حرية الاعتقاد مرة أخرى

2012-07-27

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 27-7-2012 م 


كتبت مقالة بعنوان «أفكار خاطئة عن حرية الاعتقاد»، ونشرت فى هذه الزاوية بجريدة «اليوم السابع» يوم الاثنين الموافق 9 يوليو 2012، وقد اتفق البعض مع ما طرحته، واختلف آخرون. 


وكنت قد كتبت مقالة أخرى فى نفس الموضوع فى جريدة الأهرام بتاريخ 5 نوفمبر2011، وكانت بعنوان «حرية الفكر، وحرية الكفر»، وكان خلاصة ما جاء فيها أن التيار الليبرالى الذى يدعو لحرية الفكر لا بد أن يحترم حرية كل الأفكار، حتى تلك الأفكار التى يراها متخلفة، مثل أفكار بعض التيارات الإسلامية التى تحرم الموسيقى والرسم، فهذه أفكار لا بد أن نحترمها وإن اختلفنا معها. 

 

والتيار الإسلامى لا بد أن يحترم أن الله سبحانه وتعالى قد طالب الناس بالإيمان به، ودعاهم إلى ذلك، ولكنه كفل لعباده حرية الكفر، فقال سبحانه «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ».

 

وختمت مقالتى تلك بهذه الجملة: (ستتقدم مصر حين يؤمن الليبراليون بحرية الفكر «بضوابطها»، وحين يؤمن الإسلاميون بحرية الكفر «بضوابطها»!) واليوم أعود لتفصيل بعض ما أجملته فى المقالتين السابقتين، وأعود لتوضيح بعض ما غمض فى المقالة الأخيرة وفسره البعض خطأً. 

 

والحقيقة أننى ما زلت أفكر فى هذا الأمر، أعنى ضوابط التعبير العلنى عن المعتقدات، وعندى من الأسئلة أكثر مما عندى من الأجوبة، وأنا أطرح كل ما عندى من أسئلة وأجوبة على القارئ الكريم، وكلى ثقة أن الحوار سيكون مجديا، حتى إذا تطفل بعض المدعين على مائدة الحوار كما حدث فى المرة الأولى، والقارئ الكريم يستطيع أن يميز بين مجتهد يكتب فكرا، وبين مجموعة من المندسين زورا على الناشطين السياسيين لا يكتبون إلا سبا. 


ألخص النقاش فى محورين، المحور الأول: ما هى ضوابط اعتراف الدولة بطائفة جديدة؟


والاعتراف هنا ليس بكتابة الديانة فى البطاقة الشخصية، فهذا - فى رأيى - حق من حقوق المواطنة، فليس من حق الدولة أن تجبر شخصا على اختيار ما يكتب فى خانة ديانته، وليس من حقها كذلك أن تمنع أى مواطن من معرفة حقيقة مُعْتَقَدِ من يتقدم لزواج ابنته أو أخته، أو من يطلب شراكة تجارية، أو وظيفة فى شركة... إلخ. 


ولكن من حق الدولة بل من واجبها أن تضع ضوابط الاعتراف بمُعْتَقَدٍ ما حين تعتنقه مجموعة من المواطنين، بحيث يتم التعامل معهم كطائفة لها حقوق وعليها واجبات.


الاعتراف بطائفة يترتب عليه أن يكون لأتباع هذه الطائفة حقوق قانونية فى التعامل وفقا لشرائعهم فى الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث، ويصبح لهم نصيب فى الصحف والإذاعة والتليفزيون والإجازات الرسمية والمقررات المدرسية... إلخ، وكل ذلك كلام فى صميم السياسة، وبالتالى لا بد أن يكون للدولة رأى فيه، وأن تكون له ضوابط ما. هل هناك ضابط يتعلق بعدد المعتنقين لهذا المُعْتَقَدِ؟ هل بإجراء استفتاء؟ وهل لو أجرى استفتاء ستكون له نتيجة أخرى سوى أن الغالبية سترفض هذا المُعْتَقَدَ الجديد؟

 

أنا هنا لا أتحدث عن حق الأفراد فى اعتناق ما يشاؤون، ولكنى أتحدث عن تعامل الدولة مع مجموعة من أبنائها اعتنقت مُعْتَقَدًا ما. 

 

هل نترك الباب مفتوحا بحيث لو اعتنق خمسة مصريين أى مذهب سماوى أو أرضى يصبح واجبا على الدولة أن تعترف بهم كطائفة؟ ما هى الضوابط المعقولة التى يمكن وضعها فى هذا الأمر؟ 


من السهل أن نقول إن حرية الاعتقاد مكفولة، ولكن لا بد من أن نعرف أن هناك عواقب سياسية ستترتب على فتح الباب على مصراعيه، كما أن غلق الباب أمر ضد الدين، وضد القانون، وضد العقل، لذلك لم يبق سوى أن يتحاور المجتمع حول الضوابط المعقولة لهذا الأمر. 


