دولة الأسياد والعبيد (3)

2015-01-06

قلنا في المقالة السابقة إن رجال دولتنا وعلى رأسهم السيد رئيس جمهورية الأمر الواقع عبدالفتاح السيسي لا يعتبرون أن الحكم أساسه ومرجعيته الدستور والقانون، ولا ينظرون للأمة على أن لها السيادة المطلقة، ولا ينظرون لمؤسسات الدولة على أنها ملك للأمة كلها، ولا للموارد على أنها حق لسائر الأجيال القادمة، ولا للدولة كوسيلة لتحقيق الرفاهية للمواطنين ... بل ينظرون لكل هذه الأشياء كوسائل وأدوات رفاهية مسخرة لهم فقط.

الدولة، والمؤسسات، والدستور، والقانون، والموارد، كلها حق للسادة، يتصرفون فيها كيف شاؤوا، ولا حق للعبيد (أعني المواطنين) فيها.

من حق السادة أن يفعلوا ما أرادوا، وبالتالي ... من حقهم الالتزام بالدستور اليوم، ومخالفته غدا، أو تطبيق القانون على المعارضين فقط، أو منح الموارد لأعداء الأمة، وحرمان أهل البلد منه، أو منع الخير عن السواد الأعظم من الناس، أو تخصيص الخيرات لبعض أصحاب الحظوة و"الهليبة"، أو فرض الضرائب على كل البشر إلا على مؤسسات أو أفراد بأعينهم، أو فرض هيبة الدولة في حين، والتساهل في فرضها في أحايين هي أشد وأنكى ...!

من حقهم أن يعتبروا كل معارض خائنا، ولهم أن يصادروا الأموال، ولهم أن يصنفوا شيوعيا ماركسيا مثل (هيثم محمدين) بأنه يمول إرهاب تحالف دعم الشرعية !

إنهم ينظرون للمواطن على أنه عبد، لا حق له في المعرفة، ولا حق له في السؤال، وإذا كان الأمر كذلك، فهيهات أن يكون له حق المعاتبة، ناهيك عن المراقبة، وهيهات المعاقبة !

وإذا تطاول هذا المواطن وقام أمام أسياده وقال (لقد خلقنا الله احرارا ولم يخلقنا تراثا أو عقارا، فو الله الذى لا اله الا هو لا نورث ولا نستعبد بعد اليوم)، أو إذا قال (عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية) ... إذا فعل المواطن ذلك فإن رجال الدولة المصرية ينظرون إليه على أنه عبد تطاول على أسياده، ولا بد لهذا العبد من العقاب، أو القتل.

مصطلحات رجل الدولة المصري ستجدها تمعن في استخدام لغة السيد أمام عبده !

إذا كنت من رجال الدولة فأنا أعلم أنك الآن تستشيط غضبا، وتريد أن تقول لي "اثبت كلامك".

حاضر ... سأثبته حالا !

في الجزء الأول من هذه السلسلة (دولة الأسياد والعبيد) قلت إنني سأكتب عن اتفاقية العار الجديد، اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، والتي منحت حقول الغاز المصرية في البحر المتوسط لإسرائيل وقبرص واليونان.

وسألخص لك عزيزي القارئ الحكاية باختصار أرجو أن لا يكون مخلا، لأن الموضوع كثير التفاصيل :

تنبأت شركات النفط (الأمريكية) باحتمال وجود ثروة من الغاز الطبيعي في منطقة شرق البحر المتوسط لكنها في مياه عميقة، فبدأت شركات منها تطور أدوات الاستكشاف القادرة على العمل في الأعماق، ومن ناحية أخرى أبدت شركات منها اهتمامها لدولتين، هما قبرص ومصر (غالبا لأنهما الأقرب للمنطقة).

في مصر (حصلت شركة "شل" على امتياز "نيميد" للاستكشاف لمصر في تلك المنطقة).

ومن ناحية ثالثة (ربما صدفة) وضعت الأمم المتحدة القانون لتحديد حقوق استغلال ثروات المياه (المنطقة الاقتصادية الخالصة).

في الوقت نفسه بدأت أنشطة استكشافية ومناورات في شرق المتوسط من عدة دول تحت ذرائع متنوعة (الإرهاب، الاستكشاف العلمي)، ونشرت إسرائيل نتائج بحثية كثيرة عنها.

كان واضحا أن القوى العالمية (السياسية/الاقتصادية) أدركت أهمية ثروة المنطقة وفضلت أن تكون مفاتيح الثروة والنفوذ مع إسرائيل (وشريك ضعيف يمكـّن إسرائيل منها، وهو قبرص)، لأن البديل هو أن تذهب لمصر، وهناك (فيتو) عالمي يمنع مصر من أن تكون دولة قوية، وحكام مصر يتآمرون مع العالم لتظل مصر ضعيفة.

