قصيدة ( أُمَمٌ هِيَ الأشْجَارُ )

صَفٌّ مِنَ الأشْجَارِ مِنْ قَرْنٍ مَضَى في وَقْفَتِهْ ...

تَتَنَاقَلُ النَّسَمَاتُ هَمْسَتَهُ إذا هَبَّتْ

كَأنَّ الرِّيحَ هَبَّتْ كَيْ تَذُوبَ بِهَمْسَتِهْ ...

وَهَبَـتْ لوَقْفَتِهِ على مَرِّ الزِّمَانِ عُيُونُ رَبِّكَ هَيْبَةً لشُمُوخِهِ 

و مَحَبَّةً مِنْ رِقَّتِهْ ...

صَفٌّ مِنَ الأشْجَارِ مَغْرُوسًا كَمَا مَثَلٍ يَفيضُ بِحِكْمَتِهْ ...

تَتَنَاسَقُ الأشْجَارُ دُونَ تَدَخُّلٍ

فَتَرى بِعَيْنِكَ كَيْفَ تَحْتَرِمُ الجُذُوعُ حُدُودَهَا

و تَرَى الفُرُوعَ تَمُدُّ أَذْرُعَهَا غُصُونًا كَيْ تُزيلَ قُيُودَهَا 

و إذا حَفَرْتَ بِطَرْفِ عَيْنِكَ في 

التُّرَابِ فَسَوْفَ تُبْصِرُ 

كَيْفَ تَقْتَنِصُ الجُذُورُ مِسَاحَةً حَتَّى تُؤَكِّدَ للجَميعِ وُجُودَهَا ...

تَتَسَاقَطُ الأوْرَاقُ في فَصْلٍ

وفي فَصْلٍ تُوَاصِلُ بالجُذُوعِ إلى السَّمَاءِ صُعُودَهَا ...

أُمَمٌ هي الأشْجَارُ 

و الإنْسَانُ يُبْصِرُهَا جَمَادا ...

أُمَمٌ هي الأشْجَارُ 

تُبْصِرُنَا و تُبْصِرُ نَفْسَهَا للهِ أمْسَيْنَا عِبَادا ...

أُمَمٌ هي الأشْجَارُ 

تَفْنَى في مَدَافِئِنَا شِتَاءً

ثُمَّ في أوْرَاقِنَا ...

أقْلامِنَا ...

تَفْنَى و تَمْنَحُنَا الوُجُودْ ...

أُمَمٌ هي الأشْجَارُ 

تُهْدِينا الحَيَاةَ

و نَحْنُ نَمْنَحُهَا الفَنَاءَ مَعَ الجُحُودْ ...

* * *

صَفٌّ مِنَ الأشْجَارِ يَقْبَلُ شَامِخًا قَدَرَهْ ...

يَهَبُ الظِّلالَ بِمَوْسِمٍ ، و بِمَوْسِمٍ ثَمَرَهْ ...

صَفٌّ مِنَ الأشْجَارِ يَحْمِلُ مِنْ مَلامِحِ أهْلِ هَذِي الأرْضِ

قَاسَمَهُمْ مِيَاهَ العُمْرِ فيها قَطْرَةً قَطْرَةْ ...

صَفٌّ مِنَ الكَافُورِ مَنْذُورٌ لِدَغْدَغَةِ السَّحَابِ

و يَحْرُسُ الغَادِينَ ظُهْرًا مِنْ ضِيَاءِ الشَّمْسِ

لَكِنْ يَمْنَحُ الشُّعَرَاءَ مَنْظُورًا مَجَازِيًّا

لِنُورِ البَدْرِ كَيْ تَتَخَمَّرَ الفِكْرَةْ ...

شَجَرٌ مِنَ الزَّيْتُونِ و الجُمَّيْزِ و الأعْنَابِ

في كَنَفِ  "الأكَاسْيَا"

حَفَّهُ النَّخْلُ المُرَابِطُ

يَمْنَحُ الأرْضَ المَلامِحَ

فَهْيَ وَجْهٌ وَاضِحُ القَسَمَاتْ ...

