لقاء مع عبدالرحمن يوسف في جريدة الأهرام السبت 26/3/2011 م

لقاء مع عبدالرحمن يوسف في جريدة الأهرام السبت 26/3/2011 م

  شاركت فى ثورة 25 منذ سنوات فأنت اول من قلت للرئيس السابق فى اوج سلطته من خلال اشعارك ارحل؟ من فضل الله عليّ أن ألهمني الموقف الصحيح ، وألهمني أن أقوله دون مواربة أو توازنات ، وألهمني الصبر على هذا الموقف سنوات حتى خلع مبارك . ولولا فضل الله عليّ في هذا الأمر لكنت قد سقطت كما سقط الآخرون .   وهل سقط الآخرون ؟ هناك من أيَّدَ مبارك علانية ، وأخذ منه الجوائز والأوسمة ، وحضر مؤتمراته هو وزوجته ، وهناك من أيَّدَهُ بالسكوت ، وهناك من قدم التنازلات مقابل الاستمرار في موقعه في بعض مؤسسات الدولة ، وهناك من لعق الأحذية من أجل بعض الفتات . المشكلة أن أغلبية هؤلاء ينظـِّرون للثورة الآن ، ويحاولون الظهور بمظهر الأدباء الأحرار المتمردين على الظلم ، وهم في حقيقة الأمر من حاشية السلطان ! وهذا الأمر ينطبق على شعراء بلغوا الثمانين ، وشعرا لمّا يبلغوا الثلاثين ، الجميع يحاول أن يظهر بمظهر المقاوم للفرعون ، والحقيقة أنهم قد (فرعنوه) بالتأييد ، أو بالسكوت .   هل كنت تريد من الجميع أن يقف صراحة في وجه السلطان ؟ ليس كل الناس مؤهلا لذلك ! هذا صحيح ، وأنا أعذر الجميع ، ولكني لا أستطيع أن أبلع هذا الكذب ! إنه لأمر مضحك ...! ادعاء البطولة بأثر رجعي ، لقد حكمنا مبارك ثلاثين عاما ، وكانت فرصة التمرد متاحة للجميع ، وبالتالي لا يجوز لمن سكت أن يزعم (كاذبا) أنه قد نطق ، هذا أمر يضحكني ويؤلمني . لقد نعم هؤلاء بجميع مزايا (الشيطان الأخرس) ، والآن يريدون التمتع بمميزات (البطولة) . هل تقول ذلك لكي تنفرد بصدارة المشهد ؟ بل أقول ذلك لأني قد دفعت الثمن ! ولأن هؤلاء الشعراء مؤهلون للنفاق مع أي رئيس آخر ، ومع كل رئيس آخر ، بل إنهم مؤهلون لتدبيج قصائد المديح في مبارك إذا عاد هو أو ابنه للسلطة ! لقد صدّرْت ديواني السياسي الذي صدر في 2004 بكلمة مختصرة كان من ضمنها أنني اخترت نشر هذا الديوان الآن لأني لست المقاتل الذي يطلق النار بعد انتهاء المعركة ! ما معنى هجاء مبارك الآن ؟ كل الشعراء تجرؤوا بعد أن رحل ، وأصبحت أسمع كلاما سخيفا عنه ! بطولات مزعومة ، تأخرت ثلاثة عقود ! لقد كانت مصر في أشد الحاجة لهؤلاء الشعراء أثناء حكم الرجل ، لا بعد خلعه ! لماذا لم ينطقوا بالحق ساعتها ...؟ لماذا ادعاء البطولة الآن ...؟ لقد أكلوا من الوليمة حتى امتلاء كروشهم ، ثم ها هم يتفلون في الصحن بعد أن شبعوا !   هل يعيب الشاعر أن يحصل على جائزة من الرئيس ؟ في بعض الأحيان يعيبه ! هناك نوع من الرؤساء لا يصح لأديب محترم أن يصافحه ، أو أن يقبل منه جائزة ، ومن ضمن هؤلاء مبارك ! إنه ديكتاتور ، والكل يعلم ذلك ، وغالبية من ألهوه يقولون عنه ذلك الآن !   هل حصلت أنت على جوائز ؟ لا توجد جائزة تستحق شعري ! أنا أعلم كل الجوائز الموجودة على الساحة ، ولم أسمع عن جائزة محترمة حتى الآن (تقريبا) ، والاستثناءات في هذا الأمر ليست إلا شذوذا يثبت القاعدة . يكفي أن تستعرض أسماء النقاد الموجودين في لجان تحكيم هذه الجوائز لتعرف عن أي نوع من اللجان نتحدث !   هل ستتقدم للحصول على جائزة نزيهة لو وجدت ؟ هذا أيضا أمر صعب جدا ، لأن فكرة الجائزة في حد ذاتها مهينة ! للأسف ، الحياة الأدبية في الوطن العربي تحول الأدباء إلى صيادي جوائز ، تحولهم إلى مرتزقة ! أعرف من الأدباء من لا يكتب إلا من أجل الجوائز ...! لذلك أنصح كل الأدباء الشباب بالابتعاد عن هذه الجوائز ، وإذا اشتركوا فعليهم أن لا يعتبروا نتائجها مقياسا حقيقيا لجودة النص الأدبي ، أو لمكانة الأديب .   ولكن للجوائز دورها في تحميس الإدباء وتحفيزهم للإنتاج ؟ هناك ألف طريقة لتحميس الأدباء على الإنتاج بدون إهانتهم ، وبدون استغلال احتياجاتهم وهم في بداية الطريق ، وبدون مداعبة غرائز حب الظهور ، وبدون توظيف الأدباء الصغار في مواءمات سياسية مخزية ، تظل تلاحقهم بقية حياتهم بسبب مواقف اتخذوها في بداية حياتهم الأدبية !   