مقاطع من قصيدة

ارْفَعْ سِلاحَكَ بَعْدَ النَّصْرِ مُخْتَالا 
يا ابْنَ الجَنُوبِ كَسَرْتَ الوَهْمَ أغْلالا

إنَّ التـَّكَبُّرَ مَحْمُودٌ إذا ظـَهَرَتْ 
جُيُوشُ خَصْمِكَ أرْتـَالاً فأرْتـَالا

ضَمِّدْ جِرَاحَ زُهُورَ الأرْض ِ، إنَّ لـَهَـا
مِنَ الجِرَاحَاتِ ألـْوَانـَا و أشْكَالا

أطـْلالُ بَيْتِكَ عَمِّرْهـَا مُقـَاوَمَة ً 
و العُرْبُ تـَبْنِي بالاسْتِسْلامِ أطـْلالا

و العُرْبُ كَانـَتْ مُلـُوكَ القَوْلِ مِنْ أزَلٍ
و أنْتَ أتـْقـَنْتَ يا مِغـْوَارُ أفـْعَالا

و العُرْبُ تـَكْنِزُ أمْوَالاً و أسْلِحَة ً
و تـَقـْتـُلُ الجَيْشَ تَجْدِيدَاً و إحْلالا

لا تَنْتَظِرْ جَيْشَهُمْ في أيِّ مَعْرَكَةٍ
لا يَبْذُلُ الرُّوحَ مَنْ لا يَبْذُلُ المَالَ

جَيْشٌ تَثـَاءَب في الثـَّكْنَاتِ مِنْ كَسَلٍ
دَوْمَاً عَلَيْنَا إذا مَا صَالَ أوْ جَالَ

يا ابن الجنوب دعاة السلم قد هزموا
        و استسلم 

النَّصْرُ أبْصَرَ في عَيْنَيْكَ غـَيْمَتـَهُ
تَسِيلُ فـَوْقَ رُؤُوس ِالأرْز ِشَلَّالا

و النَّصْرُ مَقـْطـُوعَة ٌقـَدْ بـِتَّ تَعْزِفـُهَا
تُجَدِّدُ العُمْرَ أجْيَالاً فأجْيَالا

و النَّصْرُ نَصٌّ جَمِيلٌ بـِتَّ تَسْرُدُهُ
عَلى المَسَامِع ِتَفْصِيلاً و إجْمَالا 

يَا ابْنَ الجَنُوبِ و قـَدْ أرْهَقـْتَ قـَافِيَتِي
أعْجَزْتَ حَرْفِيَ آلامَاً و آمَالا

" النـَّصْرُ يُفـَسِّرُهُ بَعْضُ الحَمْقـَى 
بـِسَلامَةِ مَوْلانـَا في القـَصْرْ !
و يُفَسِّرُهُ جِنِرَالاتٌ 
بـِتـَحَوُّلِ رَمْز ِالدَّوْلـَةِ بَعْـدَ هِلال ٍ نـَسْـرْ !
و يُفَسِّرُهُ بَعْضُ الأغـَوَاتِ 
بَأنْ يَتـَعَـدَّى مَالـُكَ حَـدَّ الحَصْـرْ !
مَا مَعْـنـَى الـنـَّصْـرْ ؟
قـُلْ لي يَا بَالِغَ طـُول ِالأرْز ِ
فِـدَاكَ الشـِّعـْـرُ . . . 
بـِرََبـِّـكَ خـَبـِّرْنِـي . . . 
مَا مَعْـنـَى الـنـَّصْـرْ ؟ "
فـَتـَأمَّـلَ فيَّ كـَجَــدٍ سَايَـرَ أصْغـَـرَ مَـنْ 
قـَـدْ جَـاءَ مِـنَ الأحْـفـَادِ لِكـَيْ يَتـَحَـدَّى الجَـدَّ 
بـِعَـشـْـرَةِ طـَاولـَةٍ  لِلزَّهْـرْ . . . !
فـَصَـرَخـْـتُ بـكـُلِّ العَـزْم ِ: 


" تـَرَفـَّقْ بي !
فـَسُؤَالي جـِدٌّ لـَمْ يَعْـرِفْ مَعْـنـَى اللعِـبِ !
فـَارْحَـمْ تـَعَـبـي . . . 
يَـا مَـنْ عَـبـْـرَ الأزْمَـان ِ يُـشَاركـُنِي نـَسَبـِي . . . "
فـَأجَابَ - و لـَمْ يَنـْطِقْ – بـِشـَوَاظٍ مِـنْ لـَهَـبِ :

"السَّيْفُ أصْدَقُ أنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ
في حَدِّهِ الحَدُّ بَيْنَ الجِدِّ و الَّلعِبِ "

فـَسَألـْتُ :
" أتـَحْفـَظ ُ شِعْرَ أبِي تـَمَّامْ ؟"
فـَأجَابَ – و لـَمْ يـَنـْطِـقْ – : 
" بَـلْ أحْفـَظ ُ كـُلَّ عُهُودِ كِتـَابَاتِ الأقـْلامْ . . . 
تـَتـَزَايَدُ في كـَرَّاسَةِ ذِهْني 
عَـبْـرَ تـَصَاريفِ الأعْـوَامْ . . . 
في آخِـر ِخَط ِّ دِفـَاع ٍ عَـنْ  شـَرَفِ الأحْلامْ . . . 
أو أوَّل ِ خَط ِّ هُجُوم ٍ ضِدَّ خَفـَافِيـش الإظـْلامْ . . . 
أحْمي بالصَّارُوخ ِالعَرَبي المَسْجـِـدَ و المَشـْتـَـلْ . . . 


أسْتـَشـْرفُ بالأشْعَار ِغـَدَاً أجْمَلْ . . . " 
فـَهَتـَفـْتُ بـِهِ : 
" يَا فـَارِسَ أرْض ِ العُرْبِ 
اكـْتـُـبْ تـَاريخَ المُسْتـَقـْبـَـلْ . . . ! "
فـَدَعَانِي كـَيْ أتـَحَـرَّكَ نـَحْـوَ تِـلال ِالعِـزَّةِ في  لـُبْنـَانْ . . . 

*    *    *
أبْصَرْتُ (مَارُونَ الرَّأس ِ) تـَنـْتَظِرُ
مِنِّي سُؤَالاً و الصُّبْحُ يَنْتَشِرُ

سَاءَلْتُهَا عَنْ صُمُودِ فِتْيَتِهَا
و كَيْفَ للمَظـْلـُومينَ قـَدْ ثـَأرُوا ؟

أجَابَنِي رَدٌّ الأرْض ِ مُبْتَسِمَاً
" بأنَّهُمْ بالإيمَان ِ قـَدْ نـُصِرُوا

و أنَّهُمْ بالتَّحْرير ِقـَدْ وَثـَقـُوا
و أنَّهُمْ للأعْدَاءِ قـَدْ خَبـَرُوا

قـَدْ أقـْبَـلـوا سَعْيُ العِزِّ يَدْفـَعُهُمْ
فـَانـْطـَلـَقـُوا مِثـْلَ السَّيْل ِيَنْحَدِرُ

قـَدْ خَرَجُوا مِثـْلَ الشُّهْبِ فـَاخْتَرَقـُوا
دُرُوعَ جَيْش ِالأعْدَاءِ يَنـْدَحِرُ

مَا ضَرَّهُمْ مِنْ أعْدَاءِهِمْ صَلـَفٌ
أو شَلـَّهُمْ خَوْفَ مَوْتِهـِمْ حَذَرُ

لـَمْ يَمْنَع ِالمَوْتَ جَرْيُ مَنْ هَرَبُوا
أو قـَصَّرَ العُمْرَ صَبْرُ مَنْ صَبَرُوا !

لـَقـَدْ أعَدُّوا للحَرْبِ عُدَّتَهَا
لذا اسْتَجَابَ القـَضَاءُ و القـَدَرُ "

رَدَّتْ عَليَّ التـِّلالُ شَامِخَة ً
حَتَّى وَجَدْتُ السُّؤَالَ يَعْتَذِرُ !

