أزمة ثقة (1-2)

المقال منشور بموقع عربي 21 بتاريخ 13-1-2019 م

(اللي يتلسع من الشوربة، ينفخ في الزبادي) !

تذكرت هذا المثل المصري حين تابعت مثل الكثيرين ردود الأفعال على حلقة برنامج (60 دقيقة) واللقاء المثير الذي أجراه المذيع المتألق "سكوت بيلي" مع رئيس جمهورية الأمر الواقع في مصر السيد عبدالفتاح "سيسي"، وكان من المدهش – بالنسبة لكاتب هذه السطور – أن كثيرا من المتابعين لم يروا في الحلقة جديدا، بل إن البعض رآها حلقة تأتي في سياق (تلميع الديكتاتور)، فهي له لا عليه، وهي في صالحه وليست ضده !

لم أتمكن من فهم وجهة النظر تلك من خلال المداخلات على مختلف الصفحات على مواقع التواصل، فقمت بتجربة الحوار مع بعض أصحاب وجهة النظر تلك ... وقد انتقيت شخصيات (حقيقية) لا لجان إلكترونية، وغالبيتهم من ذوي الدرجات العلمية العليا (أطباء ومهندسون)، وكانت نتيجة الحوار كالتالي :

*       *       *

في البداية يبدو أن المعلقين (المحبطين) لم يلاحظوا أن السيد "سيسي" لأول مرة في حياته (وغالبا لآخر مرة) كان متحدثا يعلق عليه آخرون !

لقد تعودنا أن كلمة الرئيس هي القول الفصل في كل شيء، وأنه لا معقب لكلماته، ولكن في هذه الحلقة علّق عليه أحد سجنائه السابقين (الأستاذ محمد صلاح سلطان)، وعلق عليه كذلك مسؤول سابق في إدارة أوباما (آندرو ميلر)، وقد عرّوه تماما، فأظهرت مداخلاتهم أي نوع من المستبدين هو.

علاوة على ذلك علّق أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين على كلامه أيضا، صحيح أن تعليقه كان غير موفق، ولكن – حسب معلوماتي – يبدو أن الرجل تحدث لفترة طويلة للبرنامج، ولكن الدقيقة التي اختيرت لتوضع في الحلقة لم تكن أفضل ما قاله.

الخلاصة أن السيد (الرئيس) حرم من ميزة القول الفصل، وهو أمر بالنسبة لهذا النوع من المستبدين السيكوباتيين لو تعلمون عظيم !

*       *       *

من الغريب أيضا أن المعترضين على الحلقة لم يلاحظوا حدة المذيع في توجيه الأسئلة !

من يعمل في مهنة الإعلام يعلم أن الأسئلة التي سألها المذيع سكوت بيلي كان يمكن أن تطرح على الضيف بطرق كثيرة فيها (توقير) للضيف، ولكن المذيع اختار أن يطرحها بهذا الشكل، لقد اختار أن يقول له في وجهه (هناك دماء على يديك)، اختار أن يفند أقواله حين قال إن هناك آلافا من المسلحين في ميدان رابعة، لقد تعمد المحاور أن يكون فظا !

لذلك من أغرب وأعجب العجائب هو ادعاء البعض أن هنالك اتفاقا لتلميع "سيسي" بين فريق البرنامج وبين رئاسة الجمهورية !

والحقيقة إن من يقول بذلك لا شك أنه يعيش في عالم آخر، وهو منفصل تماما عن هذا الكون وما يجري فيه.

*       *       *

من أهم حجج المشككين في الحلقة أن "سيسي" لم يأت بجديد، فهو قد ردد كلامه نفسه، بل كانت فرصة له لكي يسمعه جمهور عريض لم يسمع حججه من قبل، خصوصا أن أحدا لم يرد عليه (حسب كلام كل من تحدثت معهم بشكل مباشر).