المحور الثانى الذى أحب أن يبدأ الحوار حوله: ضوابط التبشير. وأنا هنا أنطلق من واقع مصرى أليم، وهو أن إخواننا فى الوطن من الأقباط يسوؤهم ويؤذيهم كل الأذى أن يتقصد بعض المسلمين أبناءهم وبناتهم بالتبشير، مما يؤدى إلى حالات من الاشتباك تسببت فى أحداث مؤسفة يعرفها الجميع. كما أن حالات التبشير المضادة تصدى لها المصريون المسلمون بكل حزم، وأحيانا بكل عنف.

 

وإذا كان هذا حال التبشير فى المعتقدات المتوطنة فى المجتمع المصرى، فلا شك أننا سننظر للتبشير بمعتقدات دخيلة على المجتمع المصرى بريبة أكبر! 


الأقباط المصريون يبذلون جهودا كبيرة ضد «شهود يهوه»، وكنيسة «المورمون» على سبيل المثال لا الحصر، والأقباط جزء أصيل من المكون المصرى، وينبغى أن نتفهم مخاوفهم فى مثل هذا الأمر. 

 

ما أريد قوله هو أنه لا بد أن يتحاور المجتمع حول هذا الأمر، للوصول إلى ضوابط تتعلق بالدعوة والتبشير بمعتقد ما، وألّا يُترك الأمر بابا مفتوحا للفتنة، وأن نصل إلى قانون يجمع بين حق الناس فى المعرفة، وحقهم فى أن يعتنقوا ما يشاؤون، وفى نفس الوقت حق المجتمع فى الحفاظ على تماسكه ونسيجه الذى حافظ عليه لمئات السنين. 

 

هذه الضوابط - فى رأيى - لا بد أن نعرف فيها مصدر الأموال التى تمول هذا التبشير، وأن تتأكد الدولة من أن من يقوم بهذا العمل لا يستغل فقر أو حاجة المواطن المصرى بأى شكل من الأشكال، وأن المال المرصود للتبشير بأى فكرة لا تقف من ورائه أى أجندة سياسية. 

 

منذ فترة أعلن الدكتور العوا أنه كان ضمن لجنة رفضت تداول مناظرات الداعية أحمد ديدات، رحمه الله، فى مصر، وأن ذلك كان بسبب أن هذه المناظرات ستتسبب فى فتنٍ المصريون فى غنى عنها، وأذكر فى ذلك الوقت أن أحدا لم يختلف على ذلك، وأن أحدا لم يتحفظ على ما أعلنه الدكتور العوا. 

 


إن فتح أبواب التبشير دائما ما يكون فى صالح الإسلام، ولكن هدف هذه المقالة هو أن نفتح جراحا مسكوتا عنها منذ عشرات السنين، وأن نعترف بأن التبشير فى أحيان كثيرة يتسبب فى فتن لا طائل للأمة بها، وأن الدولة لا بد أن تتدخل فى بعض الأحيان. 

 

سيقول البعض إن كلامى قد يضر بالدعوة الإسلامية فى أوروبا وأمريكا، والحقيقة أن من حق كل المجتمعات أن تحافظ على نسيجها الوطنى، وينبغى على كل داعية أن يحترم هذا الأمر. 


ومثال ذلك ما حدث فى سويسرا، كانت الدعوة الإسلامية تسير على قدم وساق، ولكن اختار البعض أن يصطدموا بالمجتمع السويسرى ببناء مئذنة تكون أعلى بناء فى إحدى المدن السويسرية، وهذا استفزاز لا معنى له، ولا يضيف شيئا للدعوة الإسلامية. 


حين حدث ذلك تدخلت الدولة السويسرية بشكل ديمقراطى، ورفض الأمر فى استفتاء شعبى، وأعتقد أن تصويت أهل البلد ضد هذا الأمر كان منطقيا جدا! 

 

وهنا لا بد أن أشير إلى أننى قد ذكرت موضوع «تدخل الدولة» فى مقالتى السابقة، وفوجئت بأن البعض فسر كلامى على أنه تدخل لأجهزة الأمن والمخابرات! 


وهو تفسير لم يخطر ببال الكاتب بأى حال من الأحوال، وأنا حين أتحدث عن تدخل الدولة فى مثل هذا الأمر فأنا أقصد المؤسسات الثقافية والإعلامية والدينية، وأن يكون هذا التدخل وفقا للقانون، وباحترام الآليات الديمقراطية، ولم يكن يخطر ببالى بأى حال من الأحوال أن كلامى سيفسر على أنه دعوة لقطع رقبة كل من يعتنق أو يبشر بمعتقد جديد. 


هذا الأمر لا علاقة لأجهزة الأمن به، وتدخل أجهزة الأمن فى مثل هذه الأمور لا يزيد النار إلا اشتعالا، وهذا من صميم عمل مؤسسات أخرى نعرفها جميعا، ولكنها للأسف لم تؤد دورها على مدار عشرات السنين، وتركت هذا الدور، مما أدى إلى تدخل أجهزة الأمن فى أمور لا علاقة لها بها. خلاصة الأمر، أننا أمام موضوع شائك، يحتاج حوارا مجتمعيا واعيا ناضجا، يشترك فيه الجميع، بدون حساسيات، وبدون تحيزات مسبقة، وبضمائر تراعى مصلحة هذا الوطن.

فهل سيبدأ هذا الحوار يوما ما..؟
أتمنى ذلك..

رابط المقال على موقع اليوم السابع