مجلة أكتوبر وحوار مع الشاعر عبدالرحمن يوسف عدد 23-9-2012 م


2012-09-23 12:38:38

بقلم : صالح الفتياني   الشاعر والكاتب عبد الرحمن يوسف : يكفى الرئيس إنجازه التاريخى بإخراج العسكريين من المشهد السياسى أيد الشاعر والكاتب عبد الرحمن يوسف الكثير من الخطوات التى قام بها الرئيس محمد مرسى فى الفترة الوجيزة التى تولى فيها إدارة شئون البلاد، خاصة إنهائه لتدخل العسكريين فى الحكم باقالة المشير طنطاوى والفريق عنان، إلا أن ذلك لم يمنعه من إبداء مخاوفه من سلبية الأداء الاقتصادى للرئاسة خاصة فى سعيها للحصول على قرض صندوق النقد الدولى. وأرجع يوسف عدم قدرة التيار الليبرالى مواكبة تقدم الإسلاميين فى الانتخابات إلى أن الأول حبس نفسه فى ميدان التحرير جغرافيا وفكريا بينما انطلق الإسلاميون فى كل مصر لصنع قاعدة شعبية لهم، مؤكدا أن مصر لن تكون إلا مدنية وذلك ثقة فى الشعب المصرى الذى يعتنق الوسطية طوال تاريخه. وعن شباب الثورة ولماذا ابتعدوا عن المشهد السياسى وقدرة التحالفات الليبرالية الجديدة على مواجهة تقدم الإسلاميين فى الانتخابات البرلمانية القادمة، وكيفية مواجهة الإساءة إلى الرسول الكريم، وأخونة الدولة، وقضايا أخرى كثيرة تحدث عبد الرحمن يوسف لـ «أكتوبر»، فى الحوار الذى بين أيديكم. * دعنا نبدأ من الأحداث الأخيرة التى تمثلت فى الهجوم على السفارة الأمريكية احتجاجا على الفيلم المسيىء للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ما رأيك فيها؟  ** لا شك أن أى فيلم يتعرض لإهانة رسولنا الكريم هو جرم كبير ينبغى إنكاره واستنكاره، ولكن إذا كان ذلك خطأ فإن عدم الرد بعشرات الأفلام المضادة يعتبر خطيئة لا تغتفر،خصوصا بعد أن تغيرت الظروف السياسية فى أوطاننا العربية بعد ثورات الربيع العربى، وبعد أن تحررت الشعوب من قبضة البوليس السياسى. * ماهى آليات تنفيذ الرد؟ ** من خلال دعوة كافة الفنانين، ونقابة المهن التمثيلية، جبهة الإبداع، والأثرياء العرب والمسلمين، كل الكتاب لإنتاج مجموعة من الأفلام التى تظهر حقيقة الرسول الكريم عليه السلام، وتظهر حقيقة مبادئ الإسلام العظيم، وألا يترك الأمر للإسلاميين لأنهم لا يستطيعون القيام بذلك، فخبرتهم فى هذه الأمور ضعيفة، فالدفاع عن الرسول عليه السلام واجب على الجميع، والفنانون هم الآن الملزمون بالرد فى مثل هذا الموقف، ولا ينبغى أن يترك الأمر لمزايدات بعض الإسلاميين، فإذا لم يتحرك الفنانون المصريون والعرب فى مثل هذا الأمر فتلك خطيئة أخرى تحسب عليهم، ولا يحق لهم بعد ذلك أن يلوموا الناس إذا اعتبروا الإسلاميين هم المتحدثين باسم الإسلام، لأن الفرصة جاءت للفنانين لنصرة الدين ولم يتحركوا. * أعلن مؤخرا عن تشكيل العديد من التيارات السياسية الليبرالية لمنافسة التيار الإسلامى فى الانتخابات القادمة كيف ترى قدرتها على النجاح؟ ** التيار الليبرالى ساهم فى إشعال الثورة أكثر مما فعل الإسلاميون ، ولكن المعركة الآن فى ميدان السياسة، وليست فى (ميدان التحرير)، وأظن أن التيار الليبرالى حبس نفسه فى ميدان التحرير جغرافيا وفكريا، بينما انطلق الإسلاميون فى كل مصر، وكل ما فعلوه أنهم أشهروا نشاطاتهم الموجودة سلفاً، إننى أرى أن التحدى الآن أن يخرج التيار الليبرالى من حالة (ميدان التحرير) بالمعنى السياسى والجغرافى، إلى ميادين الحياة كافة. أما بالنسبة لنتيجة الانتخابات البرلمانية القادمة فمن الممكن أن تتغير بشكل مذهل لو أحسن الليبراليون إدارة تحالفاتهم وخلافاتهم، وهو أمر أشك فيه! * لماذا هذا الشك؟ **لأننى ألاحظ أن بعض معارضى الرئيس من التيار الليبرالى وغيره جاهزون لإهالة التراب على أى إنجاز، ومستعدون لتحليل فشله فى كل قرار، ولتفسير إخفاقه فى كل حركة، ولتوقع انهيار حكمه فى المستقبل القريب مع كل طارئ. هذا النوع من المعارضة تجده كثير الكلام قليل الفعل، فهم مجموعات من المثقفين أوالسياسيين المنتمين إلى عهود ما قبل الثورة، هذه المعارضة الموتورة لا مكان لها اليوم، ولن تجد لها تمثيلا كبيرا فى البرلمانات القادمة، إلا إذا عدّلت سلوكها، بمعنى أن تبدأ العمل، وأن تتواجد بين الناس، وأن تحترم إنجازات الآخرين، وأن تحترم الشباب وتتفاعل معهم، وأن تكوِّنَ برنامجها الخاص بدلا من أن يكون كل جهدها هو رد الفعل على ما يفعله منافسها السياسى. *البعض يتهم د. عبد المنعم أبو الفتوح بتفتيت اى ائتلاف ليبرالى بالانضمام إليه لصالح الإخوان والتيار الاسلامى فمارأيك؟ **هذه مشكلة د. عبد المنعم أبوالفتوح، فكلما تحرك يمينا هاجمه الليبراليون واليساريون، وكلما تحرك يسارا هاجمه الإسلاميون، وهو بطبيعته يتحرك فى كل الاتجاهات، لأنه زعيم سياسى شعبى يرى مصر مشروعا يتسع للكل، وحملته وحزبه (مصر القوية) يضم كل ألوان الطيف السياسى، كما أن تحركاته هدفها بناء مشروع وطنى له أسس واضحة، وليست تحركات لمجرد إعاقة الآخرين من أى اتجاه. *يتردد دائما ان شباب الثورة الحقيقيون ابتعدوا عن الصورة، فهل تأسيس أحزاب مثل الدستور من الممكن ان تدفع بهم الى صدارة المشهد السياسى مرة اخرى؟ **شباب الثورة لا بد أن يتحولوا من (ثورجية)، إلى (سياسيين)، فالملاحظ أن غالبية شباب الثورة يرون السياسة بركة من القاذورات، وهم أنقياء بدرجة تدفعهم إلى الابتعاد عن هذه البركة، ولكن المشكلة أن هذه البركة لن يتطهر ماؤها إلا بتحرك الأنقياء لتطهيرها! وبالنسبة لحزب الدستور فهو تجربة جديدة، لديها مقومات النجاح، وفيها بذور للفشل، شأنها شأن كل التجارب السياسية، ومن أهم الأشياء التى يتوقف عليها نجاح حزب الدستور هو مدى نجاحه فى تحويل شباب الثورة من (ثوار أنقياء) إلى سياسيين محترمين. *بشكل عام ما هو رأيك فى أداء مؤسسة الرئاسة حتى الآن؟ **أعتقد أن مؤسسة الرئاسة فعلت الكثير خلال فترة زمنية محدودة، ويحسب للرئيس مرسى إنجاز تاريخى بإخراج العسكريين من المشهد السياسى، فالرئيس – فى رأيى – يحاول أن يؤسس لدولة حكم رشيد، وهو أمر محمود، وهو خلال قراراته يحاول أن يكون رئيسا لكل المصريين، وبقدر اجتهاده فى ذلك بقدر ما يكون نجاحه. *ماذا عن الاتهامات المتعلقة بأخونة مؤسسات الدولة؟ **أخونة مؤسسات الدولة لها شرطان، الشرط الأول: الوقت، فهذا أمر يحتاج إلى سنوات طويلة، لأن جهاز الدولة المصرية البيروقراطى العتيد فيه ملايين الموظفين، وعشرات الآلاف من المفاصل التى تحركه، وتحويل ذلك إلى أى اتجاه والاستيلاء عليه أمر يحتاج إلى ما لا يقل عن عشر سنوات .اما الشرط الثانى فهو إفساح الطريق! أى أن أخونة الدولة قد تتم فى عشر سنوات إذا لم يقاوم ذلك أحد، وهذا أمر مستحيل، لأن المصريين لن يسمحوا باختطاف الدولة لصالح أى فصيل سياسى. *وماذا عن الاتهامات الموجهة إلى مؤسسة الرئاسة والخاصة بعدم مراعاة التعددية المطلوبة فى تشكيل المجلس القومى لحقوق الانسان والمجلس الاعلى للصحافة؟ **هذه الاتهامات توجه للإخوان المسلمين لا لمؤسسة الرئاسة! الرئيس يوقع على هذه الاختيارات، وهى اختيارات بعضها موفق، وبعضها غير موفق، وبعضها مستفز. *هل استطاع أداء الرئيس أن يلبى تطلعات شباب الثورة ؟ **بالنسبة لى أرى أن الرئيس يحاول ويجتهد، وهذا أهم شىء بالنسبة لى، أن أرى رئيسا يعمل بجد، وأن يكون واضحا فى كل تصرفاته رغبته فى تحقيق أهداف الثورة، أما تقييم الرئيس فلا بد أن يستغرق وقتا معقولا. لقد صبر المصريون على مبارك ثلاثين عاما، ولم يكن منتخبا، فلماذا لا نصبر إلى نهاية الفترة الرئاسية لرئيس منتخب؟ *لماذا لم نجد الكثيرين منهم فى المؤسسات التى تم تشكيلها مؤخرا؟ **شباب الثورة سيقودون البلاد بإذن الله بصندوق الانتخابات،وليس بالتعيين، إننى على ثقة تامة بأن كثيراً من شباب الثورة لا يصلحون للتعيين، فالأحزاب الإسلامية اليوم تريد نمطا معينا من الشباب، وهذا النمط لا ينطبق على شباب الثورة! *هل استطاع الرئيس مرسى أن يؤكد أنه رئيس الجميع وأنه انسلخ بالفعل عن مكتب الارشاد؟ **أنا أرى أن الرئيس مرسى ينتمى إلى الإخوان، ولكنى لا أرى أن الإخوان يسيرونه، فهو يحتفظ بمسافة تفصله عن رغبات التنظيم، ولكنه لم يقطع الأواصر التى تجمعه بالجماعة، وأنا متأكد أن غالبية قراراته لم يعلم الإخوان عنها شيئا، وأنهم عرفوها من التليفزيون مثل بقية المصريين، ولو أن الرئيس كان قد استشار أى أحد فى إقالة المشير طنطاوى والفريق عنان مثلا.. لأحبط الأمر قبل أن يبدأ! *قلت إنك تخشى أن ينجح الإخوان فى السياسة ويرسبوا فى الاقتصاد من أين جاءتك هذه المخاوف؟ **نجاح الإخوان الاقتصادى قائم على أن يطبقوا الاقتصاد الإسلامى، وهو اقتصاد له أسس عادلة ومنطقية، ولكن ما أراه اليوم من خلال تصريحات قيادات الحزب والجماعة أنهم – مع تقديرى واحترامى – لا يفهمون الاقتصاد الإسلامى، ولم يدرسوه! لو طبقت الجماعة نفس الأنموذج الرأسمالى الطبقى المتوحش الذى طبقه مبارك فإنهم بذلك قد فشلوا فشلا ذريعا، وكثير من المؤشرات قد تدل على ذلك. *هل من هذا المنطلق كان هجومك على قرض صندوق النقد الدولى؟ **المشكلة فى القرض الذى ستوقعه مصر مع صندوق النقد الدولى تتلخص فى أمرين، الأول: أنه قرض ربوي، وبهذا يكون المقترض قد خالف ما يؤمن به، الأمر الثانى:أن طريقة التفكير فى حل المشكلة لم تخرج عما فكر فيه النظام المخلوع. كنت أتمنى أن تبتكر مصر حلا جديدا للتعامل مع المشكلات الاقتصادية، أما أن نستعين بنفس الأسلوب، أعنى الاقتراض بدون توضيح ماذا ستفعل الحكومة بالقرض أصلا، ولا كيف ستسدده، فهذا لا يدل إلا على أننا أمام حقنة مسكنة تستخدمها حكومة جديدة فى السلطة من أجل تسكين الآلام الموضعية الملتهبة، لكى تكسب وقتا، وخلال هذا الوقت سوف ترى ماذا يمكن أن تفعل فى كل المشكلات عاجلها وآجلها. *التقى الرئيس الفنانين والمثقفين هل هذا يكفى لطمأنتهم على الهوية المدنية للدولة؟ **مصر لن تكون إلا مدنية! أقول ذلك بكل ثقة ، ليس ثقة فى الرئيس أو فى أى جماعة أو حزب ، بل أقول ذلك ثقة فى الشعب المصرى الوسطى العظيم ! *هل أنت متفائل بالتعامل الرئاسى مع ملف الإعلام رغم ماحدث من غلق قنوات ومنع بعض المقالات فى الصحف؟ **أنا متفائل بحيوية المجتمع المصرى، هذه الحيوية هى التى ستجبر من فى السلطة على إطلاق حرية الإعلام. *بماذا تنصح الرئيس مرسى فيما يتعلق بملف الاعلام؟ **أنصحه بأن يحسم قراراته فى هذا الأمر، وألا يتأخر فى الحسم، وأن يستمع إلى أهل الخبرة فى هذا الموضوع الشائك، وألا يستجيب لأى مستشار سوء ينصحه بفرض أى قيود غير منطقية على حرية الإعلام .وأول ما ينبغى أن يبدأ به هو تحرير ملكية وسائل الإعلام، بحيث يتحرر الإعلام من الامبراطوريات المالية التى تسيطر على الإعلام والإعلان. *هل يستطيع الاعلام الدينى تطوير أدواته للمنافسة فى السوق الاعلامى؟ **الإعلام الدينى مشكلته أنه لا يتبع منظومة السلوك التى يأمر بها الإسلام، فتراه فى بعض الأحيان يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف! ومن أسوأ ما يقوم به الإعلام الإسلامى اليوم أنه يشوه صورة الداعية، ويهز الثقة فى العلماء، لأنه يصدّر ويلّمع بعض السفهاء الدخلاء على العلم الشرعى، فيصنع منهم نجوما، ثم تنصرف هذه النجوم المصنوعة بطريقة تسىء لصورة الداعية، وتشوه مقام العالم.

 

رابط الحوار على موقع مجلة أكتوبر