والغريب هنا أن المرء يستغرب ما هي الأسئلة (الجديدة) التي يطمح إليها هؤلاء؟ نحن أمام شخص يكرر جرائمه دون ابتكار ... منذ أيامه الأولى وهو يقتل ويسجن ويعذب ويخفي قسريا الخ، وهذه هي الأسئلة التي ينبغي أن يسألها ... فما وجه الاعتراض؟

المثير للدهشة هو غفلة المشككين عن رد سؤالهم وهو واضح كالشمس، وهو وجود الحقوقي الأستاذ محمد صلاح سلطان في الحلقة نفسها، ورده على ما قيل، كما أن السيد آندرو ميلر قد فند كل ادعاءات "سيسي" المتعلقة بإرهاب خصومه !

*       *       *

لقد كانت هذه الحلقة متحيزة ضد "سيسي" بشكل واضح (متحيزة في إطار المهنية الصحفية، ودون إخلال بأي من أصول المهنة)، فالتعليق الصوتي – وهو وجهة نظر فريق العمل وليس أي أحد آخر – قال تعليقا على قول "سيسي" بأن هناك تدابير أمنية استخدمت بعد الثالث من يوليو (ما يسميه "سيسي" تدابير أمنية شمل مذبحة قتل فيها 800 فرد)، بل إن المعلق قد قال في أحد المقاطع : (السجن أداة سياسية في مصر، السيسي حبس أكبر منافس له في الانتخابات ففاز بـ 97 %)، وغير ذلك من التعليقات التي تدين الرجل وتفضحه بشكل واضح، وما زلت أتعجب كل العجب كيف يمكن تصنيف هذه الحلقة كحلقة في صالحه ؟!

*       *       *

في النهاية ... هناك مجموعة من الحقائق حول هذه الحلقة، أولها أن هذه الحلقة ليست كاملة ... فلها جزء آخر كان ينبغي أن يصور في القاهرة، ولكن بعد هذه الصفعة لم يتم ذلك، بل حاولت الرئاسة أن تستقطب فريق البرنامج عن طريق استضافتهم في القاهرة، وأن تلغى الفقرة التي سجلت في نيويورك !

الحقيقة الأخرى أن هذا البرنامج هو برنامج النخبة الأمريكية، وقد كانت ردود الأفعال عليه في هذا الوسط سلبية تماما، وازدادت صورة الدكتاتور قتامة فوق قتامتها، وكل من شاهدها من الجمهور الأمريكي الواسع أصبح يدرك أن مصر يحكمها سفاح.

الحقيقة الأخيرة ... أن السيد "سيسي" قد غضب غضبا شديدا بعد انتهاء التصوير، وفهم الفخ الذي تعرض له (الفخ الذي لم يفهمه بعض معارضيه)، ولذلك كان طلب عدم البث بعد انتهاء التصوير بساعة واحدة.

في النهاية ... إذا أردت عزيزي القارئ أن تفهم كيف يمكن لهذا البرنامج أن يحترم ضيوفه، وكيف يمكن له أن يهينهم ويفضحهم، بإمكانك المقارنة بين حلقة "سيسي" وحلقة الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني" أمير قطر والتي أذيعت في أكتوبر 2017.

*       *       *

ومن ضمن الأمور المدهشة – بالنسبة لي – هو حلقة برنامج (بتوقيت مصر) في قناة العربي، حيث أذاعت تقريرا بعنوان (حوار مخيب للآمال)، وتفنن فيه القائمون على البرنامج في إظهار أن الحلقة لم تضف جديدا ... وكانت الحجة نفسها ... أسئلة (قديمة)، وإجابات (مكررة).

ما أدهشني هو صدور هذا الحكم عن (إعلاميين) يفترض أنهم متخصصون في هذه المهنة، وكيف لم يلاحظوا أن الحلقة ضد السيد "سيسي" على طول الخط.

الطريف في الأمر أن ضيوف هذه الفقرة قد أثبتوا العكس تماما، ولو كنت ضمن فريق البرنامج لشعرت بحرج شديد بعد أن وضعت هذا العنوان المتسرع لموضوع بهذه الأهمية.

*       *       *

في نهاية الأمر ... ليس هدفي من هذا التحليل هو معرفة جدوى الحلقة ... بل الهدف هو سؤال آخر بعد هذا السؤال ... (لماذا يشك الكثير منا في كل شيء؟) !

سأحاول الإجابة بمزيد من الأسئلة في الأسبوع القادم ...

رابط المقال على موقع عربي 21