و لِكُلِّ بُسْتَانٍ عَدُوٌّ

يَقْطَعُ الأشْجَارَ

لا لـِمَنافِعِ الإنْسَانِ 

بَلْ لِيَقُصَّ أَوْرِدَةَ الطَّبِيعَةِ في جُذُوعِ نَبَاتْ ...

مَنْ يَقْطَعُ الأشْجَارَ في أَرْضٍ 

يُشَوِّهُ وَجْهَ مَخْلُوقٍ 

فَيَجْدَعُ أنْفَهُ 

بِمُبَرِّرٍ وَاهٍ مِنَ الدَّعَوَاتْ ...

لا يَقْطَعُ الأشْجَارَ إلا فَاقِدٌ للجِذْرِ

مَجْبُولٌ على العُدْوَانِ

فَهْوَ كَمَنْ يُخَرِّبُ لَوْحَةً 

لمُجَرَّدِ  الإيذَاءِ

لا يَقْوَى يُوَاجِهُ حُسْنَهَا باللَّوْنِ و الفُرْشَاةْ ...!

لا يَقْطَعُ الأشْجَارَ كَيْ يَبْنِي جِدَارًا

غَيْرُ مَنْبُوذٍ و مَكْرُوهٍ مِنَ الأرْضِ التي 

وَلَدَتْ شُجَيْرَاتِ " الأَرُوكَاريا" 

لتَمْنَحَ للشَّوَاطِئِ في  " أثينا "

بَعْضَ أبْنَاءِ العُمُومَةِ في رُبَا  " بَيْرُوتَ "

أو في " القُدْسِ "

كَيْ لا يَشْعُرَ المَلاحُ بالإحْبَاطِ إِنْ طَالَتْ بِهِ الرِّحْلاتْ ...

لا يَقْطَعُ الأشْجَارَ إلا عَابِرٌ 

عَادٍ

يُفَكِّرُ مِثـْلَ بَلْطَةِ حَاطِبٍ مُتَعَجْرِفٍ

تَلْهُو بِهِ النَّزَواتْ ...

و يَرُدُّ صَوْلَةَ بَلْطَةِ العُدْوَانِ صَوْتٌ وَاثِقُ النَّبَرَاتْ :

" لا تَقْطَعُوا الأشْجَارَ فَهْيَ هُنَا تُسَبِّحُ 

للسَّمَاءِ بمَيْلِهَا و كَأنَّهَا صَلَوَاتْ ...

لا تَقْطَعُوا الأشْجَارَ

أيْنَ سَيَكْتُبُ العُشَّاقُ سِيرَتَهُمْ ؟

و أيْنَ سَيَنْقُشُ البُسَطَاءُ أمْجَادًا ؟ 

(و جُدْرَانُ المعَابِدِ – مِثْلَمَا نَدْري جَميعًا –  شَاشَةُ السُّلْطَةْ) !

لا تَقْطَعُوا الأشْجَارَ إنَّ غُرُورَكُمْ حِطَّةْ ...!"

لا تَقْطَعُوا الأشْجَارَ ...

صَوْتٌ مُسْتَمِرٌّ 

واثِقٌ

و قَصِيدَتي تَمْضِي لآخِرِهَا بلا غَلْطَةْ ...

قَطَعَ الغُرُورُ الجِذْعَ – طَبْعًا – 

هَلْ رَأَيْتَ شُجَيْرَةً مِنْ قَبْلُ يَوْمًا أقْنَعَتْ بَلْطَةْ ...؟

* * *

لَنْ أَتْرُكَ الفَصْلَ الأخِيرَ لبَلْطَةٍ يَلْهُو بِهَا نَكِرَةْ ...

سَأَخُطُّ في يَوْمٍ يَجِيءُ قَصِيدَةً أُخْرَى بِهَا طِفْلٌ 

–  سَيَكْبُرُ قَبْلَ أنْ تَفْنَى القَصِيدَةُ –

لَنْ يُقَدِّمَ للحَبِيبَةِ مَهْرَهَا ذَهبًا

ولَكِنْ سَوْفَ يَزْرَعُ مُخْلِصًا مِنْ أجْلِهَا 

شَجَرَةْ ...!

 

بدأت فـي الـقـاهـرة         17 / 6 / 2009

2.00             صـبـاحــــا