(مَارُون الرَّأس ِ) تـَقـُـولُ الشِّعْرَ و كـُلُّ الكـَوْن ِسَمَاعْ . . . 
و الصَّوتُ كـَنُور ِالشَّمْس ِ يُلـَوِّنُ هَاتِيكَ الأصْقـَاعْ . . . 
فـَتـُجـِيبُ بـِرَغـْـم ِ البُعْـدِ القـُدْسْ . . . :

"نِدَاؤُكِ يَا ( مَارُونُ ) هَزَّ كِيَانِي
فـَتَنْتَعِشُ النَّجْمَاتُ بالَّلمَعَان ِ

نِدَاؤُكِ مَعْنَىً للتَّحَرُّر ِقـَائِمٌ
يُحَفـِّزُ في نَسْلِي الأبـِيِّ مَعَان ِ

تَقـُولُ دَوَاة ُ الحِبْر ِبَعْضَ دُمُوعِهَا
و تُوشِكُ مِنْ حُزْن ٍ عَلى الغـَلـَيَان ِ

و يَرْفـَعُ أبْنَائِي الدُّعَاءَ لِـرَبِّهِمْ    
و يَرْفـَعُ تَاريخُ الأُبَاةِ أذَانِي

قـُيُودٌ مِنَ الأغْرَابِ فـَوْقَ سَوَاعِدِي
و مَا زلـْتُ في صَمْتِ الأُباَةِ أُعَانِي

و لـُؤْمُ بِنِي الأعْمَام َمِثـْلَ كِمَامَةٍ
مِنَ الشَّوْكِ قـَدْ أمْسَتْ تـَشِلُّ لِسَانِي

أنَا القـُدْسُ مُا قـُسِّمْتُ رَغْمَ عُهُودِهِمْ
يُوَحِّدُنِي التَّاريخُ فـُوْقَ مَكَانِي

حُدُودٌ مِنَ الأوْهَام ِسَوْفَ أُزيلـُهَا
لتُصْبـِحَ أشْكَالاً مِنَ الهَذَيَان ِ

سَيَصْمُدُ شِبْلٌ بَعْدَ شِبْل ٍ مُقـَاوِمَاً
كَأنَّ عُصُورَ القـَيْدِ بَعْضَ ثـَوَان ِ

أمَارُونَ رَأس ِالعِزِّ بُشْرَاكِ قـَدْ أتـَتْ
كَـنَجْم ٍلِفـُلـْكِي في الظـَّلام ِهَدَانِي"

و انـْبَرَى مِنْ خَلـْفِ أصْوَاتِ المَدَائِنْ . . . 
مِثـْلَ عُصْفـُور ٍ يُغَنِّي للأمَاكِنْ . . .


لـَفَّ كـُوفِيَّـتـَهُ مِنْ حَـوْل ِ رَأس ٍ تـَحْمِلُ العَـزْمَ العَـنِـيـدْ . . . 
عَـلـَّقَ (الخَرْطـُوشَ) فـَوْقَ الكـَتِـفِ اليُمْنـَى 
كـَمَا مَهْـدِ الوَليـدْ . . . 
مُمْسِكـَاً في كـَفـِّهِ اليُمْـنـَى حِجَـارَاً 
و بـِيُسْرَاهُ أرَى المِقـْلاعَ كـَالـَّـلحْن ِالمَجـِيـدْ . . . 
و عَلى الخَصْر ِحِزَامٌ نـَاسِفٌ مِثـْلَ حِجَاب ٍ 
يَجْلِـبُ الحَظ َّ السَّعِيـدْ . . . ! 
وبَـدَا (صَارُوخُ  قـَسَّام ٍ) عَلى الكِتـْفِ اليَسَارْ . . . 
مِثـْـلَ لـَيْـثٍ مِنْ حَدِيدْ . . . 
قـُلـْتُ : 
" يَا ابْنَ القـُدْس ِمَا هَذا السِّلاحْ ؟"
قـَالَ : 
" (خَرْطـُوشَة ُ) جَـدِّي . . . 
و حِجَارَاتُ وليدي . . . "
قـُلـْتُ : 
" عَـفـْـوَاً . . . و لِمَاذَا ؟ "
قـَالَ : 
" مِيرَاثُ البُطـُولاتِ 
و ذِكْرَى العِزِّ في المَاضِي  التـَّليدَ . . . !


لـَيْسَ في الأمـْر ِجَدِيدْ . . . 
أنْ تـَرَى الجَـدَّ الشـَّهـِيـدْ . . . 
و كـَذا صَارَ الحَفِـيـدْ . . . !
و أنـَا أكـْتـُبُ دَرْسَاً مِنْ دَوَاةٍ 
حَبْرُهَا مِنْ نـُور ِِهَذِي الشـَّمْسْ . . . 
يَسْطـُعُ المُسْتـَقـْبـَلُ المُشْرِقُ  فِيهِ مِنْ ضِيَاءِ الأمْسْ . . . "
قـُلـْتُ : 
" قـُلْ لي . . . 
هَلْ عَرَفـْتَ النَّصْرَ يَوْمَاً . . . ؟ "
قـَالَ : 
" إنـِّي قـَدْ عَـرَفـْتُ النـَّصْـرَ مَرَّاتٍ عَدِيدَة ْ . . . 
مَرْة ً حِينَ جَعَلـْتُ الأرْضَ للنـَّاس ِعَقِيدَة ْ. . . 
و كـَذا حِينَ رَفـَضْتُ القِلـَّة َ الحَمْقـَاءَ 
قـَدْ أمْسَتْ بـِذُلـِّي مُسْتـَفِيدَة ْ. . . 
و كـَذا حِينَ بـِيـَوْمِـي صُنـْتُ مِيرَاثِ الجُـدُودْ . . . 
أيَّهَـا الشـَّاعِـرُ فـَاسْـمَـعْ . . . 
عَـادَ جَـدِّي مِـنْ قِـتـَال ٍرَاكِبـَاً فـَوْقَ حِصَانِـهْ . . . 
عـَادَ مَقـْتـُولاً و نـَالَ الأبـَدِيـَّـة ْ. . . 
و كـَـذا كـَانَ وَلـِيـدي . . . 


كـَانَ في قـَذْفِ الحِجَارَاتِ بـَرَاعَـة ْ. . . 
و تـَحَـلـَّـى – رَحْمَة ُ اللهِ عَـلـَيـْـهِ – بالشـَّجَـاعـَـة ْ. . . 
كـُلـَّمَـا شـَاهـَـدَ دَبـَّابـَـة َ أعْـدَاءِ الوَطـَـنْ . . . 
ظـَنـَّهَـا فـَزَّاعَـة ْ. . . !
و صَـوَاريـخُ الأعَادي لا تـَهَـابُ المَدْرَسَة ْ. . . 
لا تـَهَـابُ البـَيْـتَ و المَسْجـِدَ أو سَيـَّارَة َ الإسْعَـافِ 
أو حَافِلـَة َ الأطـْفـَـال ِ
أو مَشـْفـَىً صَغِيرْ . . . !
هـَلْ رَأتْ عـَيـْنـُك صَارُوخـَاً لـَـهُ بَعْضُ ضَمِيـرْ . . . ؟
نِصْفُ قـَرْن ٍ بـَـلْ  يـَزيـدْ . . . 
نِمْـتُ في الخَيْمَـةِ لـكِـنْ . . . 
كـُنـْـتُ أحْـلـُـمْ . . . !
كـُـلُّ أشـْوَاقِـي  و أحْلامِـي خـُيـُولْ . . . 
و رَكِبـْـتُ الخـَيـْـلَ  نـَحْـوَ العِـزِّ في تِلـْـكَ الحُقـُـولْ . . . 
و إذا اسْتـَيْـقـَظـْـتُ ألـقـى الحُلـْـمَ مُلـْقـَـىً 
فـَـوْقَ هَاتِيـكَ الوسَـادَة ْ . . . 
إنَّمـَا الحُلـْـمُ عِبَادَة ْ. . . !
إنـَّهُ بُـشـْـرَى السَّعـَادَة ْ. . . 
إنـَّمَا النـَّصْـرُ بـأنْ تـَفـْهـَـمَ قـَانـُـونَ الحَيَاة ْ. . . 


كـُلُّ أمٍّ في بـِلادِي خَبـَّأتْ أكـْفـَانَ أبْنَاءٍ 
كـَمَا مُسْتـَلـْزَمَـاتِ البَيْتِ 
أو أغْرَاض ِطِفـْل ِالمَدْرَسَة ْ. . . !
و مَقـَاسُ الكـَفـَن ِالمَخـْبـُوءِ في دُرْج ِالهـُمُومْ . . . 
كـُلَّ عَام ٍصَارَ أكـْبَرْ . . . 
و إذا مَاتَ الوَلـَدْ . . . 
خَرَجَتْ كـُلُّ الزَّغَاريدِ كـَأطـْيـَارٍ حَبـِيسَـة ْ. . . !
خَرَجَتْ صَـرْخـَة ُ جـِذْع ٍ فـَارَقَ الأرْضَ 
و لـَمْ يـَتـْرُكْ جـُذُورَهْ . . . 
كـُلُّ يَوْم ٍعِنـْدَنـَا ألـْفُ مَخـَاض ٍ 
و (سُبـُوع ٍ) 
و جـِنـَازَة ْ. . . !
طـَائِرُ المَوْتِ مُقِيمٌ عِنـْدَنـَا 
لا لـَيْسَ يَحْظـَى بإجَـازَة ْ. . . !
إنـَّمـَا النـَّصْـرُ بـأنْ تـَحْـيـَا بـِلا أيِّ وَجَـلْ  .. .
مِـثـْـلَ مَنْ يَـقـْطـَعُ سَيـَّـافٌ بـِظـُلـْم ٍ رَأسَـهُ 
لـَكِـنْ  يـَقـُومْ . . . 
يَحْمِـلُ الرَّأسَ و يَمْضِي  للعَمَلْ . . . !
يَـشـْحَـذُ السَّيـْفَ عَلى نـَظـْرَةِ عَـزْم ٍ حَجَريـَّة ْ. . . !