ألا تود الحصول على أي جائزة ؟ الجائزة التي أريدها حصلت عليها ، وهي حسن ظن الناس فيّ ، حين أذهب إلى أي مكان في الوطن العربي أجد القاعة ممتلئة ! منذ يومين حين أقيمت ندوتي في المسرح الكبير بدار الأوبرا ، امتلأ المسرح عن آخره ! هذه جائزتي ، ولا أظن أن هناك جائزة أكبر .   ماذا تقول عن رموز العهد السابق شعرا؟ قلت فيهم الكثير ، من ضمن ذلك ما قلته في قصيدة (عبدالمأمور) :   أنـَا  عَبْدُالمَأمُورْ ... و أَبي  عَبْدُالمَأمُورْ ... و كَذلـِكَ  جَـدِّي الأَكبَرُ كـَانَ –  كَمـَا  يَرْوي  لي  جَـدِّي   العَاشـِرُ – في  المَاضـِي ... عَبْدَالمَأمُورْ ...! أَحْيـَا في مـِنـْطـَـقـَـةٍ  وُسْطـَى مـَا  بَيـْنَ  الشـَّاكِـر ِ و المَشْكـُورْ ... مَا  بَيـْنَ الآسـِر ِ والمـَأْسـُورْ ... عَمَلـِي  في  لـَجْنـَةِ  تَسْويـق ِ المَاخـُورْ ... أوْ  تـَنـْظـِيفِ  الأَوْسـَاخ ِ لِـتـُصْـبـحَ كـَالبَـلـُّورْ ... أوْ  دَفـْن ِ بَقـَايـَا أعـْضَاءِ الأسـَدِ المَـنـْحـُورْ  ! و إذا  رُقـِّـيـتُ  بـِيـَوْم ٍ ... أُمْسـِكُ بالسَّاطـُورْ ...!   هل أنت متفائل بمستقبل مصر السياسي ؟ جدا جدا جد !   ما سبب تفاؤلك ؟ باختصار ، أنا أثق في الناس ، وقد راهنت على الناس طيلة حياتي . مصر ستتقدم بشعبها العظيم ، ومن يعتقد أن التقدم مرهون بزعيم ، وبجماعة ، أو بحزب أو بكتلة ... يخطئ في قراءته السياسية خطأ كبيرا !   ماهى علاقة الشعر بالسياسة؟ السياسة قد تسبب ألما يُنتج شعرا . وقد تسبب انشغالا ذهنيا يطرد الشعر . على الشاعر أن ينغمس في السياسة بقدر ما يعينه ذلك عن الكتابة . وعليه كذلك أن يبتعد عن الغرق في عالم السياسة لكي لا تجف قريحته .   هل نجحت أنت في هذه المعادلة ؟ نجحت في أحيان ، وأخفقت في أحيان أخرى . وأنا الآن في اختبار الخروج من دوامة السياسة ، لكي أعود إلى كوكب الشعر .   البعض يراك زعيما سياسيا يلهم الشباب ؟ وأنا لا أرى نفسي إلا شاعرا ! أمنياتي في الحياة أن أجلس على ترعة في الريف المصري ، لأكتب الشعر ! بهذا أكون سيد الزمان والمكان !   ألا ترى أنه من الواجب عليك أن تعمل بالسياسة لكي ترشد هذه الثورة ؟ بالعكس ، أنا أعتقد أنني قد خدمت هذه الثورة بكتاباتي أكثر بكثير مما خدمتها كناشط سياسي ! وما زلت معتقدا أن الكلمة سيكون لها دور أكبر في الفترة القادمة ، فترة الجهاد الأكبر .   هل ستنشئ حزبا ؟ أو ستنضم لحزب ؟ بل سأحافظ على حيادي واستقلالي لأكون شاعرا لكل المصريين ، وللعرب جميعا إذا استطعت . الشعر ينحت الحلم في السماء ، والانتماء الحزبي يقلل من قدرة الشاعر على التحليق !   إذن ، انتهت مساهماتك في الثورة إلى هذا الحد ؟ الثورة فعل أكثر عمقا من هبة مدتها شهر أو شهران . الثورة فعل البناء العاقل الحكيم ، وبعض أهداف الثورة ستقتضي منا عملا دؤوبا يمتد سنوات وسنوات ، لذلك أقول لكل من لم يشترك في الثورة ، إن فرصة المشاركة في الثورة ما زالت متاحة ، وستظل متاحة لمدة عشرين سنة قادمة !   سؤال أخير : ما رأيك في نتيجة استفتاء تعديلات الدستور ؟ ليس المهم نتيجة الاستفتاء ، المهم – بالنسبة لي – أمران : الأول : نسبة المشاركة . والحمدلله كانت مرتفعة الثاني : نزاهة عملية التصويت . والتقارير التي أمامنا توضح أن المخالفات لم تكن جسيمة .   هل لديك نصيحة أو كلمة أخيرة ؟ كلمة أوجهها لنفسي ولكل العاملين بالسياسة خصوصا من الشباب ، خلاصتها : العمل السياسي عمل طويل الأجل ، لذلك لا تنظروا للبرلمان ، بل انزلوا إلى المحليات ، واخدموا الناس . انتخابات المحليات هي الطريق السليم لإنقاذ وإصلاح مصر ، صحيح أنه الطريق الأطول والأصعب ، ولكنه الطريق الذي يخلق زعامات سياسية حقيقية تحمل هم الناس ، وتمثلهم بالفعل .   حوار : نبيل السجيني