ثم عطلت شركة "شل" الاستكشاف المصري في نيميد بحجج واهية (7 سنوات ثم انسحبت)، وقامت شركة أمريكية واحدة (نوبل إنرجي) بالتشارك مع الدولتين قبرص وإسرائيل للاستكشاف لهما، وبالفعل اكتشفت حقولا باحتياطيات كبيرة، في الوقت الذي ضيعت مصر فرصها مع شركة "شل".

أقامت إسرائيل جسور تعاون مع قبرص، لتستفيد منها بترسيم حدود مائية (مستغلة قانون الأمم المتحدة)، وبذلك أصبحت الحقول الكبيرة في مياه إسرائيل وقبرص (لفياتان، تمار، شمشون لإسرائيل، وأفروديت لقبرص)، رغم أن مصر ولبنان أولى بها بالحسابات الجغرافية والتاريخية.

وتعاونت إسرائيل وقبرص أيضا في إنشاء خطوط أنابيب لتصدير الغاز المسيل لأوروبا، (ودخلت اليونان للضرورة لمسار الخط).

وتدخلت تركيا (بمناورات وهجوم) لتحظى بجزء من النفع لتمرير الخط عبرها. قامت قبرص بترسيم حدود المنطقة الخالصة مع مصر، وبشكل ناقص مع لبنان، (لغياب حدود إسرائيل)، ثم قامت بترسيم الحدود مع إسرائيل لتستفيد من النقص في الاتفاقيتين وتمتد حدودها داخل الاثنتين.

موقف السلطات المصرية صب في صالح استحواذ قبرص وإسرائيل على تلك الثروة، فوقعت مصر اتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص بتنازلات لا مبرر لها، عبرت قبرص نفسها عن سعادتها بالاتفاق، ووصفته صحافتها بالنصر الكبير.

ورفضت مصر ترسيم الحدود مع إسرائيل، وكذلك رفضت التنازع عليها، مكتفية بالإعلان عن أنها حفظت حقوقها بتقديم إحداثيات منطقتها للأمم المتحدة.

وتترك مصر شركة شل لتعطل الاستكشاف لصالح مصر إلى 2011 أي بعد إعلان إسرائيل وقبرص عن الحقول، وبعد ذلك يتبرع مسؤولون مصريون بنفي أي تعدٍ قبرصي على ثروات مصر، بل إنهم قد أنكروا الخرائط التي تثبت ذلك التعدي. حاولت مصر في مرحلة ما إدخال شركات صينية ويابانية للاستكشاف لصالح مصر، ولكن كانت تلك الشركات غير قادرة على العمل إلا في أعماق مائتي متر أصلا.

في الوقت نفسه كانت قبرص (مدعومة من إسرائيل) تعمل دون كلل في الاستكشاف والتنقيب، وبالرغم من توقيع مصر على اتفاقية ترسيم حدود مجحفة مع قبرص في 2003، إلا أن شركات التنقيب رفضت التنقيب في هذه المنطقة المحاذية لمصر حتى تحصل قبرص على موافقة مصر، وذلك من خلال اتفاقية صريحة تؤكد حق قبرص فيما تستخرجه من غاز في تلك المياه.

في 14 سبتمبر 2011، زار رجب طيب إردوغان القاهرة على رأس وفد حكومي كبير. وأوردت المصادر القبرصية أنه حاول دفع مصر (ولبنان) إلى إلغاء ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة مع قبرص.

ولكن ... هيهات ... فأردوغان عدونا، حتى إذا كان حليفنا الوحيد في هذه المواجهة مع دول البحر المتوسط الطامعة في ثرواتنا.

وبدلا من التعاون مع تركيا، مرت الأيام، ووجدنا الرئيس المؤقت عدلي منصور، يوقع اتفاقا في 12-12-2013 يمنح به جزء من مياهنا الاقتصادية لقبرص، ثم جاء السيسي ليصدق عليه نيابة عن مجلس الشعب في 31-8-2014.

الخلاصة ... أننا وجدنا رئيسا مصريا، وصل إلى السلطة بانقلاب عسكري، قام وحده دون برلمان بالتصديق على اتفاق ترسيم الحدود مع دولة قبرص، وهو تصرف لا يمكن تفسيره بأي منطق.

لكي يعرف القارئ حجم المصيبة، هذا التوقيع يعتبر تنازلاً هائلاً، لأنه سيحرم مصر من حقها في مساحة تبلغ ضعف مساحة الدلتا !!!

إذا عرفت أن رجلا اشترى أرضا بعُشْرِ ثمنها، في غيبة أصحابها، من شخص لا يملك صفة بيعها، أو يملك توكيلا مشكوكا فيه، لا بد أنك سترتاب، وستشك في أن الشخص الذي باع الأرض في غيبة أصحابها (بعشر ثمنها) قد أساء التصرف (لسبب ما)، أو أن له مصلحة ما في إتمام هذه الصفقة بهذا الشكل الذي يضيع مصالح المالك.

هذا بالضبط ما حدث في اتفاق ترسيم الحدود مع قبرص !!!