أيُّهَا الشـَّاعِرُ أخْبـِرْ كـُلَّ تِـلـْـكَ البـَشـَريـَّـة ْ. . . 
قـَصْعَة ُ الحِقـْدِ بأرْضِي امْتـَلأتْ 
حَتـَّى الحَوَافِ الأزلـيَّـة ْ. . . 
و كـَذا نـَهْـرٌ لثـَأري 
فـَاضَ مِـنْ فـَوْق ِ الضِّفـَافِ السَّـرْمَـدِيـَّـة ْ. . . 
أيُّهـَا الشـَّاعِـرُ فـَاعْلـَمْ . . . 
ثـُمَّ عَـلـِّـمْ . . . 
إنـَّمـَا الـنـَّصْـرُ بـأنْ تـَحْـيـَا القـَضِـيـَّـة ْ. . . !"
ثـُمَّ غـَابْ . . . 
و أنـَا أسْمَعُ كـُلَّ الكـَوْن ِ تـَرْدِيدَاً لآيـَاتِ الجَـوَابْ . . .   

*    *    *

(بـِنْتُ جُبَيْلٍ) تَشْتَاقُ مَنْ رَحَلوا
و اسْتَقْبَلـَتْ بالأحَضَان ِمَنْ وَصَلـوا

تَقـُولُ: إنَّ الأحْبَابَ قـَدْ قـُتِلوا
لكِنَّهُمْ في الأعْدَاءِ قـَدْ قـَتـَلـُوا !


تـَدْعُوا لهُمْ بالرَّحْمَاتِ في سَحَر ٍ
نـَحْوَ إلهِ الأكـْوَان ِتـَبْتـَهـِلُ

تُخْبـِرُني عَنْ أسْرَار ِدَمْعَتِهَا
تـَعْبيرُهَا فيهِ الحُبُّ و الخَجَلُ

تـَقـُولُ: "قـَالَ الأعْرَابُ إفـْكَهُمُ
لكِـنَّ أبْنـَائِي الغـُرُ قـَدْ فـَعَـلـُوا"

تـَقـُولُ: "إنَّ الآجَالَ قـَدْ قـُدِرَتْ "
و الشِّعْـرُ لـَحْـنٌ في الَّليْل ِيَكـْتـَهـِـلُ 

قلـْتُ لهَا: جَيْشُ العُرْبِ مُؤْتَمِرٌ
بقـَادَةٍ للأعْدَاءِ قـَدْ عَمِلـُوا

مَا زَادَهُمْ حِينَ المَدْح ِمَنْ مَدَحُوا
أو ضَرَّهُمْ حِينَ العَذْل ِمَنْ عَذَلوا !

(بـِنْتُ جُبَيْلٍ) تـُصْغِي لأزْمَتِنـَا
قـَالـَتْ وبَعْضُ الأقـْوَال ِيُرْتـَجَـلُ

"لا بُـدَّ مِـنْ حَـدِّ السَّيـْفِ يَقـْتـُلـُهُمْ
و الخَيْرُ يَأتِي للنـَّاس ِلـَوْ قـُتِلـُوا !"

تـَتـَكـَلـَّـمُ  (بـِنـْتُ جُبَيْلٍ) فـَالأكْوَانُ غـَدَتْ آذانْ . . . 
تـَتـَلـُو سِفـْرَ التـَّكـْويـن ِ تـُرَتـِّـلُ بَعْضَاً مِنْ آي ِالقـُرْآنْ . . . 
يَمْتـَدُّ الصَّوْتُ بـِحَجْـم ِ تـَوَاريـخ الأزْمـَـانْ . . . 
و يَـرُدُّ الصَّـوْتُ القـَادِمُ مِـنْ عَـمَّـانْ :

"و دَمْعٌ عَلى خـَدِّ التـِّلال ِهَتـُونُ
و تـَفـْتِكُ بي عَبْرَ الظـُّنـُون ِظـُنـُونُ

و أيُّ ظـُنُون ٍو الخِيَانـَة ُأُشْهـِرَتْ
لتُهْتـَكَ للشـَّعْـبِ الأبـِيِّ عُيُونُ

 

يُرَدِّدُ بُوقُ القـَصْـر ِلـَحْنَ عَـدُوِّنـَا
فـَتـَقـْتـُلـُنـَا نـَحْنُ الأبِـَاة َ لـُحُونُ

و يَلمَعُ تـَاجُ المُلـْكِ فـَوْقَ رُؤُوسِهـِمْ
و تـَزْدَادُ في بَيْتِ الفـَقِـيـر ِدُيُونُ

تـُسَنُّ قـَوَانِينُ المَذَلـَّةِ فـَوْقـَنـَا    
فـَتـَزْدَادُ قـُضْبَـانٌ لـَنـَا و سُجُونُ

أبـِنْتَ جُبَيْل ٍقـَدْ تَعَاقـَبَ فـَوْقـَنـَا
سُلالاتُ خـُوَّان ٍتـَخـُونُ تـُخـُونُ

أنَادِيكِ يَا بـِنْتَ الجَنـُوبِ وثـَوْرَتِي
يُغـَطـِّي نُهُوضَ الأُسْدِ فيهَا سُكُونُ

هُوَ السَّيْفُ للتَّحْرير ِنَهْجٌ مُوَحَّدٌ
يَكُونُ شُرُوقُ الفـَجْر ْحَيْثُ يَكُونُ "

قـَالـَتْ عَمَّانْ . . . 
فـَتـَألـَّمَـتِ الأكـْوَانْ . . . 
و أنَا مَا زلـْتُ أسيرُ بـِرَكـْبِ الشـَّامِخ ِ 
نـَحْـوَ خـُلاصَاتِ الأزْمَانْ . . . 
نـَحْـوَ الإمْكـَانْ . . . 
و وَجَدْتُ أمَامِي شَخْصَاً كـُلُّ شـُحُوبِ الكـَوْن ِعَلـَيـْـهْ 
و يَنـْظـُرُ لي . . . 
يَتـَأمَّـلُ فيَّ بعَيْن ِالحِيطـَةِ و الحَـذَر ِ. . . 
و مَلابـِسُـهُ قـُــدَّت مِنْ كـُلِّ مَكـَانْ . . . 
يَبْدُو عُصْفـُورَاً ضَـلَّ السِّـرْبَ بطـَقـْـس ِ مَطـَـرْ . . . 
فـَسَألـْـتُ بلـَهْجَـةِ إشْـفـَاق ٍ: 
" مَنْ أنـْـتْ ؟ "
فـَأجَابْ :
" أنـَا مَحْضُ أسيرْ . . .
العَظـْمُ نِهَايَتـُهُ تـَكـْسِـيـرْ . . . 
هَذا لـَحْـمِـي يَـبْـدُو قِطـَعَـاً قِطـَعَـاً . . . 
و الشَّئُ الأسْوَدُ فـَوْقَ حِزَامِي . . . 
آثـَارُ الجَنـْزيـرْ . . . 
لا تـَبـْكِ عَزيزي . . . 


لا تـَتـَجَمـَّـلْ . . . 
لا تـَبْـدَأ في أشـْكـَال ِ التـَّأثِـيــرْ . . . 
لـَوْ كـَانـَتْ تِلـْـكَ دُمُوعُ الصِّـدْق ِ 
لكـُنـْتـُمْ طـَالـَبْـتـُمْ بالثـَّـأر ِلمَقـْتـَلِـنـَـا . . . 
أو حَتـَّـى بالدِّيـَـةِ  المَلعُونـَةِ
يا مَـنْ أشْعُـرُ أنَّ دَمِي في أعْيُنِكـُمْ 
مَوْضُوعٌ جـِدُّ صَغِيرْ . . . !
قـَدْ كـَانَ الأجْـدَى أنْ أقـْضِي في حَـادِثِ سَيْرْ . . . ! 
عَادَتْ سَيْنَاءُ عَلى جُثـَثِ الأسْرَى البُرَآءْ . . . 
و نـَسِيتـُمْ أيـْنَ تـَكـَوَّمـَتِ الأشـْـلاءْ . . . 
عَـادَتْ سَيْنـَاءْ . . . 
و كـَأنَّ جَمَاجـِمَنـَا أمْسَـتْ أحْجَـارَاً للتـَّعْـمِـيــرْ . . . 
و كـَأنَّ لـُحُـومَ الأسْرَى أمْسَتْ مثـْلَ سَمَادٍ للتـَّشـْجـِيــرْ ...! 
أنـَسِيتـُمْ أنَّ عِظـَامِـي تـَمْـلأ ُ هَاتـيـكَ الأفـْيـَاءْ . . . ؟
عـَشـَرَاتُ الآلافِ المَدْهُوسَة ُ أعْظـُمُهُمْ 
تـَحْـتَ الدَّبَابَةِ في تِلكَ الصَّحْرَاءْ . . . 
مَا فـَكـَّرْتـُمْ أنْ تـَبْـنـُوا نـُصْبـَاً تِذكـَاريَاً 
يَرْمُزُ للأسْرَى الأمْوَاتِ و أنـْتـُمْ كالأسْرَى الأحْيَاءْ ! 
طـَابـُورُ الأسْـر ِالعَـارْ . . . 


