حوار جريدة الأخبار مع الشاعر عبدالرحمن يوسف الأحد 27/2/2011 م

حوار جريدة الأخبار مع الشاعر عبدالرحمن يوسف الأحد 27/2/2011 م

 نقلاً عن جريدة الأخبار : الأحد 27/2/2011 م حوار مع الشاعر بعنوان (( عبدالرحمن يوسف شاعر الثورة )) نشرت جريدة الأخبار بعددها الصادر صباح اليوم حوارً مطولاً مع الشاعر عبدالرحمن يوسف للحديث عن ثورة الصبار كما أسماها . وإليكم نص الحوار : س : شاركت في الثورة منذ يومها الأول ، هل تنوي أن تكتبها في يوميات ؟ وماذا ستطلق عليها ؟ من فضل الله عليّ أن شرفني بالمشاركة في هذه الثورة ، وقد بدأت كتابة مذكراتي في ميدان التحرير ، منذ يوم 25 يناير ، وحتى يوم تنحي الرئيس المخلوع مبارك . وهذه اليوميات ستكون نواة لكتاب أكبر يحاول أن يجيب عن سؤال : كيف حدث التغيير في مصر ؟ وأعتقد أنني سأطلق على الكتاب (يوميات ثورة الصبّار) . س : أطلق البعض على الثورة اسم "ثورة الصبّار" ، والبعض قال إنها "ثورة الورود" ، أيهما أقرب للحقيقة ؟ أظن أنه لا مشاحة في الاصطلاح ! وأظن أيضا أنني أول من أطلق اسم (ثورة الصبار) على هذه الثورة العظيمة . وأظن أن هذا الاسم أنسب ، لأن بؤرة أحداث الثورة كانت في ميدان التحرير ، ونحن كنا معتصمين هناك برغم من محاولات منع الماء والغذاء والدواء والاتصالات عنا ! الصبّار ... يعيش سنوات مع منع الماء عنه ! وحين هاجمونا في الميدان ذاقوا أشواكنا في حلوقهم ، وارتدت سهامهم إليهم . والصبّار ... يواجه كل الحيوانات التي تحاول التهامه بأشواكه ، فلا يستطيع أن يأكله إلا حيوان واحد ، هو الجمل ، بل إن صبّارنا استطاع أن يقاوم هجمات جمال الحزب الوطني ...! وهناك أنواع كثيرة من الصبّار ، ومنها ما يحمل الزهور والثمار ، ونحن – كما نحمل الشوك – نحمل كذلك الزهور والثمار والخير العميم لأهلنا وبلدنا ! س : وقوفك بجانب الثورة والثوار منذ اليوم الأول هل يعني أنك راهنت على نجاحها ؟ أم كانت هناك مخاطرة ؟ لقد وقفت مع الثورة وحرّضت عليها قبل أن تقوم بسنوات طويلة ! كنت على يقين أن التغيير قادم ، وفي العامين الأخيرين كنت أراه قريبا جدا ، وفي الشهور الأخيرة كنت أقول لمن حولي إني أكاد ألمس النصر بيدي ، وأبصره بعيني ، وأسمعه بأذني ، وأشمه كعطر من الجنة ! لقد خاطرت منذ قررت أن أسبح ضد التيار منذ سنوات ، وأنا ولله الحمد راض بما فعلت ، وفخور أنني كنت فردا في هذا الجيش العظيم الذي حقق هذا النصر . س : قلت إن هناك من ركب الموجة بعد نجاح الثورة ، من هم ؟ وما السبب في لجوئهم إلى هذا الامر ؟ وهل نجحوا ؟ هناك من حاول أن يظهر نفسه على أنه "مفجر الثورة" ، وهناك من حاول أن يظهر نفسه على أنه "منظر الثورة" ، وهناك من حاول أن يظهر نفسه على أنه "محرك الثورة" ...! وكلٌ له غرض ، والغرض مرض ...! البعض يحاول تسويق نفسه كأنه شاعر الثورة ، والبعض يحاول إعطاء نفسه صفة المتحدث الرسمي باسم الثورة ، وهناك من يحاول أن يغسل ماضيه القذر بأن يكتب مناصرا الثورة بعد أن أمضى عمره كله يعير كل الذين حرضوا على هذه الثورة العظيمة ! س : ماذا عنك ؟ ألست الآن شاعر الثورة ؟ أنا شاعر مصري ، اسمي عبدالرحمن يوسف ، هذا ما أقوله عن نفسي ، ودائما أنبه على من يقدمني في الندوات أن لا يذكر كلمة (الشاعر الكبير) ، ولم أقبل أن يكتب لي أي اسم كبير مقدمة أي ديوان من دواويني حرصا على أن تقدم القصيدة نفسها . لم أسع يوما إلى لقب ، ولم أتقدم طيلة حياتي تقريبا إلى مسابقة أو جائزة أو منصب ، ولم أتلق أي مقابل مادي لإحياء ندوة ، وأنا سعيد وراض بما قسمه الله لي ...! هناك من شرفني بهذا اللقب ، وأنا لا أقبله أو أرفضه ، لأن ذلك ليس من حقي ، فأنا رجل صاحب تجربة شعرية ، ومن حق الناس أن تقيمها بأي شكل من الأشكال . س : ما رأيك في العقبات التي تواجه الثورة الآن ؟ وكيف يمكن التغلب عليها ؟ الثورة الآن قد حققت إنجازها الأكبر ، وهو إزاحة المستبد حسني مبارك ، وإزاحة المنظومة السياسية الفاسدة التي كانت تخدم استبداده . التحدي الأكبر الآن هو وضع منظومة جديدة تضمن للمصريين عدم مجيء مستبد آخر ، وتضمن لهم قدرتهم على محاسبة ومعاقبة وعزل أي رئيس أو مسؤول لا يؤدي واجبه كخادم للأمة . س : ما هي القصيدة التي تتوقف أمامها بالإعجاب ، وتتمنى لو تستطيع كتابة مثلها ؟ هي القصيدة التي تخترق حواجز الزمان والمكان ! الشعر الجيد ، هو ذلك الشعر الذي يسمعه الناس في أماكن مختلفة ، وفي أزمان مختلفة فيجدونه يعبر عنهم ، ويصف حالهم ، ويحلل مشاكلهم ، ويؤشر باتجاه الحل . س : هل كتبت شيئا فيه هذه الصفات ؟ من الصعب أن أقيِّم نفسي ! س : هل قال الآخرون عنك أنك كتبت مثل هذا النوع من الشعر الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان ؟ قيل ذلك عن بعض قصائدي التي ظن البعض أنني كتبتها عن الرئيس المخلوع مبارك ، ثم رأينا الناس يتغنون بها في تونس ، والجزائر ، والأردن ، واليمن ...الخ  س : هل هجوت مبارك ؟ لقد هجوت الظلم ، فإن كان ظالما فقد هجوته ! لقد تعمدت أن لا أذكره بالاسم ، لكي لا يدخل التاريخ من بوابة شعري ، فتعلمت من درس المتنبي مع كافور الإخشيدي . ولأنني لم أذكر اسما في قصائدي ، ولأن الداء في أغلب الدول العربية واحد ، فقد وجد كل مواطن عربي شكواه في قصائدي ، وظن كل عربي أنني أهجو رئيسه هو ، ومنعت كتبي في العديد من الدول العربية لأنها تحرض على الثورة (وأخواتها) ، فصارت قصائدي رقما يقبل القسمة على جميع الظلمة ! س : ما هي القصيدة التي تليق بما يحدث في مصر الآن ؟ أعتقد أننا لا بد أن نمدح النهار ، بدلا من هجاء الظلام ...! س : كان لك السبق في إنشاء إذاعة أطلقت عليها اسم (التغيير) في إثناء الثورة ، ما الهدف منها ؟ وهل نجحت في تحقيق الهدف ؟ كان ذلك في يوم 25 يناير 2011 ، في ميدان التحرير ، وكانت هناك مشكلة في كيفية التعامل مع كل هذه الحشود التي تجمعت في الميدان ولا يربط بينها رابط ، فأغلب الحاضرين كانوا من غير المسيسين ، وكان الجميع لا يعرف ما الذي ينبغي عمله بعد ذلك ! لذلك ، كلفت الشباب بشراء سماعات وميكروفون فورا ، وكان الهدف بالطبع هو عمل إذاعة لنتمكن من توجيه هذا الجمهور ، بدلا من أن يظل بلا هدف . وقررنا أن نأخذ كهرباء من عامود النور بجوار إشارة المرور المطلة على الميدان باتجاه مطعم (هارديز) ، وحين احتجنا كهربائيا ، وجدنا العديد من الكهربائيين ضمن المتظاهرين ! كنت في قمة السعادة ، فهذا التجمع يضم طبقات متعددة ، طلبة في الجامعة الأمريكية ، وفي الجامعات المصرية ، ومهنيين ، وفلاحين ، فقراء وأغنياء ، بنين وبنات ، وهذه ظاهرة جديدة في الحياة السياسية المصرية ، فالمتظاهرون من طبقات شتى ، ولا يعرفون بعضهم البعض ! بعدها ، أمسكت بالميكروفون ، وقلت : بسم الله الرحمن الرحيم يا شباب مصر ... أعلن عن بدء إذاعة التغيير ومقرها ميدان التحرير بالقاهرة ...! فانفجر جمهور الحاضرين بالتصفيق والهتاف ...! ثم أكملت كلامي : يعد برامجها ، ويحررها ، ويقدمها ، شباب مصر الثائر المعتصم بميدان التحرير ...! س : ما الدور الذي يلعبه النقد في رأيك ؟ وهل نلت حقك من النقد بعد صدور 7 دواوين ؟ دور النقد معروف ، فهو يحاول بشتى الطرق أن يعمق فهمنا للنص ، لكي يزيد استمتاعنا به ، وهو حين يؤدي تلك المهمة يسلط الضوء على ما يستحق ، ويوضح ما لا يستحق ، فيظهر للناس المعدن الأصيل ، والمعدن المغشوش . هذه ما ينبغي أن يكون ! ولكن ما هو كائن فعلا أمر آخر ! للأسف ... أنا من الذين يعتقدون أن النقد انحرف عن مساره الذي ينبغي أن يسير فيه ، شأنه شأن أشياء كثيرة فسدت وانحرفت ، فقد أصبحت الشللية والمصالح عنوان المرحلة ! لذلك لم أنل حظي من النقد بأي شكل من الأشكال ، بل إنني أزعم أن غالبية النقاد يخافون أن يكتبوا عني أصلا ، وذلك بسبب مواقفي السياسية ، وأنا في كتاباتهم ومسابقاتهم وجوائزهم زاهد كل الزهد ، ومنذ البداية لم أكن أتوقع مكافآت على ما أكتبه ، بل توقعت المحن ، ويشاء الله سبحانه أن تتغير الأمور . س : لمن تكتب الشعر ؟ ولماذا ؟ أكتب الشعر لنفسي أولا ، فالقصيدة بالنسبة لي إنجاز فردي ، وهي إنجازي الأعظم في الحياة ، ولا يضاهيها أي إنجاز ! الشعر يحقق الوجود ، والشاعر الحقيقي حين يعجز عن الكتابة يشعر أنه غير موجود على سطح الأرض ...! الحياة ، والموت ، كلاهما أمر مرهون بالبقاء على قيد الكتابة ...! س : لماذا تنحاز إلى شعر الفصحى ؟ وهل يكون الشعر إلا فصيحا ...؟ س : قد يكون عاميا ! كتبت بالعامية ، ولكني أعتبر الشعر الحقيقي الذي سيبقى للناس على مر العصور ، والذي سيدخل التاريخ (إذا كان يستحق) ، هو ما كتب بالفصحى . س : مم تخاف ؟ من أشياء كثيرة ، ولكني أخاف أكثر ما أخاف من المرض ...! س : ماذا تتمنى للوطن ولمن تحب ؟ أتمنى للوطن أن يكتب قصيدته المشرقة ، وأن يبدأ عهدا جديدا ، وأن يتغير السلام الجمهوري ! وأتمنى لكل من أحبهم أن ينالوا شرف المشاركة في بناء هذا الوطن .