إن أي تفريط في ترسيم الحدود البحرية المصرية (بالإضافة لما فيه من معنى التفريط في تراب الوطن) معناه التفريط في ثروات يقدر حجمها بثلاثمائة مليار دولار !!!

هذه الثروة من الممكن أن تنقل مصر من دولة فقيرة إلى دولة غنية، وأن تحل بها مصر مشاكلها الاقتصادية كلها، ولكن يبدو أن الرئيس الذي يحاول أن يشرعن وجوده في السلطة يرى غير ذلك، أو ربما أقنعه القبارصة بغير ذلك بطريقة ما.

في نهاية الأمر ... هل تعلم بماذا سيرد محامي الدولة على كل هذه المعلومات؟

أقول لك من الآن : سيرد محامي الحكومة قائلا :

"إن الجهات السيادية قد رأت أن المصلحة العليا للبلاد تقتضي أن نتخذ هذه القرارات، وهذه الجهات السيادية العليا لا يحق لأحد أن يراجعها، أنتم لا شأن لكم بذلك، والقضاء غير مختص بمراجعة هذه القرارات السيادية العليا.

من أنتم؟؟؟؟ كل معلوماتكم وخرائطكم خاطئة، والأفراد لا دخل لهم ولا مصلحة لهم، خصوصا أننا نعيش في ظرف استثنائي صعب، والأخطار تحدق بنا من كل جانب، وبإمكانكم أن تروا دول الجوار، لذلك ... فقد قررت هذه الجهات السيادية أن من المصلحة العليا للبلاد تقتضي ذلك، ولا يحق لأحد أن يسأل لماذا، فهذه أسرار عسكرية، وإظهارها خطر على الأمن القومي، في لحظة تاريخية فاصلة ... الخ"

وبالتالي ... تكون الخلاصة : نحن أسياد هذا البلد أيها العبيد، أتتجرأون على أسيادكم يا كلاب !!!

نحن من نطعمكم ونسقيكم، ووالله لنذيقنكم العذاب، يا شعب الأكل والنكران، يا شعبا ناكرا للجميل !

هذه هي خلاصة مذكرة الحكومة، نحن أسيادكم، وأنتم عبيد إحساننا، ولا حق لكم في السؤال، (هذا هو المعنى الحقيقي والدقيق لكلمة "جهات سيادية عليا"، لأن هذا اللفظ لا أساس له في القانون أو الدستور).

وبالتالي ... لا يحق للمواطن المصري أن يسأل عن الحكمة من تبديد ثروة تبلغ أكثر من 300 مليار دولار !!!

هل سكت الشعب المصري عن هذه المهزلة؟

لا ... فهناك قضية ستنظر يوم 20 يناير القادم أمام مجلس الدولة، وسوف يترافع فيها الفارس المصري العظيم، محامي الشعب المصري، سعادة السفير إبراهيم يسري، هذا الوطني الذي ترافع في قضية تصدير الغاز المصري لإسرائيل، ها هو اليوم يقوم بفرض الكفاية نيابة عن الأمة المصرية كلها.

هل يستطيع نظام السيسي أن يتهم السفير إبراهيم يسري بالخيانة والعمالة وكره الجيش وسائر هذه الاتهامات الحقيرة؟

طبعا يستطيع ... فهذا نظام مثل "الغَزِيَّة"، ترميك بما فيها، ولكن المشكلة الكبرى أمام هذا النظام أنه قد شهد لسعادة السفير بالوطنية !

حين حاول نظام الانقلاب أن يظهر وطنيته، قام بتكريم مجموعة من الوطنيين الذين لا يختلف أحد عليهم، ومن ضمن هؤلاء كان الفريق القانوني الذي أعاد طابا إلى أحضان مصر، وعلى رأس هؤلاء سعادة السفير إبراهيم يسري، فحصل على وسام الجمهورية من الطبقة الأولى من عدلي منصور (الرئيس الذي عينه الانقلاب)، وذلك تكريما لجهوده في إعادة طابا إلى مصر.

إذا كان من أعاد طابا إلى حضن مصر عميلا ... فمن الوطني إذن؟

إذا كان من كرمتموه بأعلى الأوسمة والنياشين عميلا ... فمن الوطني إذن؟

في نهاية الأمر ... إذا أردت أن تعرف المعنى الحرفي التطبيقي العملي لدولة الأسياد والعبيد، تابع هذه القضية جلسة جلسة، اذهب واحضر مرافعات المحامي، وشاهد الفارق بين ما يقوله محامي الشعب، وبين ما يقوله دفاع الحكومة، تابع ما ينشر عن القضية، تابع ما يقوله سعادة السفير إبراهيم يسري في مقالاته، تابع التقارير الخارجية عن القضية ... إذا فعلت ذلك ... ستعرف حرفيا ما معنى دولة الأسياد والعبيد !

نراكم في قاعة محكمة مجلس الدولة في شارع مراد صبيحة يوم 20 يناير 2015 !

عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...