عُومِلـْـتُ بـِهِ كـَذُبـَابَـة ْ. . . !
و حَفـَرْتُ القـَبْـرَ لأُلـْقـَى فيهِ  
و فـُوَّهَـة ُ الرَّشـَّاش ِعَلى رَأسِي . . . 
و العَـزْمُ انـْهَـارْ . . . 
و دُفِنـْـتُ بذاكَ القـَبْـر بـِـدُون ِطـُقـُـوس ٍ
بَعـْـدَ تـَـذَوُّق ِجَنـْزيـر ِالدَّبـَّابـَـة ْ. . . !
كـَمْ كـُنـْـتُ أظـُـنُّ النـَّصْـرَ كـَقـَصْـر ٍأدْخـُلـُـهُ 
مِثـْـلَ البَطـَل ِ المِغـْـوَارْ . . . 
و بَدَا لي آخِـرَ أمْري قـَصْـرَاً يُوصِـدُ بَابـَـهْ . . . !"
فـَمَسَحْتُ دُمُوعِي الـتــُّهْـمَـة ْ. . . !
و شَعَـرْتُ بأنَّ النـَّصْـرَ تـَحـَـوَّلَ نِقـْمَـة ْ. . . !
و سَألـْـتُ و نـَفـْسِـي تـَرْغـَبُ في الحِكـْمَـة ْ :
" هَـلْ تـَعْـرفُ مَعْـنـَى النـَّصْـرْ ؟ "
فـَأجَـابَ بـِصَـوْتٍ كـَالمَاضِـي العَـائـِـدْ . . . 
و بـِـرُوح ٍ كـَالفـَانِـي الخـَالِــدْ . . . 
و بحُـبِّ أخ ٍ. . . 
و بتـَلـْقِـيــن ِالوَالِــدْ :
" النـَّصْـرُ بـأنْ تـَجـِـدَ الـقـَائِــدْ . . . !
لا أنْ تـَقـْضِـي عَطـَشـَـاً أوْ تـَحْـتَ القـَصْـفِ 


بـِحَـرْبٍ مِـنْ طـَـرَفٍ وَاحِـدْ !"
فـَازْدَادَتْ كـُـلُّ مَعَانِـي النـَّصْـر ِغـُمـُوضـَـاً في بـَصَـري ... 
و شَعَـرْتُ بأنَّ الحِيـرَة َ في الدُّنـْيَـا أمْسَتْ قـَدَري . . . 
و أنـَا أتـَشـَبـَّـثُ في كـَفِّ الجَبَّار ِالبَالِغ ِطـُول ِالأرْز ِ 
كـَطِفـْل ٍ يُمْسِكِ كـَفَّ أخِيـهِ الأكـْبَـر ِ
حِينَ عُبُور ِالشـَّارع ِفي المَطـَر ِ. . . 
و يـَقـُولُ الفـَارسُ :
 " لا تـَيـْأسْ . . . 
فـَمـَعـَانِـي النـَّصْـر ِعَـديـدَة ْ!
و تـَعَـالَ لنـُكـْمِـلَ رِحْلـَتـَنـَا في ( عِيتـَا الشـَّعْـبْ ) . . . "

*    *    *

حَلـَلـْتُ في (عِيتَا الشَّعْبِ) مُبْتَسِمَا
و القـَلـْبُ يَبْدُو للعَيْن ِمُنـْقـَسِمَا

فـَنِصْفـُهُ في الأفـْرَاح ِمُنـْغـَمِسٌ
و نِصْفـُهُ بالأحْـزَان ِقـَدْ قـُصِمَا


تـَقـُولُ لي – والشُّجُونُ تَخْنـُقـُهَا-
أمْسِكْ بحَبْل ِالرَّحْمَن ِمُعْتَصِمَا

مَا قـَتـَلـَتْ تِلـْكَ الحَرْبُ مَنْ مَكـَثـُوا
و لا أفـَادَ الهُـرُوبُ مَنْ سَلِمَا!

حَدَّقـْتُ في شَكـْل ِجُرْح ِدَمْعَتِهَا    
وَجَدْتُ حَقـْلاً للزَّهْـر ِفيهِ نـَمَـا

سَجَدْتُ شُكـْرَاً للهِ يَدْفـَعـُنِـي
شُعـُورُ حُبٍ للهِ قـَدْ رَحِمَا

فـَفـَتـَّحَـتْ فـَوْقَ الأرْض ِسُنـْبـُلـَـة ٌ
كـَأنـَّهُ بَـيـْـتُ اللهِ مَـا هُـدِمَــا

و جَاوَبَتـْنِـي مِنْ دُون ِأسْئِلـَةٍ :
"لا تـَرْزَحُـوا تـَحْـتَ حُكـْم ِمَـنْ ظـَلـَمَا "

و لـْتـَغـْسِلـُوا وَجْهَ الصُّبْح ِلـَوَّثـَهُ
عَـرْشٌ لِـمَـنْ للأعْـدَاءِ قـَدْ خـَدَمَا

فإنـَّمَا يَأتِـي النـَّصْـرُ مُؤْتـَلِـقـَـاً
لِمَنْ رَأى حُكـْمَ الظـُُّلـْم ِفـَانـْتـَقـَمَا "

تـَتـَكـَلـَّمُ ( عِيتـَا الشَّعْبِ ) بصَوْتٍ للأسْمَاع ِ جَرَحْ . . . 
و الصَّوْتُ لذَاكَ الجَرْح ِ شـَرَحْ . . . 
و تـُجيبُ دِمَشـْقُ بصَوْتٍ مُمْتـَدِّ الآهَاتِ كـَقـَوْس ِقـُزَحْ :

" نِدَاؤُكِ (عِيتـَا الشـَّعْبِ) قـَدْ جَدَّدَ العَهْدَا
و تِلـْكَ جُحُوفُ العِزِّ مَا قـَصَّرَتْ جَهْدَا

كَأنـَّكِ و البُنـْيَانُ فيكِ مُهَدَّمٌ
ذِرَاعَ عِصَامِيٍّ و سِجْنـَا قـَدِ انـْهَـدَّا

أنـَا المَجْدُ قـَدْ أمْسَى فِـنـَاءً لضَيْعَـتِي
زَرَعْـتُ بـِهِ شِعْـرَاً فـَأتْحَفـَنِي وَرْدَا

عَدُوِّيَ مَهْزُومٌ عَلى كـُلِّ حَالـَـةٍ
يُفـَاجـِئـُنِي بَـرْقـَاً فـَأُرْعِبُـهُ رَعـْـدَا

حَنـَانـَيْـكِ "عِيتـَا الشـَّعْـبِ" أيُّ طـَريقـَةٍ
بهَـا يَضَعُ الأحْـرَارُ للمُفـْتـَري حَـدَّا

أعَاني عُيُونـَاً تـَسْتـَبيحُ مَحَارمِي
و تـَرْصُدُ ما أخـْفـَى الضـَّمِيرَ و مَا أبـْدَى

و يَسْتـَأسِدُ الثـَّوْريُّ فـَوْقَ أحِبَّـتي
و مَعْ تِلـْكـُمُ الأعْدَاءِ تـَحْسَبُهُ عَبْدَا

حَنَانـَيْكِ إنـِّي في القـُيُودِ مُقِيمَة ٌ
تـَنـَاسَلَ قـَيْدٌ فيَّ أوْرَثـَني قـَيـْدَا

فـَكَيْفَ و ذَاكَ الحَالُ تـَبْـدَأُ نـَهْضَتي
و كَيْفَ وذَاكَ الحَالُ قـَدْ أبْلـُغ ُ المَجْدَا؟"

و وَجَدْتُ أمَامِي شَخْصَاً آخَرَ يَنـْظـُرُ نـَحْوي 
يَدْعُوني لِحِوَارْ . . . 
يَبْدُو للعَيْن ِكـَمَا البَيْتِ المُنـْهَـارْ . . . 
و نَيَاشِينٌ تـَتـَألـَّـقُ فـَوْقَ الصَّدْر ِكـَمَا الأنـْـوَارْ . . . 
فـَسَـألـْـتْ : 
" مَـنْ أنـْـتْ ؟ "
فأجَابْ :

أنـَا مَنْ عَبَرْتُ مِنَ المُحَال ِإلى المُحَالْ
مِنْ فـَوْق ِأمْوَاج ِالكـَرَامَةِ في القـَنـَالْ 

نِصْفُ النـَّزيفِ بـِذي القـَنـَاةِ أسَلـْتـُـهُ
و النـِّصْفُ في سَيْنـَاءَ قـَدْ رَوَّى الرِّمَالْ

رِجْلايَ في سَيْنـَاءَ تـَعْرِفُ أنـَّهـَـا
مِنْ قـَبْـلُ قـَدْ سَارَتْ عَلى تِلـْكَ التـِّلالْ

 

فـَسَألـْتـُهُ : هَلْ مِتَّ حينَ عُبُورِنـَا ؟
أمْ مِتَّ مِنْ كَمَدٍ عَلى مَوْتِ الرِّجَالْ ؟

فـَأجَابَ بَلْ قـَدْ مِتُّ مَعْ إمْضَاءِنـَا
فـَوْقَ الوَثيقـَةِ بَعْدَ تَجْريم القِـتـَالْ !

