شدى حيلك يا بلد

2012-08-08

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 8-8-2012 م  


نوح مات. بهذه الرسالة المختصرة استيقظت يوم الأحد الماضى (5 أغسطس 2012). فى عام 2006 أخبرنى بعض الأصدقاء برغبة الفنان محمد نوح فى أن أزوره فى صالونه الذى يقيمه بشكل دائم لأصدقائه وأحبابه، فلبيت فورا فهو عندى قامة عالية عالية. 


كانت فرحة (نوح) بشاعر مصرى شاب (يهجو مبارك) كفرحة الأطفال بملابس العيد، وفرحتى بفرحته كانت كفرحة طفل يصفق له الجمهور وهو يقف على مسرح المدرسة لأول مرة! 

 

تركيبة صالون نوح تركيبة فريدة، تجتمع فيها الأضداد، فيتآلفون، ويتعاركون، وهو جالس بينهم يستمع، ثم يضبط إيقاع المكان بمكانته فى القلوب. 

 

فى زيارتى قبل الأخيرة له اختلى بى عدة دقائق، وقال لى (مستنى الموت يا عبرحمن، بس لسه شوية، عايزك تزورنى مرة كمان قبل ما اموت، وسلم لى على باباك)! 


وقد كان.. وفى آخر زيارة له غنى، وكم كان غناؤه جميلاً، ولست أدرى هل كان غناؤه جميلاً برغم كل هذا العناء والمرض أم أن رغبتنا فى الاستماع إليه كانت أكبر من أن نقيِّمَ غناءه! 

 

كان متعباً جداً، ولكنى أقسم أن لمعة تظهر فى عينيه حين يغنى تهب الحياة لكل من يراها، وأقسم أن كل من حضر هذا اليوم قد منحت له حياة أخرى من نظرته تلك، وهى نظرة يراها كل من كان له قلب، وأحسب أن جميع الحضور كانوا كذلك. 

 

فى صالون نوح تعرفت على إخوة وأحباب كثر على رأسهم أخى الشاعر الكبير الدكتور صلاح عبدالله، تلك الموهبة الفذة التى طالما سعد بها الموسيقار نوح. 

 

كان محمد نوح أنموذجا للمثقف الذى يحترم ويحتوى الآخرين من المختلفين معه، أنا شخصيا كنت أختلف معه فى مكونات أفكارى الأساسية، ولكنى لم أشعر ولو للحظة واحدة أنه ينظر لى سوى بعين الود والحب والاحترام، ولم أشعر أنه يتظاهر بذلك، بل كان كل ما فيه ينطق بالصدق. 


استفدت منه فنيا، فهو فنان قدير، وموسيقى موسوعى، يحفظ التراث كله، وهو عالم بالموسيقى غربيها وشرقيها، ولولا أنه عاش فى الزمن الأغبر الذى ضاعت فيه القيمة، لكان له شأن آخر أكبر! 

 

رحيل محمد نوح –بالنسبة لى– خبر كئيب، يزيد من جرعة الحزن فى قلبى، ولكن لا نملك إلا أن ندعو لهذا الموسيقار العظيم والإنسان الصادق بالرحمة. عزائى لكل أبنائه وبناته وتلاميذه وأصدقائه ومحبيه.. شدوا حيلكم.. شدى حيلك يا بلد..

رابط المقال على موقع اليوم السابع