دعوة التغيير بالعنف ليست أكثر من دعوة للانتقام، تستغل ما في الصدور من رغبة في القصاص (وهي رغبة لا نقلل منها، ولا نستهين بها)، ولكنها ليست دعوة لتغيير حقيقي، ولن تحقق تغييرا راسخا، ولن ينتج عنها سوى بقاء المستبد في مكانه، وتبرير إجرامه وبطشه، ودليلنا على ذلك عشرات التجارب في الوطن العربي.

*       *       *

بقيت كلمة أخيرة أقولها – مضطرا رغم أنها قد تغضب البعض – لكل الذين سيسخرون من هذه المقالة قائلين (سلميتنا أقوى من الرصاص) !

أقول لهم : إن سلميتنا أقوى من الرصاص بالفعل، ولكن إذا كان على رأسها قيادة واعية، تفهم معنى السلمية، وتعرف كيف تحقق التغيير، وتفهم عدوها، وتدرك إمكاناتها.

ليس ذنب فكرة السلمية أن من قاد حراك الجماهير كان بإمكانه أن يُوَجِّهَ عشرات الملايين من الثوار لاحتلال المباني الحكومية، ولمحاصرة المفاصل الاستراتيجية للدولة، ولكنه بدلا من ذلك أمر المتظاهرين بالانسحاب من الشوارع حين صدر أمر الطاغية بحظر التجول !

لا تحاسبوا فكرة السلمية بما جنته أيادي أناس لا علاقة لهم بالفكرة، بل قادوا الجماهير في غفلة من الزمن ... إلى الهاوية !

ليس ذنب السلمية ... بل هي كفاءة من قاد الجماهير !

رابط المقال على موقع عربي 21