" تـُريـدُ أنْ تـَعْـرِفَ كـَيْفَ مِتّ ْ ؟
فـَاسْمَعْ إذاً لِهـَذِهِ القِصَّـة ْ:
ذاتَ مَسَاءْ . . . 
دَاهَمَنـَا الخـَريـفْ . . . 
لـَكِـنْ بحَمْدِ اللهِ فـَاجَـأنـَاهُ بالرَّبـيـع ِ 
خـَبـَّأنـَاهُ في مَعَاطِفِ الشـِّتـَـاءْ . . .
ذَاتَ مَسَاءْ . . . 
داهَمَنـَا السَّيْفْ . . . 
لـَكِـنْ بحَمْدِ اللهِ فـَاجَـأنـَاهُ  بالدُّرُوع ِ
خـُبـِّـأتْ بـِجَـوْفِ مَخـْزن ِ الإبـَاءْ . . . 
ذاتَ مَسَاءْ . . . 
دَاهَمَنـَا احْتـِــلالْ . . . 


لـَكِـنْ بـِحَمْدِ اللهِ فـَاجَـأنـَاهُ باسْـتِـقـْـلالِـنـَـا 
مُخـَبـَّـأ ً في زُرْقـَـةِ السَّمَـاءْ . . .
ذَاتَ مَمَاتْ . . . 
دَاهَمَنِي الرَّئِـيــسْ . . . ! ! !  
لـَكِـنْ لِـسُـوءِ الحَـظ ِّ لـَـمْ أمْـلِـكْ سِـوَى صَـدْري . . . 
و متُّ  مِثـْلـَمـَـا تـَمُوتُ فـَـوْقَ الكـَفِّ 
حُمْرَة ُ الحِنـَّاءْ  . . . !"
و وَاصَلَ الكـَلامَ عَبْرَ الصَّـمْتِ ثـُمَّ ابـْتـَدَأ الضَّحِكْ : 
" شـُيـِّعـْـتُ في جـِنـَـازَةٍ  تـَمْـلـَـؤُهَــا العَسَاكِــرْ . . . 
نـَعـْـشٌ جَمِيــلْ . . . 
تـَجُـرُّهُ الخُيُولْ . . . 
و الكـُـلُّ يَـضْـحَــكْ . . . !
لا تـَنـْـدَهِـــشْ . . . 
فـَكـُلُّ شـَئ ٍ حَوْلـَنـَـا مُضْحِـكْ . . . !
إيمَانـُنـَـا بالأرْض ِ مُضْحِـكْ . . . 
و سَعْيُنـَا للرِّزْق ِ مُضْحِـكْ . . . 
تـَعْـلِـيـمُـنـَـا الـتـَّأريـخَ  للأطـْفـَـال ِ مُضْحِـكْ. . . 
شِرَاءُنـَا السِّلاحَ للجُيُوش ِباسْم ِ السِّـلـْـم ِ مُضْحِـكْ . . . 
و جَيْـشـُنـَا أصْبَـحَ في القـُيـُـودِ مُضْحِـكْ . . . 


الـشـِّـعـْـــرُ مُضْحِـكْ . . . 
و الـنـَّثـْـرُ مُضْحِـكْ . . . 
جَرَائِدُ الصَّبـَـاح ِ تـُضْحِـكْ . . .    
صِيَامُنـَا . . . 
قِيـَامُـنـَا . . . 
تـَسْبـيـحُـنـَـا و ذِكـْرُنـَـا . . . 
صَلاتـُنـَـا . . . 
إيمَانـُنـَـا باللهِ مُضْحِـكْ . . . ! ! !  
حَـتـَّـى أنـَا في النـَّعـْـش ِ كـُنـْـتُ أضْحَــكْ . . . ! " 
سَألتـُهُ : 
" إذَنْ لِمَاذَا هَـذِهِ الدُّمـُـوعْ ؟ " 
فـَقـَالَ : 
"أمْـرٌ وَاحِدٌ يَدْفـَعُ للبـُكـَاءِ كـَالمَـفـْجـُوعْ . . . "
فـَقـُلـْـتُ : " مَا هُو ؟ "
فـَقـَالَ : 
" إنـَّـهُ الضَّحِـــكْ !"
ثـُمَّ مَـضـَى يَـسْـألـُنِـي :
" هَـل ِالعُـرُوبَـة ُ اخـْتـَفـَتْ مِـنَ الـُوجُـودْ ؟


مَا ظـَـلَّ مِنـْهَـا مِثـْـلَ ضَـوْءِ نـَجْـمَـةٍ 
أتـَى لأرْضِـي مِـنْ بَعِـيــدْ . . . 
لكِنـَّهَـا قـَـدْ فـَنِـيَـتْ مِـنْ ألـْفِ عَـام ٍ أوْ يَـزيــدْ . . . !
يـَا أيـُّهَـا الـشـَّاعِــرُ المِصْريّ ْ . . . 
نـَكـَادُ نـدْعـُو اللهَ بـالعِـبـْـرِيّ ْ. . . !
و اللهِ إنـِّـي أصْـرُخُ بالعَـرَبـِـيّ ْ. . . 
و صَرْخـَتِـي تـَكـْعِـيـبـَة ٌ للـفـُـلِّ 
فـَوْقـَهَـا تـُغـَـرِّدُ الطـُّيـُـورُ بالبـُكـَـاءْ . . . 
الـشـَّعْـبُ تِلـْـكَ الخـَلـْطـَـة ُ البَـشـَريـَّـة ْ. . . 
قـُومُـوا و قـُولـُوا : (لا) . . . "
قـُلـْـتُ لـَـهُ :
" أنـْـتـُـمْ تـَـحُـوزُونَ السِّـلاحْ
و الـشـَّعْـبُ  أعْـزَلْ . . . ! "
فـَقـَالَ : 
" لا . . .  
لـَـوْ قـَالَ ذاكَ الـشـَّعْـبُ : ( لا ) 
سَوْفَ تـَرَانِي قـُمْـتُ مِـنْ قـَبـْـري أُريدُ أنْ أُريدْ . . . ! 
بـِـدُون ِ أنْ أخَافَ أنْ أُريــدْ . . . !
يَا أيُّهَا النـَّاسُ انـْـقِـذُونِـي و انـْقِـذُوا أنـْفـُسَـكـُـمْ . . . 


فـَالتـَّـاجُ فـُـوْقَ رَأس ِذَلِـكَ الدَّعِـيَّ تـَاجُ ثـَلـْـجْ . . . !
يَـا أيُّهـَـا الـشـَّعـْـبُ أفـِـقْ . . . 
و اصْرُخْ بـوَجْهـِي كـَالعَـصَافـيـر ِ: اسْـتـَفِـقْ . . . !
يـَا أيُّهَـا النـَّـاسْ . . . 
تـَخـَارَجُوا مِنْ جُبْنِـكـُم و حُزْنِـكـُم  و ذُلـِّـكـُــم . . . ! "
و بَعْـدَهـَـا رَأيـْتـُهُ قـَـدْ عَـادَ يـَضْحَــكْ . . . !
سَاءَلـْتـُهُ : 
" تـُرَاكَ قـَـدْ عَـرَفـْـتَ مَعْـنـَى النـَّصْـرْ ؟ "
فـَقـَـالَ لـي :

نـَصٌّ مِنَ الزُّورِ بالقِرْطـَاس ِو القـَلـَم ِ
أحَلَّ سَفـْكَ دَمِي في هَيـْئـَةِ الأُمَـم ِ

و في حَدِيقـَةِ بَيـْتٍ أبْيَض ٍكـُتِـبَـتْ
وَثِيقـَة ُ الرِّجْس ِو الإذْلال ِو النـَّدَم ِ

غـَيِّـرْ خَرَائِط َ أرْضِي في مُعَاهَدَةٍ
تـُلـْغِـي عُرُوبَتـَنـَا في صَالِح ِالعَجَم ِ


و امْنـَحْ عَدُوَّ تـُرَابِ الأرْض ِ بُغـْيَـتـَهُ
مِنْ مَاءِ نيل ٍبدَعْوى السِّلْم ِو الكـَرَم ِ

أكْرِمْ وِفـَادَتـَهـُمْ مَعْ كـُلِّ نـَائِبَةٍ
في قـَصْر ِمُلـْكِكَ أو في سَاحَةِ الهَرَم ِ

طـَبِّـعْ خُضُوعَاً ، و جَوِّعْ كُلَّ مَنْ عَبَرُوا
و انْزَعْ سِلاحَكَ ، و اقـْطـَعْ حُرْمَة َ الرَّحِم ِ

فـَهَـتـَفـْـتُ : 
" و لـَكِـنْ جَـاءَ رَئِـيــسٌ آخـِــرْ . . . ! "
فـَأجَـابَ  يـَقـُــولْ :

و اسْتـَبْْـدَلَ النـَّاسُ أفـَّاقـَاً بأفـَّاق ِ
الدَّاءُ فينـَا و لـَيْسَ العَيْبُ في الرَّاقِي !

بَصَائِرٌ عَمِيَتْ مِنْ طـُول ِغـَفـْلـَتِهَـا
و لـَيْسَ يَنـْفـَعُهَـا فـَتـْحٌ لأَحْدَاق ِ !

لا تـَفـْرَحُوا برَئِيس ٍبَاتَ مُرْتـَحِلاً
غـَابَ البَغِيضُ و لكِـنْ نـَسْـلـُهُ بَاق ِ !

هَا قـَدْ مَضَى ظـَالِـمٌ فـَرْدٌ بـِلا سَنـَدٍ
و نـَهْجُهُ  جَاثِمٌ يُودي بأعْـنـَـاق ِ !

الظـُّلـْمُ نـَارٌ و مَاءُ العَدْل ِ يُطـْفِـئُـهَـا
و النـَّاسُ قـَدْ بَدَّلـوا حَرْقـَاً بإحْـرَاق ِ !

قـَوْمٌ قـَضُوا عُمْرَهُمْ في كَأس ِخَمْرَتِهـِمْ    
و حينَ رَامُوا نـُهُوضَاً غـَيَّـرُوا السَّاقِـي !

و تـَرَاجَعَ  نـَحْـوَ الحَـزْن ِ
و مَا زَالـَتْ دَمْعَـاتٌ فـَـوْقَ الخـَدِّ تـَسِيــلْ . . . 
و كـَذَلِـكَ ضِحْكـَتـُـهُ تـَتـَـرَدَّدُ 
تـَطـْـرُقُ سَمْعِي كالإزْمِـيــلْ . . . 
و جـِـوَاري ذاكَ الـشـَّامِـخُ يـُمْـسِـكُ كـَفـِّي ثـُمَّ يـَقـُولُ :


" تـَمَاسَـكْ  . . . 
أنـْـتَ الآنَ سـَتـَدْخـُـلُ ( قـَانـَـا) . . . ! "

*    *    *

(قـَانـَا) بَكـَتْ و الأصْقـَاعُ تـَنـْتـَحِـبُ
بُكـَاؤُهـَا فيهِ الحُـزْنُ و الغـَضَـبُ

القـَبْـرُ مِـنْ فـَوْق ِالقـَبـْر ِفي بَـلـَـدٍ
أمْسَى ضَريحَـاً للعَـيْن ِ يَـنـْتـَصِبُ

مَذْبَحَة ٌجَاءَتْ فـَوْقَ مَذْبَحَةٍ
فالنـَّـارُ مِنْ فـَوْق ِالنـَّـار ِتـَلـْتـَهـِبُ

شَوَاهِدُ القـَبْـر ِالضَّـخْـم ِوَاقِفـَة ٌ
تـَنـْظـُرُ لي و الأفـْكَـارُ تـَضْطـَـرِبُ

 

قـَدْ صَرَخـَتْ ذي الأطـْفـَالُ في عَرَبٍ
و مَا أتـَاهُـمْ في المِحْنـَةِ العَرَبُ

كأنـَّهُمٍْ و الأنـْقـَاضُ فـَوْقـَهُـمُ
أحْيَاءُ لـَكِـنْ في الطـِّيـن ِ قـَدْ لـَعِـبُـوا

لـَمْ تـُخـْفِ كـَفُّ للمَوْتِ حُسْنـَهـُـمُ
و ذا لـَعَـمْـري أمْـرٌ لـَهُ العَجَبُ !

قـَدْ دُفِـنـُوا ثـَوْبُ النـَّوْم ِحُلـَّتـُهُـمْ
لكِنـَّهُـمْ ثـَوْبَ العُمْر ِقـَدْ سُلـَبـُوا

تـَقـُولُ (قـَانـَا) و المَوْتُ يَخـْنـُقـُهَـا
النـَّصْـرُ رَغـْمَ التـَّقـْتِـيـل ِ يـَقـْتـَـرِبُ

لـَمْ يُنـْقِـص ِالعُمْرَ صُبْرُ مَنْ صَبَرُوا
أوْ أجَّـلَ الحَتـْفَ جَرْيُ مَنْ هَرَبُوا !

و تـطِيرُ حُرُوفٌ قـَالـَتـْهـَا (قـَانـَـا) كـَسَحَابْ . . . 
تـَتـَكـَثـَّـفُ قـَطـْـرَاتٍ  مَطـَـرَا . . . 
و يـَـرُدُّ عَلى (قـَانـَـا) صَوْتٌ بجَـوَابْ . . . 
مِـنْ أرْض ِ( الـقـَاهِـرَةِ) المَحْبـُوسَـةِ في مِـصْـرَ  :

"أحُبُّكِ يَا (قـَانـَا) و قـَتـْلـُـكِ مِنْ قـَتـْلِـي
و أبْنـَاؤُكِ الأبـْرَارُ أحْسَبُهُمْ أهْـلِـي

أرُدُّ نِـدَاءً للضَّحَايَا بـِأدْمُع ٍ
و أقـْرَأ ُإصْحَاحَ الحَيَاةِ عَلى مَهْل ِ

و قـَدْ قيلَ في المَاضِي الهُمُومُ إذا أتـَتْ
تـُوَحِّدُ أهْـلَ الهَمِّ بالقـَلـْبِ و العَقـْلَ

و قـَدْ قِيلَ إنَّ الثـَّأرَ دَيْنٌ مُؤَجَّـلٌ
و قـَدْ قيلَ في أمْـثـَالِـنـَا القـَتـْلُ بالقـَتـْـل ِ

 

و نِيلٌ عَلى كـَفـَّيَّ يَجْري كـَأنـَّـهُ
يَفِـرُّ مِنَ الأمْرَاض ِو الفـَقـْر ِو الجَهْـل ِ

يَـفِـرُّ . .  و لا يَرْحَلُ رَغـْمَ فِـرَارِهِ
و يَشْـكـُو تـَصَاريفَ الزَّمَان ِإلى النـَّخـْـل ِ

و قـَاهِـرة ً أُدْعَى و ذاكَ لأنـَّنِي
قـَهَـرْتُ بـِرَغـْم ِالضـَّعْـفِ جَـيْشـَاً لمُحْـتـَلـِّي

و أُدْرِكُ أنَّ الحَلَّ رَهْنُ مَشِيئـَتِـي
و أُدْرِكُ أنِّي في احْتِيَاج ٍإلى حَلِّ !

و أُدْرِكُ أنَّ النـَّـذْلَ أصْبـَحَ حَاكِمَـاً
و أنَّ ذَوي الخـَوْذَاتِ تـَفـْتـِكُ بالكـُـلِّ 

و أعْرِفُ أنَّ القـَصْـرَ يَخـْشَـى تَحَـرُّكِـي
و ذلِـكَ في عُرْفِي كـَمُمْتـَنِـع ِسَهْـل ِ

و أيْـقـَنـْتُ أنَّ الحَرْبَ أمْرٌ مُقـَـدَّرٌ
و أنَّ طـَريقَ النـَّصْرَ تـَبْـدَأُ بالعَـدْل ِ!"

و دَخـَلـْـتُ مَـقـَابـِـرَ (قـَانـَا) مَـشـْدُوهَـاً 
و الحُزْنُ  تـَمَـلـَّكـَنِــي . . . 
يَا وَاهِبَ صَبْرِالعَبْدِ الصَّابـِر ِصَبِّرْنِي . . . 
فالحُزْنُ عَلى الشـُّهَدَاءِ بعُمْر ِالوَرْدِ يُجَنـْدِلـُنِي . . .
يَا مَانِحَ مَعْـنـَى القـُوَّةِ للأخـْيـَـارْ . . . 
إنـِّي – و أمَامِي الأرْضُ قـُبـُورَاً 
ضَمَّتْ أطـْفـَالاً – أنـْهَـارْ . . . !
إنـِّي أتـَحَـوَّلُ دَمْعـَـة ْ . . . 
و ريَاحُ الحُزْن ِبـِقـَلـْبِـي قـَدْ هَبَّـتْ مِثـْلَ الإعْصَارْ . . . 
و أنـَا لا أوقِـدُ شـَمْعَـة ْ . . . 
و بـِـدُون ِمـُقـَدِّمَـةٍ أو شـَئ ٍ مِـنْ إنـْـذَارْ . . . 
يـَتـَقـَـدَّمُ نـَحْـوي أطـْفـَـالٌ بـِثِـيـَـابِ مَدَارِسِهـِـمْ 
خَضْرَاءَ كـَمَا الأشـْجَـارْ . . . 
مَسَحُوا دَمْعِـي بـِأصَابـِعِـهـِمْ قـَدْ لـَوَّثـَهـَا طِيـنٌ و غـُبَـارْ . . . 
ودَمٌ مِـنْ فـَوْق ِ وُجُوهِهـُمُ قـَدْ سَالَ و سَالْ  !


فـَسَألـْتُ بـَِلـَهـْفـَةِ عـُصْفـُورٍ فـَتـَحـُوا قـَفـَصَهْ :
" مِنْ أيِّ بـِـلادِ اللهِ أتـَيـْتـُـمْ يـَا أطـْفـَــالْ ؟
مِـنْ  (قـَانـَـا) ؟ "
قـَالـُوا – وهُمُ مِنْ حَوْلِي دَائِـرَة ٌ– : 
"بـَلْ مِـنْ بَحْر ِالبـَقـَر ِ !"
و مَـضـَوْا في إنـْشـَـادِ :
و العَـدُوُّ قـَدْ قـَصَفَ        للحِمَــام ِقــَــدْ قــَــذَفَ
قـَــدْ بَــدَا لأعْـيُنـِنـَــا        لـَيْسَ يَعْـرفُ الشـَّرَفَ
طـَارَ فـَوْقَ بَـلـَدَتِـنـَا        قـَــدْ أحَالـَنـَــا نِـتـَفـَـــا
كـَـمْ لِكـُــلِّ مَجْــزَرَةٍ        ضِـدَّنـَا قـَـدِ اقـْتـَــرَفَ
كـَــمْ أبٍ بـِحَسْرَتِــــهِ        لـلـدُّمُـــوع ِقـَــدْ ذَرَفَ

و وَجَدْتُ صَبـِيـَّـاً آخَـرَ يَـرْكـُـضُ نـَحْـوي . . . 
يـَلـْعـَـبُ غـُمَّـيْـضَة ْ . . . !
فـَهَـتـَفـْـتُ بـِـهِ : 
" مَـعْ مَـنْ  تـَلـْعـَـبْ ؟ "
فـَأجَـابَ 
بـِـأنَّ العـَـيـْــشَ  بـِقـَانـَـا 


يَعْنِي أنْ تـَغـْدُو الغـُمَّـيْـضَة ُ جـِـدَّاً لا  لـَعِـبَـا . . . !
لـَعِـبُ الغـُمَّـيْـضَةِ  في ( قـَانـَـا)  
أنْ تـُخـْفِـي نـَفـْسَـكَ مِـنْ صَارُوخْ . . . !
عَـمُّــو . . . عَـمُّــو . . . 
هَـلْ كـُنـْـتَ صَغِـيــرَاً يَـوْمـَـاً مَــا ؟
هَـلْ جَـرَّبـْـتَ الغـُمَّـيِـْضَـة َ تـَسْـمَـعُ صَـوْتَ 
الصَّـارُوخ ِ المَـقـْـذُوفِ عَـلـَيـْنـَـا مُـقـْتـَـربَــا ؟
عَـمُّــو . . . عَـمُّــو . . . 
هَـلْ كـُنـْـتَ بـِيـَـوم ٍ طِفـْـلاً يـَرْغـَـبُ في إدْرَاكِ 
المَبـْنـَـى الظـَّاهِــر ِ في رَادَار ِ الطـَّائِـرَةِ الحَمْقـَـاءِ 
لِـكـَيْ يـَتـَخـَبَّـى في المَبـْنـِـى الآخـَــرْ . . . ؟
الطـِّفـْـلُ الـشـَّـاطـِـــرْ . . . 
مَـنْ يـَذْهَــبُ للمَبـْنـَـى الآخـَــرْ . . . !
و الطـِّفـْـلُ قـَلِـيــلُ الفِـطـْنـَـةِ – مِثـْلِـي – 
مَـنْ يـَتـَخـَبَّـى في المَبْـنـَى المَـقـْصـُـوفِ 
و يَأتِـيـهِ الصَّـارُوخُ يـَقـُولْ : (أمْسَـكـْـتُ بـِكـُـمْ . . . !
انـْتـَهـَـتِ الـُّلعْـبـَـة ْ. . . ! ) "
فـَهَـتـَفـْـتُ بـِـهِ : 
" كـَـمْ عـُمـْـرُكْ ؟ "


فأجابْ : 
" قـَبـْـلَ الغـُـمَّـيْـضَـةِ . . . أمْ  بـَعـْـدَ الغـُـمَّـيْـضَـة ْ ؟"
فـَبـَكـَيـْـتْ . . . ! ! !
و رَفـَعـْـتُ الرَّأسَ لأُبـْصِـرَ قـُدَّامِـي آلافَ الأطـْفـَـال ِ المَجْـرُوحِـيــنَ  المَـذْبـُوحِـيــنْ . . . !
مِـنـْهـُـمْ مَـنْ يـَلـْبـَـسُ زِيَّ تـَلامِـيــذِ الكـُتـَّـاب ِ . . . 
مِـنـْهـُـمْ مَـنْ يـَلـْبـَـسُ زِيَّ  الـنـَّـوْمْ . . .
مِـنـْهـُـمْ مَـنْ يـَعـْـدُو في جـِلـْبـَـابِ . . .
مِـنـْهـُـمْ مَـنْ  يـَلـْهـُـو دُونَ ثِـيـَـابِ . . . 
مِـنـْهـُـمْ مَـنْ يـَبـْـدُو مِــنْ أطفال الفلاحينْ . . . 
مِـنـْهـُـمْ مَـنْ يـَبـْـدُو مِــنْ طـَبـَقـَـاتِ الكـَدَّاحِينْ . . . 
مِـنـْهـُـمْ مَـنْ يـَزْحَـفُ فـَـوْقَ الأرْض ِ 
عَلى أرْبَـعْ . . .  
مِـنـْهـُـمْ  رُضـَّعْ . . . 
مِـنـْهـُـمْ مَـنْ  يَـعْـبـَـثُ في لـُعَــبِ المَخـْـدَعْ . . . 
أطـْفـَـالٌ مِـنْ ( تـَـلِّ الـزَّعْـتـَـرْ ) . . . 
يـَلـْهـُـونَ كـَمـَا الغِـزْلان ِ مـَـعَ الفِـتـْيـَـان ِ 
و لـَهْـجـَتـُهـُمْ مِـنْ ( بُورِسَعِيدْ ). . . !
أطـْفـَـالٌ مِـنْ ( يَـافـَـا) 


يَـلـْهـُـونَ مَـعَ الفِـتـْيـَـان ِ مِـنَ (الأُرْدُنْ ). . . 
فـَتـَيـَـاتٌ مِـنْ ( صَبـْـرَا ) 
يَـعـْقـِـدْنَ ضَـفـَـائـِـرَ شـَعْــر ِ عَـرَائِـسِـهـِـنْ . . . 
فـَتـَيـَــاتٌ مِـنْ ( قـَانـَـا ) ، مِـنْ ( بـِنـْـتِ جُـبَـيْـلْ ) ، و(عِـيـتـَـا الـشـَّعـْــبْ ) ، و ( مَارُون ِ الرَّأس ِ)  المَـسْـكـُونـَـةِ بالأرْوَاحْ . . . !
أطـْفـَـالٌ عـَزَّيـْنـَـا أبَـاءَهـُـمُ في ( العَـامِـرِيـَّـة ْ ). . . !
أطـْفـَـالٌ مَـفـْقـُـودُونَ و أمْـسَـتْ قِـصَّـتـُهُـمْ  مَـنـْسِـيَّـة ْ. . .
أطـْفـَـالٌ قـَدْ وُئِدُوا تـَحْـتَ الأنـْقـَاض ِ 
فِـدَاءً لـلأرْض ِ العَـرَبـِيـَّـة ْ. . . ! 
شـَاهـَـدْتُ أُلـُـوفَ الأطـْفـَـال ِ المَوْسُومَـة ُ  أوْجُـهـُهـُـمْ 
بغـُبـَـار ِالقـَصْـفِ . . . 
دَمُ الأطـْفـَـال ِ تـَجَلـَّط َ فـَـوْقَ مَلابـِسِـهـِمْ  
و مَلامِحِهـِـمْ . . . !
لـَكِـنَّ الكـُلَّ يـُغـَنـِّي غـِنـْـوَة َ قـُـدَّاس ٍ
كـُورَالَ  بـَـلابـِــلْ  :  

و العَـدُوُّ قـَدْ قـَصَفَ        للحِمَــام ِقــَــدْ قــَــذَفَ
قـَــدْ بَــدَا لأعْـيُنـِنـَــا        لـَيْسَ يَعْـرفُ الشـَّرَفَ

طـَارَ فـَوْقَ بَـلـَدَتِـنـَا        قـَــدْ أحَالـَنـَــا نِـتـَفـَـــا
كـَـمْ لِكـُــلِّ مَجْــزَرَةٍ        ضِـدَّنـَا قـَـدِ اقـْتـَــرَفَ
كـَــمْ أبٍ بـِحَسْرَتِــــهِ        لـلـدُّمُـــوع ِقـَــدْ ذَرَفَ

فـَعـَرَفـْـتُ بـِأنَّ دِمَـاءَ ضَحَايَانـَا كـَالـنـَّهـْـر ِتـَسِـيــلْ . . . 
و عـَرَفـْـتُ بأنَّ سِجـِلَّ ضَحَايَاهُمْ في القـَتـْـل ِ طـَويـلْ . . .   
و عـَرَفـْـتُ بـِأنَّ دِمَـاءَ ضَحَايَا (قـَانـَـا) 
ضَـرْبَـة ُ مِجْـدَافٍ  في بَحْـر ٍ مِـنْ تـَقـْتِـيــلْ . . . 
و بـِـأنَّ الأطـْفـَـالَ الأحْيـَـاءَ طـُيـُـورٌ 
قـَـدْ ألـْقـَـتْ أحْجـَـارَاً مِـنْ سِـجـِّيــلْ . . . 
و بـِأنَّ دِمَــاءَ الأطـْفـَـال ِالقـَتـْـلـَـى 
زَيـْـتُ  القِـنـْـديــــلْ . . .   

*    *    *

و أفـَقـْـتُ عَلى كـَفِّ المِغـْوَار ِعَلى كـَتِـفِـي . . . 
و بنـَظـْـرَةِ حـُبٍّ خـَفـَّـفَ مِـنْ لـَهَـفِـي . . . 
و أشـَارَ إليَّ تـَعـَالَ لكـَيْ نـَلـْقـَى السَّـيـِّـدْ . . . 


و مَضَيـْنـَـا . . . 
فـَوَجَـدْتُ جـِوَاري شـَخـْصَـاً 
لا أدْري مِـنْ أينَ و كـَيْـفَ وَصَلْ . . . ؟!
الـزِّيُّ جَمِيـلْ . . . 
و الشـَّعْـرُ – بـِرَغـْم ِالصَّـلـْعـَـةِ – لـَمـَّـاعٌ  و طـَويلْ . . . 
و الطـَّرْفُ كـَحِيـلْ . . .
يَبْدُو مِـنْ رقـَّتـِـهِ غـُصْـنـَـاً مَعْ أيِّ نـَسِيم ٍ سَـوْفَ يَمِيلْ . . . 
بـَلْ مَالَ عَليَّ و قـَالْ :
" الحَـرْبُ تـَضُـرُّ . . . كـَمَـا الـتـَّدْخِـيــنْ . . . 
هَـلْ  تـَرْغـَبُ في سِـيـجَـارْ ؟ "
فـَأجَـبـْـتْ : 
" أضْـرَارُ الحَـرْبِ أُفـَضِّـلـُهَـا عَـنْ أضْـرَار ِالتـَّدْخِـيــنْ !
إنْ كـُنـَّـا سَـوْفَ نـَمـُـوتْ . . . 
فـَلِمَاذا لا نـَقـْضِـي بجَسَارَة ْ. . . 
بـَدَلاً مِـنْ أنْ يُرْدِينـَـا دُخـَّـانُ السِّـيجـَـارَة ْ ؟! "
فـَأجَـابَ و قـَدْ نـَفـَثَ الدُّخـَّـانَ مِـنَ السِّيجَـار ِ 
بـشـَكـْـل ٍ ثـَائـِــرْ :
" الحَرْبُ مُغـَامَـرَة ٌ كـُبـْرَى 
كـَعُـبـُور ِالصَّحْـرَاءِ المَـلـعـُونـَـة ْ . . . !"


فـَأجَـبـْـتُ : 
" و هَـلْ قـَـدَرٌ أنْ يَهْـلِــكَ عَابـِـرُ تِـلـْـكَ الصَّحْـرَاءِ المَـلـعـُونـَـةِ  مِنْ عَـطـَـش ٍ ؟
يـَا أنـْـتَ . . . 
تـَأكـَّـدْ أنـَّـكَ إنْ أدْرَكـْـتَ الشـَط َّ الآخـَرَ مِـنْ شـُطـْـآن ِ النـَّهـْـر ِ فـَإنـَّـكَ لـَـمْ تـَغـْـرَقْ !"
فـَتـَجَـهـَّـمَ 
ثـُمَّ تـَأفـَّـفَ مِثـْـلَ الحَيـَّـةِ 
ثـُمَّ تـَكـَلـَّـمَ بالصَّـوْتِ المَسْمـُـوعْ :
" لا تـَخـْـرُجْ عَنْ حَدِّ المَوْضُوعْ . . . 
لا تـَحْـلـُـمْ  في المَمْنـُـوعْ . . . 
هَلْ تـُنـْكِـرُ أنَّ الحَـرْبَ أصَابَـتـْنـَـا بـِـدِمَـاءٍ قـَـدْ مُزِجَـتْ بـِدُمُـوعْ . . . !"
فـَأجَـبـْـتُ 
" بـِـأنَّ الحَـرْبَ كـَمَـا تـَوْقِـيـتُ البَـلـْدَةِ 
لا تـَسْـتـَثـْنِـي أيَّ أحَـدْ . . . !
الكـُلُّ يَعِـيـشُ بـِنـَفـْـس ِ التـَّوْقـيــتْ . . . 
يـَا مَـنْ بالوَهـْـن ِ بُـلِـيـــتْ . . . 
يـَكـْفِـيـكَ مِـنَ التـَّبْـكِـيــتْ . . . !


فـَكِـلانـَا شَخـْـصٌ مُـقـْعـَـدْ . . . 
حُلـْمِـي رِجْـلان ِ تـَسِـيـرَانْ . . . 
لـَكِـنْ أحْـلامُـكَ – إنْ شـَطـَحَـتْ – عُـكـَّـازْ . . . !
لـَنْ تـَقـْـدِرَ تـَشـْنـُـقُ أحْلامِـي . . . 
سَأُحَـقـِّـقـُـهَــــا . . . 
و إذا حَـقـَّـقـْـتُ الحُلـْـمَ فـَلـَـنْ تـَحْتـَاجَ إلى عُكـَّازْ . . . ! " 
فـَرَمَـى السِّـيـجَـارَ و قـَـالْ :
" مَـا أنـْـتَ سِـوى شـَاعِـرْ . . . !"
فـَأجـَبـْـتُ 
" بـِأنَّ الشـِّعـْـرَ يـَكـُـونُ بـِأحْيـَان ٍ 
مِـنْ أصْنـَافِ التـَّخـْدِيـــرْ . . . 
و كـَذلـِـكَ قـَـدْ يـَغـْـدُو كـَكِـتـَابٍ للتـَّفـْسِـيــرْ . . . 
و بـِيـَـوْم ٍ سـَـوْفَ يـَكـُـونُ أدَاة ً لـلتـَّغـْيـيـــرْ . . . ! "
و مَـدَدْتُ الخَطـْـوَ مَعَ المِغـْـوَارِ 
لِـكـَيْ ألـْقـَـى السَّيـِّـدْ . . . 

*    *    *

 


و دَخـَلـْـتُ الحَـضْـرَة َ وَحـْـدِي . . . 
لا أدْري مَـا سِـرُّ الضـَّـوْءِ الطـَّالِـع ِ في عَيـْنـَـيَّ 
كـَشـَمْـس ٍ تـَنـْبـُـعُ مِـنْ أرْض ٍ لِسَمَــاءْ !
لـَـمْ أُبْصِـرْ في عـُمْـري شـَمْـسَـاً بعَـمَـامَـة ْ. . .
مَا بَالي أشْعـُـرُ أنـِّي أدْخـُـلُ غـَارَ حِـرَاءْ . . . 
و الشـَّمْـسُ تـَخـَفـَّـتْ خـَلـْـفَ غـَمَـامَــة ْ. . . 
و أنـَا لا أدْري هَـل أتـَقـَدَّمُ نـَحْـوَ الشـَّمْـس ِ ، 
أم ِالشـَّمْـسُ الـسَّـمْـرَاءُ 
بَـدَتْ تـَتـَقـَـدَّمُ نـَحـْوي باسْـتِـحْـيـَـاءْ . . . ؟!
و نـَظـَـرْتُ لـذَاكَ الـفـَارس ِ و هْـوَ يَـشـُـدُّ لِـثـَامَـهْ . . . 
فـَتـَكـَثـَّـفَ بَعْـضُ ضَبَـابِ الرَّهْـبَـةِ 
فـَـوْقَ زُجَـاج ِالرُّؤْيـَـةِ 
حَـتـَّـى غَـيـَّـرَ مِـنْ شـَكـْـل ِالأشـْيَـاءْ . . . 
لـَكِـنَّ حُضُورَ السَّـيِّـدِ  يُضْفِـي الصَّـفـْـو عَلى الأجْـواءْ . . . 
و نـَظـَـرْتُ لـَـهُ . . . 
فـَوَجَـدْتُ الوَقـْـتَ يَعـُـودُ إلى المَاضِـي 
لأرَاهُ كـَتِـلـْمِـيـذٍ لا يَـرْفـَـعُ إصْبـَعَـهُ 
إلا كـَيْ يـُبْـهـِـرَ أُسْـتـَاذاً و يَـفـُوقَ بـِمَـنـْطِـقِـهِ الزُّمـَـلاءْ . . . 
و يَمـُـرُّ الوَقـْـتُ 


فـَيَـكـْبـُـر حَتـَّـى أبـْصِـرَهُ كالشَّـاعِــر ِ
لـَمْ يَجْهَرْ بقـَصَائِدِ حُبٍّ  أوْ بـِقـَصِيدِ هِجَاءْ . . . 
و يَمـُـرُّ الوَقـْـتُ لأُبـْصِـرَهُ 
رَجـُلاً يُخـْفِـي العـَضَـلاتِ 
فـَلا يَـتـَشـَاجَـرُ إلا مِـنْ أجْـل ِالضُّعـَفـَـاءْ .